الخندق

حجم الخط
0

آه..
هذه هي الكتابة إذن،
الخندق الأخير قبل القبر،
ما إن يفرغ الجميع من أشغالهم، حتى يلتفت الكاتب إلى الشيء المنسي،
المـُغفل، المسكوت عليه، المسكوت عنه.
الشيء الأخير، بعد أن يفرغ الجميع من أشغالهم:
القتيل من موته
القاتل من ضميره
الحرب من طهاتها
الجندي من عبئه
الصديق من غدره
العدو من صداقته
الشعب من ضحاياه
الوطن من منفاه
يلتفت الكاتب إلى الكتابة، ليراها تقترح عليه لا جدواها الفاتن، ومجانيتها القصوى. يلبث برهة، يحمّلق في البياض المرتعش تحت شهوة موجٍ مكبوت من سواد القلب، حيث زيت الجسد يتفصّد مثل شمعة الناسك، مستغرقاً في وهم المعبد بوصفه لانهائية الكون:
ماذا يمكن أن يقول شخصٌ خارج تواً من موتٍ ناجز؟!
هذه هي الكتابة إذن!
يذهب إليها الكاتب لئلا يمنح الموتَ فرصة الذهب.
الكتابة وهي تعبث بنا، هي البديل المتاح، كي لا يحدث الموت على مضض.
وكي لا يخالج الآخرون اليقين بأن كل شيء قد تحقق،
مثلما هندَسَهُ مبعوثو الكارثة.

٭ ٭ ٭

أجلسُ ملطخاً بالأنقاض، تسندني النصالُ في الخاصرة، والمعول يقترحني قبراً على هيئة الذكرى.
هذه هي الكتابة؟! ولا مفـر.
لم يحدث ما حدث إلا لأننا جديرون به ومؤهلون.
أرى إلى البياض تاريخاً متصلاً بالقماط من هنا، متصلاً بالكفن من هناك.
وعلى الكتابة أن تشفق به وتشهق له.
آه..
ها أنا أجلس (أعني ألجأ) إلى أضعف الأسلحة على الإطلاق، (وقيل أضعف الايمان): الكتابة. عند العرب، الكتابةُ شيءٌ من نافل القول. يتضاعفُ ضَعفُها عندما يكتبها العربُ عنهم، ويتعاظم فعلها عندما يقرأها العربُ.. عن غيرهم.
فُطِرَ العربُ على عادة القراءة (بوصفها عبادة) منذ: (اقرأ) وبقي فعل الكتابة مبنياً للآخر المجهول، لكي تكون للعرب موهبة تقديس المكتوب بقراءة مسوّرة بالميثولوجيا. وظلَّ لنا، أن الكتابة هامشٌ للقراءة. وعلينا أن نتلقى ما يكتبه الآخرون.. علينا أن نحتفي به في قراءة مستسلمة: إن كتبوا حرباً أو كتبوا سِلماً. وعندما يقترح عربي ٌ كتابةً تَخرجُ عن الهامش وتستجوب المتنَ، يظل مرشحاً للضغينة. ينتظر من الكاتب العربي دوماً – فيما يكتب – أن (يقرأ) كتابة غيره، لا أن يكتب قراءته هو. لذلك فإنه يبقى منفياً، لأنه يذهب إلى فساد عادة (/ عبادة) القراءة.
هذه هي الكتابة.
تخالجني ارتعاشة الفؤاد أمام النصل الضاري وهو يفتح الطريق في اعترافات الدم السجين مكتشفاً هواء الله.

٭ ٭ ٭

يا الله..
هل هذه هي الكتابة حقاً؟!
أي مصادفة أسطورية تجعل الكاتب ملطخاً بشظاياه وأنقاضه في آن!؟
لكأننا نتبادل أدوار الميثولوجيا، كما يتبادل الندماء أنخابَ ضغائنهم في مأدبةٍ.. ثمة من اقترحها لتكون عشاءنا الأخير. تُـرى، هل نحن ذلك العربي القديم الذي راح يهذي حتى قال الشعر؟ أم أننا في ذهابٍ خارج الشعر والنثر معاً؟
ذهاب إلى رائحة الجسد: مغدوراً مهتوكاً ممزقاً،
ولا أملَ له.
في كلا الحالين هو جسد عربي، جسد تكسّرت عليه أسلحة الأصدقاء والأعداء معاً، بلا هوادة ولا رأفة. رأينا كل ذلك يحدث مثل كابوس في تداعٍ قديم، وها نحن نراه ينتقل من كارثة إلى أخرى، فيما نتمرّغ في هذيان روحنا.
الآن، انظروا إلى الهذيان يغوينا بلا جدواه الفاتن، حيث يزيـّن لنا الخروج من الهامش إلى النص. من القراءة إلى الكتابة.
إذن،
هذي هي؟!
لكن،
هل في البياض صدرٌ يتسع:
لتفجرات القلب / ليأسٍ حزين يجهر بالحب؟
يا الله..
كم هو مغوٍ ومغرٍ ومغامر
هذا القلب المغدور.

شاعر بحريني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية