ما لم يقله الأدباء!

حجم الخط
0

قال المتنبي: «أبلغ عزيزا ثنايا القلب منزله/أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه … وأن طرفي موصول برؤيته/وإن تباعد عن سكناي سكناه». وقال ابن رشد: «التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات، التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل، عليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني». وقال أحمد شوقي: «هجرتُ أحبتي طوعاً لأني/رأيتُ قلوبَهمْ تهوى فراقي … نعم أشتاق رؤيتَهمْ لكن/وضعت كرامتي فوق اشتياقي». وقال محمود درويش: «شهادة جامعيّة، وأربعة كتب، ومئات المقالات، وما زلت أخطئ في القراءة، تكتبين لي صباح الخير وأقرؤها أحبّك». وقالت بروين حبيب: «كل ما ذُكر غير صحيح!» فلا المتنبي ولا ابن رشد ولا شوقي ولا درويش ولا كثير مما تتداوله وسائل التواصل الاجتماعي من مقولات وحكم وأشعار صحيح النسبة لأصحابه.
سبق لي أن كتبت مقالا عن هذه الظاهرة وكان عنوانه «الحاج نزار قباني» جاء فيه: (شعر نزار قباني «لبِّيس» فقد نَسب له موقع «كتارا» من سنوات قصيدة في مدح النبي، ثم سحبها مشرفو الموقع واعتذروا من صاحبها الشاعر السعودي يحيى توفيق حسن، ومع هذا انتشرت بقوة، ويكفي أن تكتب في محرك البحث (غوغل) «نزار قباني يمدح النبي» لتحصل على أكثر من ربع مليون نتيجة، مع أن القارئ المتذوق لشعر نزار قباني ولا أتحدث عن المتخصص في النقد، يكفيه أن يقرأ الشطر الأول فقط من القصيدة «عَـزَّ الـورودُ وطـال فيـك أوامُ» ليعرف ببساطة أن القصيدة ليست له، فنزار الذي أنزل «القصيدةَ من مقصورتها الملكيّة لتأكلَ الطعامَ وتمشي في الأسواق» تأبى طريقتُه في القول الشعري أن يستعمل لفظة (أوام) بغرابتها عن القارئ العادي في مطلع قصيدته، ناهيك عن أن هذه الأبيات لا يضمها أيّ من دواوينه الكثيرة المطبوعة المبذولة بين أيدي الناس.
الأمثلة كثيرة يصل بعضها حدّ الفضيحة، منها ما حدث مع فنانة لبنانية غنت كلمات أقلّ من عادية جاء فيها: «ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة، وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب، وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل، لا أعلم من باع الوطن، لكنني رأيت من دفع الثمن» معتقدة أنها لمحمود درويش، وتخطّت الأغنية أكثر من مليون مشاهدة على اليوتيوب بعد 4 أيام فقط من طرحها، لكن الورطة حدثت حين أصدرت مؤسسة محمود درويش بيانا أكدت فيه أن هذه الكلمات ليست من شعره، بل «من إنتاج مواقع التواصل الاجتماعي» وحسناً فعلت الفنانة حين سحبت اسم الشاعر الكبير من الأغنية. ولست هنا لأحمّلها وحدها ما حصل، بل لأنبّه على وجوب التثبّت والتأكد مما يغنيه الفنان واستشارة المتخصصين، ليس فقط من جهة نسبة كلام الأغنية – وأتحدث هنا عن القصائد الفصيحة – بل من حيث سلامتها إيقاعيا ونحويا، وأمثلة هذه الاستهانة باللغة كثيرة لعلّي أفردها بمقال في المستقبل.

هذا التسرع دون التحقق من نسبة الكلام لأصحابه، ليس مقصورا على مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، فقد أدمنوا فكرة نشر كل ما يعجبهم، بل الكارثة حين يتعدى ذلك إلى صحافيين كبار ذوي مصداقية، وإلى مواقع رسمية إعلامية من قنوات مشهورة، أو جرائد لها تقاليد. وكم فوجئت حين وجدت نصا طويلا مكذوبا على ابن خلدون وجسمه «لبّيس» أيضا، حيث إن كل من أراد أن يمرر فكرة يكتب تحتها اسمه، جاء فيه «عندما تنهار الدول يكثر المنافقون والدّجّالون والقوّالون والمتصعلكون والمتفيهقون، إلخ …» فوجئت لأن مقالات لصحافيين كبار في جرائد رصينة استشهدوا به دون أن يراودهم أدنى شك في نسبته لابن خلدون، مع أن مقدمته وتاريخه ورحلته مطبوعة ومتاحة، ويمكن التفتيش في برنامج مثل «المكتبة الشاملة» عن أي كلمة وردت في جميع كتبه في ثوان معدودة، لكننا نقرأ في صحيفة «السياسة» الكويتية افتتاحية لرئيس التحرير الصحافي المخضرم أحمد الجار الله يبنيها على هذا النص المنحول، ويعنون مقاله بـ«اقرأوا ابن خلدون قبل أن يموت الأمل وتنهار الدول» وتكرر الأمر ثانية مع صحيفة «العربي الجديد» في مقال بعنوان «عندما تنهار الدول» لموفق السلمي، وتكرر ثالثة في موقع الجزيرة نت في مقال لصالح ظاهر بعنوان «صراع الذات.. بين التعفّف والوقوع في فخ الهلاك» وسيتكرر إلى ما شاء الله، ما دام النسخ واللصق شغّالا.. وأنا متعجبة كيف يستقيم لكل من قرأ، ولو قليلا لابن خلدون أنه يكتب بهذا الأسلوب «يصبح الكل في حالة تأهب وانتظار ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين ويتحول الوطن إلى محطة سفر والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب والبيوت إلى ذكريات والذكريات إلى حكايات»!

ومثل الساحر الذي يخرج الأرنب من قبعته في كل مناسبة تحدث، ينطّ أمامنا نص لشاعر أو كاتب متوفى مسبوقا بجملة إعلانية تشويقية تسويقية مثل: «صدّق أو لا تصدق…هذه أبيات كتبها فلان منذ كذا سنة، أو حتى كذا قرن وكأنه يتنبأ فيها بما يحدث اليوم» حصل هذا يوم انتشرت أبيات منسوبة لمحيي الدين بن عربي، وضعوا لها عنوان «معجزة شعرية» تتحدث عن حرب الخليج، وركاكتها الشديدة وأخطاؤها النحوية وحدها كفيلة بنسف نسبتها إلى صاحب «الفتوحات المكية» و«ترجمان الأشواق» كما حصل مرة أخرى حين نشرت مجلة «الشراع» اللبنانية أبياتا نسبتها للجواهري تحمل نبوءة بكارثة انفجار مرفأ بيروت قبل أربع سنوات مطلعها: «جللٌ مصابُك يا بيروت يبكيــنا/ يا أخت بغـــداد ما يؤذيك يؤذينا» وتناقلها كالعادة فيسبوكيون والتويتريون، دون أن ينتبه العارفون منهم إلى اختلال الوزن في أول كلمة من أول شطر من الأبيات، ومن الخطأ أن ينسب هذا إلى شاعر كالجواهري، بل هو خطيئة. واستطرادا لقد نسبت إليه أيضا قصيدة منتشرة جدا على الإنترنت في هجاء حاكم العراق الأسبق صدام حسين تكفي كسورها العروضية وأخطاؤها النحوية دليلا ماديا لا يقبل الجدل في دحض نسبتها إلى واحد من أكبر شعراء العرب.
وليست نسبة الأبيات والجمل الحكمية كذبا إلى مشاهير الكتاب والشعراء اختصاصا حصريا عربيا ففي «نظام التفاهة» الذي نعيشه كما وصفه آلان دونو، نجد الأمر نفسه في العالم الغربي، ويكفي أن نطرح سؤالا بسيطا مباشرا مثل «هل هناك أقوال نسبت إلى غير أصحابها في وسائل التواصل؟» على أي برنامج للذكاء الاصطناعي حتى يروي غليلنا بأمثلة كثيرة. وأسباب هذا الفعل واضحة لكنها غير مبرَّرة، حيث تقوم على عنصرين أساسيين المصداقية والانتشار، فحين ننسب قولا إلى الكاتب المعروف أو الشاعر المشهور نُكسب القول مصداقية ناتجة على سمعة بناها من نُسب له نتيجة امتداد تاريخ من الكتابة مكرس، والقارئ يميل إلى تصديق كاتبه المفضل، ولسطوة اسم بعض المفكرين أو الشعراء هيبة تجعل المتلقي لا شعوريا مترددا في رفض ما يقرأ، أو حتى التشكيك فيه. أما الانتشار فمضمون إذ إنه متحقق أصلا للذي ينسب إليه القول. مع العزف على طبيعة إنسانية في حفظ الحكم والأمثال والجمل التي تختصر أفكارا عامة في كلمات محدودة، وتَفَشّي هذه الاقتباسات بين المهتمين بالتنمية البشرية، والبرمجة اللغوية العصبية، أعطاها شهرة مضاعفة. وكل المطلوب ممّن ينشر ما أعجبه من اقتباسات أن يتحقّق من نسبتها فقط، خاصة إذا استعملها في مقال أو كتاب أو بحث وهذا من أبسط شروط الأمانة العلمية.
أتساءل أحيانا ماذا لو كان نزار أو الجواهري أو ابن خلدون حاضرين بيننا وقرأوا ما ينسب إليهم. أخشى أن يحدث معهم ما حدث مع أحمد بن حنبل في حكاية ذكرتْها كتب التراث، حين دخل مع صاحبه يحيى بن معين مسجدا فوجدا قاصّا يلفّق على لسانهما أخبارا، فسألاه لماذا يكذب باسمهما، فأجابهما بثقة: «كأنّه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!!».

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية