ماذا يعني تكرر الإهانات السعودية للمغاربيين؟

حجم الخط
17

لن نتحدث عن تصرفات أو مواقف قد تحصل لأفراد عابرين، بل سنركز فقط على الإهانات الإعلامية التي وجهها الامير السعودي تركي آل الشيخ قبل ايام لبعض المغاربيين. فإن افترضنا أن هجماته الأولى عليهم لم تكن سوى انفلات لغوي غير مقصود، فكيف نبرر إذن تكررها مرة ثانية وثالثة وربما حتى رابعة؟ وكيف نفهم تلك الازدواجية بين شعوب رفضتها واستنكرتها بشدة على قدر استطاعتها، وحكومات غضت الطرف عنها واكتفت بالالتفاف عليها وتطويقها والتقليل من شأنها، ممتنعة عن اظهار أدنى إشارة قد تدل على قلقها وغضبها منها.
فهل صارت علاقات الطرفين في مواجهة ظاهرة توشك على التحول إلى قاعدة ثابتة ومستقرة، وهي الإهانات السعودية؟ وهل تتصرف الحكومات المغاربية معها على ذلك النحو الهادئ والمتساهل من باب حرصها على الحفاظ على أواصر اخوة تنكرت لها السعودية وداستها بالجزمة؟ أم أن الدافع الحقيقي لذلك هو رغبتها في أن لا تجازف بخسارة مصالح مشتركة أدار لها السعوديون الظهر بعجرفة وصفاقة؟ أم هل تكون الحسابات الإقليمية والدولية هي التي تفعل فعلها مثل كل مرة؟
من المؤكد أن هناك أكثر من مسألة قد تكون أولى باهتمام المغاربة والجزائريين والتونسيين من متابعة مسلسل إهانات السعودية لبلدانهم، الذي لن تكون تصريحات وتغريدات تركي آل الشيخ الحلقة الاخيرة منه. لكن سواء رأى البعض ممن تابع منهم أن ما صدر عنه قد يستحق الشكر نظير الخدمة الجليلة التي أسداها للتضامن المغاربي، من حيث لا يدري؟ أم كال له البعض الآخر أقذر النعوت والشتائم وشهّر بالطول والعرض بكم الإهانات التي اقترفها بحق المغاربيين عن سابق إضمار وتصميم، ففي كلتا الحالتين لا يبدو أن القمم والمؤتمرات والبيانات الجماعية نجحت في تحقيق ما تمكن آل الشيخ من صنعه في غضون أسابيع قليلة، بمجرد أن صوب بعضا من قنابله الدخانية ناحية المغرب الكبير. فقد تحول تركي آل الشيخ من أمير سعودي مغمور وشبه مجهول، إلى واحد من اكثر الشخصيات المشهورة والمعروفة في المغرب العربي، والمثيرة لقدر واسع من الجدل الشعبي بشأن تصرفاته ومواقفه من قضايا ظاهرها رياضي صرف وباطنها سياسي خالص. وربما كتب التاريخ عنه يوما ما أنه كان من بين من تسببوا، من حيث لا يدرون في إعادة بعض البريق وبعض الحياة لوحدة مغاربية شعبية، مازالت مظاهرها تستعصي عن التحقق الفعلي والكامل على أرض الواقع. ومثلما بات من المقبول والمعقول أن نجد في النهر ما لا نجده في البحر، وأن نلدغ كل مرة من الشقيق قبل الصديق، فإنه لم يعد بالمستبعد والغريب أيضا أن نرى بصيص الأمل والنور، لا في المواقف والمبادرات المثمرة والمفيدة وحدها، بل حتى في السقطات والحماقات كذلك.
فمن كان يصدق ان ما فرقه الغزاة والمستعمرون بالمكر والخديعة، سوف يجمعه بلمح البصر سخف وغباء بعض الاشقاء ورعونتهم وقصور فهمهم وتقديرهم؟ ولكن ذلك حصل ويحصل بالفعل. فبموقف شاذ من هنا وبتصريح عشوائي متشنج من هناك، استطاعت السعودية أن تحقق في غضون أيام قصيرة، وبفضل سلاطة لسان تركي وتغريداته الغريبة على تويتر، شبه اجماع مغاربي نادر الحدوث، وان تجعل التونسيين والجزائريين والمغاربة يلتقون على قلب رجل واحد، رفضا لنبرة الغطرسة والتعالي والازدراء و»الحقرة» والتنصل من أبسط قواعد التضامن العربي والإسلامي، التي باتت السمة الغالبة في تعاملها معهم.
لقد بدأ الامر بما يشبه المقامرة التي لم يتصور من بادر بها بأنها سترتد عليه بالوبال وبمثل تلك الفضيحة المدوية، وانها ستجعل المغاربة والجزائريين الذين فرقتهم حيل السياسة وألاعيبها يجتمعون معا ولو على مشروع هلامي، وهو الترشح المشترك لتنظيم بطولة كأس العالم. ولكن أليس أول الغيث قطر؟ وأليست تلك الخطوة بالذات على محدوديتها و رمزيتها وفي ظل حالة التوتر المزمن التي تشهدها علاقة الجارتين المغاربيتين، بسبب التصعيد المستمر في ملف الصحراء لبنة يمكن البناء عليها في المستقبل؟
ربما لم يتوقع المغاربة أن تخذلهم السعودية في ملف الترشح بذلك الشكل العلني والمكشوف. فالعلاقات بين الأسرتين الحاكمتين في البلدين لم تكن، رغم مرورها أحيانا ببعض فترات الوهن والضعف، موضع شك أو مبعثا على قلق الرباط أو شكها وارتيابها في الحصول على الأقل، على الحد الادنى من دعم السعودية وتضامنها معها في أكثر من ملف، لعل اهمها هو ملف الصحراء. ولكن أي شيء دفع السعوديين لأن يتصرفوا بشكل تخلوا فيه علنا وبالكامل عن كل الروابط الاخوية المعروفة؟ إن صدقنا ما كتبه آل الشيخ في واحدة من تغريداته على تويتر فسنستنتج أن البراغماتية هي التي اقتضت ذلك، وهي التي جعلتهم يخرجون من عصر أنصر اخاك ظالما أو مظلوما، إلى زمن آخر صار فيه الحسم والاختيار بين الابيض والاسود ضرورة ملحة، مادام أن «اللون الرمادي لم يعد مقبولا» بالنسبة لهم بحسب الأمير. ولأن ميزان القوى يرجح للأقوى فلم يعد حتى تطييب الخاطر ببعض العبارات الودية مفيدا، بل صار من الضروري أن تكشف الأوراق بشكل صارم وتحدد المسارات والاتجاهات بوضوح. فأمام سحر واشنطن لن يبقى موضع أو مكان في عقل وقلب الرياض لأي عاصمة عربية أو اسلامية. لكن هل كان ذلك الموقف مجرد تصرف معزول يتعلق فقط بقضية محدودة، هي دعم ترشح المغرب لاستضافة كأس العالم؟ أم أنه إعلان عن سياسة خارجية لا مكان فيها للعواطف والمشاعر، وربما حتى للقضايا القومية والإسلامية؟
ربما وجدنا الجواب في التصرفات السعودية في اليمن وقطر مثلا وهما الجارتان الأقرب لها. ولعل ما يلفت النظر فيها هو انه وبقدر حرص المغاربيين على احترام الموقف السعودي، رغم تعارضه التام مع ابسط الاعراف والمواثيق الانسانية قبل العربية، فإن الرياض لم تقبل ابدا بموقف الحياد الذي اختارته العواصم المغاربية بخصوص حصار قطر، و لم ترض عن عدم حماستهم لتدخلها المفرط في اليمن. وهو ما جلب لتلك العواصم مزيدا من المتاعب والضغوط الخفية والمكشوفة وحتى الإهانات. فقد كان من الواضح انها لم ترغب منهم ان يكتفوا فقط بمتابعة مغامراتها اليمنية، أو مؤامراتها في قطر، بل أن يدعموها ويشاركوا فيها معها بالقول والفعل. أما الاخطر من ذلك فهو أن الطموح السعودي للعب دور العراب الاقليمي والمروج لصفقة القرن، يصطدم حتى الان بموقف مغاربي متحفظ قد لا ينسجم مع الرغبة السعودية، في تحقيق اختراق حاسم تتحول فيه البوصلة العربية من القدس إلى عواصم أخرى كطهران مثلا. وما يجعل الامور معقدة ومفتوحة على كل احتمال هو استمرار حالة الضبابية والغموض السياسي في المنطقة المغاربية برمتها. وهذا ما يحمل الشعوب مسؤولية أكبر لا في التنديد بالإهانات فقط، بل في العمل أيضا على الحفاظ على الثوابت التي لم يعد يعرفها من هم على شاكلة تركي آل الشيخ للأسف الشديد.

كاتب وصحافي من تونس

 ماذا يعني تكرر الإهانات السعودية للمغاربيين؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية