مهرجان بيروت لسينما المرأة:المرأة حليفة الرجل

حجم الخط
0

في أوائل القرن العشرين تقترح الآنسة أليس غاي سكرتيرة ليون غومون تصوير اسكتشات قصيرة، تظهر قدرات الكاميرا لإنجاز رسوم متحركة. ولأن مديرها يؤمن بأن المغامرة وحدها تصنع الثروة فقد شجعها على ذلك، فكتبت قصة قصيرة بعنوان «جنية الملفوف» وأشرفت على إخراجها وقام بعض أصدقائها بتمثيلها. هكذا أنجزت أول امرأة فيلما من واحد وخمسين ثانية، كان ذلك عام 1896. وقد استندت أليس غاي في قصتها على أسطورة فرنسية تقول، إن الذكور عند ولادتهم يخرجون من الملفوفة، أما البنات فيخرجن من الورود والأزهار.
في عام 1914 قامت السوبرانو وعازفة البيانو والممثلة الأمريكية لويس ويبر بإخراج أول فيلم طويل، وأصبحت واحدة من أهم مخرجي حقبتها، مقدمة أفلاما في غاية الجرأة، عالجت فيها مواضيع اُعتُبِرت ضمن المسكوت عنه من بينها تحديد النسل، عقوبة الإعدام، المساواة في الأجور بين الرجال والنساء، والزيجات المختلطة. واعتبرت أيضا من أهم المبتكرين في عالم السينما لتقنيات جديدة، مثلها مثل الفرنسية أليس غاي.
في العالم العربي سجل التاريخ أول تجربة سينمائية لامرأة، عام 1927، حين قدمت المخرجة المصرية عزيزة أمير أول فيلم صامت بعنوان «ليلى» أنتجته وكتبته ومثلت فيه دور البطولة، بعد تجربة سابقة فشلت تماما. لقيت عزيزة أمير الدعم الدائم من أزواجها الأثرياء، إذ تزوجت أربع مرات، آخرها زواجها من محمود ذو الفقار. وهذا قد يكون تفصيلا غير مهم بالنسبة للبعض، ومهما جدا بالنسبة لآخرين يدركون تماما أن البيئة العربية لم تتقبل الوسط السينمائي بشكل صادق، لا أمام الكاميرا ولا خلفها. لكن تاريخ السينما يؤكد، أن مصر أنصفت النساء في هذا القطاع، فقد منحن وظائف نادرة لم يحصلن عليها حتى في الغرب، لكن التغيرات الأيديولوجية التي هبت على مصر جعلت الأمور تتعقد أحيانا، وهذا موضوع يحتاج لوحده لكثير من الحبر لسرده. الملاحظ للتواريخ المتقاربة لخوض النساء التجربة السينمائية، رغم صعوبات القطاع من عدة نواح، يدرك أن المرأة افتُتِنت بالسينما منذ بداياتها، لكن مسيرتها تعثرت في بلدان وانتعشت في بلدان، رغم أن البدايات كلها منحت الكثير من الضوء للنساء الجميلات أمام الكاميرا، لإرضاء الجمهور، وعالجت مواضيع سطحية، خوفا من إبراز «عقل المرأة».

أستعيد هذه القراءات من تاريخ السينما الطويل الذي لا يمكن اختصاره في مقال، بعد مشاركتي في مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة في طبعته السادسة، الذي كرّم الممثلة القديرة رندة كعدي، وحمل عنوانا لافتا «النساء من أجل القيادة». وضم في برنامجه أربعة وسبعين فيلما من خمس وأربعين دولة. كما ضم المهرجان أجيالا مختلفة، وجمهورا كثيفا متنوعا بحيث لم تغب عنه أي فئة عمرية حتى إنني لاحظت أن بعض الآباء والأمهات اصطحبوا أبناءهم، وهذا في حد ذاته أمر مفرح في بلد يعاني على جميع الأصعدة ويتشبث بالفن ليبقى واقفا. لقد اجتهد سام لحود ليجعل من المهرجان تقليدا سنويا، في أصعب السنوات التي عاشها ويعيشها لبنان، لا شيء أوقف طموحه ومغامرته هذه لجمع صناع السينما من الجنس اللطيف في بيروت، فهذه السنة السادسة لهذا المهرجان، أي أنه نُظم في أيام الثورة والمظاهرات وقطع الطرقات، وكورونا، وانفجار المرفأ، وانهيار الليرة، وانقطاع الكهرباء والبنزين، والخبز والمياه.. إلى آخر هذا المسلسل الذي جعل الحياة في لبنان تنحدر نحو قاع مظلم، وتصبح صعبة جدا على كل الناس. ومع هذا، ها قد جمعت بيروت مرة أخرى العالم كله بين أحضانها، في احتفالية مبهرة تضم نجوم الدراما وعشاق السينما، وكأن لا أزمة من كل تلك الأزمات التي ذكرتها موجودة.

لا يختلف اثنان في أن البلد الذي شهد حربا أهلية دامت تقريبا عشرين سنة، ظلت مطابعه تعمل، ودور نشره تصدر لنا أجمل الكتب التي تصلنا بقدرة قادر إلى بلداننا الهادئة الآمنة، ومخابره الدرامية والسينمائية قاومت، رغم هجرة أغلب أهلها لأوروبا وأمريكا.

لا يختلف اثنان في أن البلد الذي شهد حربا أهلية دامت تقريبا عشرين سنة، ظلت مطابعه تعمل، ودور نشره تصدر لنا أجمل الكتب التي تصلنا بقدرة قادر إلى بلداننا الهادئة الآمنة، ومخابره الدرامية والسينمائية قاومت، رغم هجرة أغلب أهلها لأوروبا وأمريكا. هذا العام حضر لبنان بعدد كبير من الأعمال، كما حضرت بلدان عربية وافريقية، تونس والجزائر وسوريا والأردن والسودان وإثيوبيا، إلى جانب حضور متنوع من أوروبا وآسيا والأمريكتين، اليابان، إيران، إندونيسيا، كرواتيا، البرازيل، اليونان، قبرص، أرمينيا، فرنسا، بريطانيا، سويسرا، ألمانيا… نساء قدمن أعمالهن برؤية نسائية منصِفة لهن، اختصرن فيها تاريخهن المشترك وتجاربهن المتشابهة، دون أي مبالغة في وضع الرجل في موقع الظالم. ومخرجون رجال جاؤوا معانقين نصفهم الثاني بمحبة ودعم كبيرين. لقد رفعت هذه الأعمال صوت المرأة فأصبح مسموعا، وعكست صورة المجتمعات التي تتعلل دائما بموروثها لجعل المرأة في الصف الخلفي، مع فاصل يمنعها من أن تكون شريكة حقيقية للرجل.
عن حضوري الشخصي فقد اختلف عن حضوري المهرجان في طبعته السابقة، إذ لأول مرة أشارك بفيلم قصير من تأليفي وتمثيلي، سيناريو مشهور أبو الفتوح، تصوير وائل يوسف، وإخراج هشام عبد الرسول، وقد شعرت برهبة مواجهة جمهور السينما، فقد كنت دائما متفرجة ومحاورة، ولم تخفني الكاميرا ولا لحظة حتى في بداياتي، لكن أن تدخل في سباق مع محترفين من صُناع السينما ونُقادِها، فهذا ما أعيشه أول مرة، كنت أجلس في الصف الخلفي وأشاهد ردة فعل الجمهور وهمساتهم، ومدى تفاعلهم مع الموضوعات المطروحة دراميا من وجهات نظر ذات جنسيات مختلفة وجنس واحد. لقد استنتجت أن المرأة حليفة الرجل وإن لم تبح بذلك، فقد تكون في معترك السياسة عنصرا بناء أو هداما مثل الرجال، تماما كما في الفيلم التونسي «قدر» لمخرجته إيمان بن حسين، حيث تألقت فيه الممثلة اللبنانية الكبيرة تقلا شمعون إلى جانب الممثلين التونسيين مهذب الرميلي ووجيهة الجندوبي. وقد تكون في «مملكتها» التي خُصصَت لها عرفيا وهي «البيت» أو تحديدا «المطبخ» لكن بعرج ملحوظ دون شريكها. في العائلة الفنية لا نشعر بالفوارق الجندرية بين الحاضرين في الغالب، كون لغة الفن تترجم الإنسان من الداخل، وتبتعد عن الفوارق السطحية التي إن وجدت فلتكاملٍ مقصود بين الرجل والمرأة.
أيام المهرجان لا يمكن اختصارها في مقال، فقد كانت العروض للأفلام القصيرة والوثائقية مكثفة يوميا، إضافة إلى عروض لأفلام طويلة تختتم بها الأمسيات، هذا غير اللقاءات المثمرة التي جمعتنا خلال فترات الاستراحة، وزيارة بعض الأماكن التاريخية والسياحية. هل أراد سام لحود أن يقول لنا إن لبنان بخير؟ أم أراد أن نرى «لبنان الثقافي» من خلال الطبقة المبدعة والطبقات الشعبية التي تناضل بطرقها المبتكرة لتعيش؟ في كل الحالات لقد جعلنا نهزم الخوف في قلوبنا ونصاب بعدوى حب الحياة ولو بالقليل الذي قد يبدو غير كاف لرعاية مهرجان بهذا الحجم.
أم رهانه على المرأة، فقد كان حتما في محله، إذ أزهرت السينما في ربيع هذا العام واعدة بثمار التغيير، فقد كانت السينما ولا تزال سلاحا قويا للتغيير، وإن كانت المتعة أحد جوانبها المهمة. وكما بدأت بعض المهرجانات باحتشام لإبراز الأعمال النسائية منذ سبعينيات القرن الماضي، كجزء أساسي من النضال النسائي في أوروبا، ها نحن اليوم نشهد مولد مهرجانات عربية تعنى بسينما المرأة، بتلاحم وتعاون أكثر بين صناع السينما من الجنسين، وكأن الأمر استمرار لما بدأته نساء في بداية القرن الماضي، أي نعم احتجنا لبعض الوقت، لكن لا بأس من السقوط والنهوض مرات، قبل استلام دفة القيادة.
أخيرا إن كانت الذاكرة الجماعية أسقطت الكثير من تاريخ النساء المبدعات، كون التاريخ الرسمي أخفى بانتظام أسماءهن وأعمالهن، فاليوم يصعب إخفاؤه، بعد أن تغيرت معطيات الحياة كلها.

شاعرة وإعلامية من البحرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية