الجنوب الجزائري وسيناريو السودان
إن موجة الاحتجاجات التي اجتاحت الجنوب الجزائري مؤخرا حول الأوضاع المعيشية المزرية التي يعيشها سكان هذه المنطقة، لا تعدو الا أن تكون محاولة من بعض الجهات الأجنبية للاستفادة من نتائج الممارسات غير العادلة للنظام، لإعادة سيناريو السودان الذي تم تقسيمه ‘بتروليا’، فأصبحت الجزائر بعد ذلك اكبر بلد افريقي من حيث المساحة وهذا ما يجعلها الهدف الثاني للتقسيم، وفقا للمنهج التفتيتي للدول الغربية، فهذه الجهات لا تستطيع، ولم تستطع من قبل، تقسيم الجزائر عرقيا، لهذا انتقلت إلى فكرة التقسيم ‘الجغرافي/الطاقوي’ وهي الفكرة الأسهل للتطبيق والأكثر فائدة لها، مقارنة مع السيناريوهات الأخرى للتقسيم، فسكان الجنوب اقل بكثير من سكان الشمال وينامون على اكبر صحراء بالعالم، ومستواهم الدراسي أدنى، وهم بالتالي أكثر عرضة لأن تتحكم فيهم عدة جهات أجنبية، ولا نتمنى حدوث هذا طبعا، ولا نشك بالمناسبة في إخلاص جميع الجزائريين للجزائر.
وما زاد الطين بلة هو أن المؤسسات البترولية العمومية في الصحراء لا توظف سكان مناطق الجنوب، نظرا لضعف مستوى التكوين، حسبهم، غير أنها حجة باطلة باعتبار أنهم غير مقبولين حتى كأعوان أمن، وهذا ما يعد أمرا غير مقبول على الإطلاق، ومعظم الجزائريين يعلمون أن أعوان الأمن هؤلاء ينحدر معظمهم من نفس ولاية المدير العام السابق لسوناطراك والمتابع قضائيا في قضايا فساد. كما أن النظام يجني اليوم، ولو بصفة اقل حدة، أشواك السياسة العنصرية القمعية التي مارسها على أبناء الشعب، الا يحق يا ترى أن يتمتع أبناء الجزائر بخيرات بلادهم؟ هل هو حرام على سكان الجنوب ومعهم كل سكان الجزائر أن تصبح صحراؤهم جنة؟ لماذا نجحت في هذا معظم الدول الخليجية التي كانت صحارى؟
ماذا عن المقاربة الأمنية لاحتجاجات الصحراء؟
إن ما سمي بثورات الربيع العربي كانت لها عدة تأثيرات على الوضع الأمني في الجزائر، أدت بصناع القرار فيها إلى غلق الحدود البرية مع دول الثورات، إن صح التعبير، وباعتبار أن عددا معتبرا من سكان الجنوب يعملون- ولظروف معينة – في تهريب الأسلحة والمخدرات وباقي السلع، وبما انه تم غلق الحدود فقد شدد الخناق على هؤلاء المهربين وتم الحد من نشاطهم، فلم يجدوا سوى التحريض المباشر وغير المباشر على هذه الاحتجاجات، مستغلين الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان الجنوب، وقد روى لي احد معارفي هناك انه رأى الكثير من المهربين الأثرياء وهم يتظاهرون مع تلك الجموع ويقومون بأعمال شغب لإشعال نار الفتنة والضغط بعدها على السلطات لفتح الحدود البرية مجددا لاستئناف نشاط التهريب.
ماذا عن النظام الجزائري؟
ومن جهة النظام فقد أعطى الأولوية ومنذ عدة سنوات في التوظيف لدى المؤسسات البترولية العمومية لسكان الجنوب، كما أن الدولة رصدت- ولو على الورق – غلافا ماليا خياليا لتنمية الجنوب والمقدر بحوالي 34 مليار دولار، كما أن عددا معتبرا من سكان هذه المنطقة تلقوا أغلفة مالية مهمة في إطار دعم وتشغيل الشباب اكبر من تلك التي استفاد منها أبناء الشمال، وقد قام معظم هؤلاء بالتحايل والهروب بتلك الأموال للاستقرار في الشمال على غرار ولاية سطيف.
كما أن المؤسسات التعليمية بما فيها الجامعات أنشئت مؤخرا في الجنوب -وبالإحصائيات- بشكل لا يبعث على القلق لهذا الدرجة، رغم صعوبة المناطق الصحراوية التي تميزها قلة السكان وتباعدهم، مما ابرز مشكل النقل إلى هذه المؤسسات… ويبقى هذا غير كاف.
وفي الأخير نقول ان السياسة التي لجأ إليها النظام حاليا جاءت متأخرة نوعا ما، وان إخماد هذه الاحتجاجات، التي يتم التعتيم عليها، لو حصل فعلا فليس من اجل عيون النظام أو خوفا منه أو اقتناعا بانجازاته، بل من اجل الجزائر فقط ومن اجل أن لا نكون لقمة سائغة للغربيين الذين عاثوا في بلادنا العربية فسادا.
كاتب جزائري