قاطعوا بعض ماركات الحليب وعلب المياه. فهل يقدرون أيضا على مقاطعة الأمريكان؟ لن يكون المحفز الوحيد لهم لفعل ذلك هو إزاحة ايفانكا ترامب ستارة لوحة السفارة الامريكية في القدس بالنيابة عن أبيها. فالجميع يعلم تمام العلم أن المحتل والمغتصب لم يكن الكيان الإسرائيلي وحده، وأن الأمريكان كانوا اكثر من شركاء في كل الجرائم التي ارتكبت على الأرض المقدسة.
لكن هل يمكن أن يكون ذلك المشهد بالذات بالنسبة لهم منطلق حراك جديد، وأن يقدم المغاربيون قبل المشارقة المشغولين بحروب دونكيشوتية مع إيران، على توجيه أصبع الاتهام للأمريكان معلنين شكلا من أشكال المقاطعة لهم؟ أم أن المغاربيين لا يختلفون في شيء عن المشارقة، الذين أداروا ظهورهم من زمان لفلسطين، رغم كل ما يرددونه من شعارات ثورية؟ نعرف أنهم شاركوا قبل سبعين عاما في حرب الثمانية والأربعين، متحدين الصعوبات والعوائق التي واجهوها فترة الاستعمار الفرنسي المباشر، وابلوا فيها البلاء الحسن.
أفلا يكون جديرا الان باحفادهم تجديد مناصرتهم للقضية التي ضحى من اجلها اجدادهم بأسلوب مخالف يتعدى المواجهة المباشرة مع العدو الإسرائيلي إلى مقاطعة أكبر داعميه وهي أمريكا؟ لقد فعلها المغاربة واستطاعوا منذ اسابيع أن يقاطعوا بشكل فاعل ومؤثر بعض ماركات الحليب والمياه المعلبة، وحتى محطات الوقود، مستجيبين لحملات «مقاطعون» و»خليه يريب» (دعوه يفسد) و»مازوطكم حرقوه» (أحرقوا وقودكم) التي سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم على شبكة الإنترنت، للرد على موجة ارتفاع أسعار تلك المواد. واقتفى الجزائريون أثرهم ونجحوا في الترويج على مواقع التواصل الاجتماعي لوسم «خليها تصدي» اعتراضا على اسعار مركبات النقل في البلاد، قبل أن يتبعهم الليبيون بدورهم ولو بشكل محدود، حين أطلق بعض ناشطيهم في الايام الاولى لشهر رمضان وسم «خلو الحليب عندكم» للضغط على الشركات المحلية حتى تخفض أسعار الحليب. لكن لا المغاربة ولا الجزائريون ولا الليبيون، ولا حتى التونسيون، الذين خرجوا للشوارع بالالاف في ديسمبر الماضي في مظاهرات حاشدة، للتنديد بقرار ترامب نقل السفارة الامريكية من تل ابيب إلى القدس، اطلقوا حتى الان اي حملة لمقاطعة اي منتج من منتجات العم سام، التي تملأ بيوتهم واسواقهم، تعبيرا عن رفضهم للقرار الامريكي المذكور، ما يطرح اكثر من نقطة استفهام حول سبب غياب اي بادرة مغاربية من ذلك القبيل. فهل أن المغاربيين لا يتحمسون بطبعهم لمقاطعة، أي بلد أو منتج الا في حال ما اذا تعلق الامر بوجود تهديد جدي ومباشر لجيوبهم أو بطونهم؟ أم أن مناصرتهم لفلسطين لا تتعدى الخط التقليدي المعروف، أي التنديد الرسمي والتظاهر والاحتجاج الشعبي المؤقت والمحدود، وتبلغ أشكالا أخرى أوسع مدى وأشد عمقا وتأثيرا؟
لنقر بداية بان التفكير في مقاطعة بلد مثل امريكا ليست بالامر الهين أو السهل حتى بالنسبة لاقوى اقتصادات الدنيا واكثرها صلابة وتماسكا، فما بالك بدول المنطقة التي تشكو في الغالب من وهن وضعف بنيوي فادح، ومن مشاكل وصعوبات لا حصر لها، رغم انها ترتبط تجاريا واقتصاديا باوروبا اكثر من ارتباطها بالقوة الكونية الاكبر. ولكن من يعتقد ان أي دولة مغاربية تستطيع في الظرف الحالي أن تقدم على خطوة مماثلة، وان تقاطع امريكا حتى دبلوماسيا وتستدعي مثلا سفيرها في واشنطن، أو تخبر السفير الامريكي المعتمد لديها بأنه بات شخصا غير مرغوب فيه، وانه بات مطالبا بأن يغادر البلد ولو بشكل مؤقت مثلما فعل الاتراك مع القنصل الاسرائيلي في اسطنبول.
لا شك بأن أي واحد من الدول الخمس لا يقدر أو يجرؤ على فعل ذلك. خذوا مثلا تونس. ففي ديسمبر الماضي خرج احد مستشاري الرئيس قائد السبسي ليعلن في قناة تلفزيونية خاصة عن استدعاء الرئيس التونسي للسفير دانيال روبنشتين إلى قصر قرطاج، لإبلاغه موقف تونس الرافض لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل. وقد فسر اللقاء حينها على انه خطوة جريئة وغير مسبوقة، لم يقدم عليها اي رئيس عربي، تعبيرا عن معارضته للخطوة الامريكية الاخيرة. وخرجت نقابة الصحافيين في ذلك الوقت لتدعو الصحافيين والنخب التونسية إلى التحرك ضد ذلك القرار «الظالم والخطير» وإلى مقاطعة أنشطة السفارة الامريكية في تونس. لكن لا أحد عرف ما الذي جرى تحديدا بين الرئيس والسفير، ولا أحد سأل ايضا عن حقيقة لقاء وزير الخارجية خميس الجيناوي قبل يوم واحد فقط من قرار ترامب نقل السفارة للقدس بالسفير الامريكي المعتمد في تونس، الذي ذكرت وكالة الانباء الرسمية انه جرى خلاله «بحث واقع العلاقات التونسية الامريكية، وسبل الارتقاء بها في جميع المجالات، بالاضافة إلى الاستحقاقات الثنائية المقبلة واستعراض عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، ومنها مستجدات الأوضاع في الشرق الاوسط، بحسب نص البيان الذي نشرته، ولا احد اهتم بعدها باللقاء الذي جمع الجيناوي بالسفير الامريكي في الثالث من الشهر الماضي، والذي أكد فيه المسؤول التونسي، بحسب البيان الرسمي للوزارة، «حرص تونس على تطوير علاقات التعاون مع الولايات المتحدة الامريكية بما يتماشى وعراقة أواصر الصداقة بين البلدين ومتانتها، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والامنية الملحة، التي تمر بها تونس حاليا وحاجتها إلى دعم اصدقائها وشركائها»، تبعا لما جاء في نص البيان الذي نشرته معظم وسائل الصحف ووسائل الاعلام المحلية، في تجاهل واضح لدعوة النقابة لمقاطعة انشطة السفير والسفارة.
فهل كان يعني كل ذلك شيئا آخر عدا عن أن دعم فلسطين ليس سوى مسألة لفظية لا يمكن أن تؤثر بأي حال على ما وصفه البيان الرسمي بالحرف بالحاجة إلى دعم الاصدقاء وعلى رأسهم الأمريكان بالطبع؟ المؤكد ايضا أن مثل تلك الوضعية تنطبق على باقي الدول المغاربية، التي لا تستطيع أن تفرط بعلاقاتها مع امريكا مهما بلغت حماستها لقضية فلسطين. لكن ما لا يقدر عليه الرسميون يمكن أن يقوم به بالتأكيد غيرهم. فإذا كانت مقاطعة الأمريكان صعبة وربما مستحيلة على المسؤولين الحكوميين، فما الذي يمكن أن يمنع شباب مواقع التواصل مثلا من الضغط لتفعيل قوانين تجريم التطبيع مع اسرائيل، المعروضة في كل من تونس والمغرب ومن إطلاق حملات لمقاطعة البضائع الاسرائيلية والامريكية، أو ما الذي يمكن أن يمنع اتحاد نقابات العمال التونسي من أن يعمم قرارا اتخذه اتحاد النقابات المحلي بصفاقس بمقاطعة السفن الامريكية التي ترسو بميناء المدينة ودعوة العمال للامتناع عن انزال شحناتها على باقي الموانئء التونسية ؟ وقبل ذلك وبعده هل ستحتاج الشعوب لقرار رسمي بمقاطعة السلع والمنتوجات الامريكية حتى تبادر بتطبيقه؟
قد تكون حاجتها الوحيدة هي لمن يقنعها بان هناك اشياء ليست ادنى اهمية من الدفاع عن الجيوب والبطون، وأن من يسقطون كل يوم بالرصاص الامريكي للمحتل اغلى من كل ماركات الحليب وعلب المياه التي احتجت على غلائها وان ادنى اشكال التضامن معهم هي أن تعلن مقاطعتها لمن يرسل الرصاص ويحمي القتلة، ومن يطلقه بتلك الوحشية على الفلسطينيين.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية