في سياق تاريخي بلا فعل سياسي، يجري الإعداد لانتخابات رئاسية، أرادها قائد الأركان وحده، دون غيره من الناس لا داخل السلطة ولا خارجها. وحده يخوض معارك ضد طواحين الهواء، وحده يشعر بانتصارات يحققها على أعداء وهميين يراهم ، كل يوم على قناة تلفزيونية يتيمة نَسِيَها الجزائريون، منذ تأكدوا أن الدولة آلت إلى حكم عصابة تورمت من نهب البلد وحاولت اغتياله.
في مثل هذا السياق الذي يصنعه «القايد» لا يمكن إطلاقا أن ننتظر ما يساعد على قيام جمهورية جزائرية جديدة يصنعها الشعب بمقاومته السلمية وبسالته المسالمة، ليس لأن «القايد» يمارس سياسة عسكرية في عصر مدني فحسب، بل لأنه يخوض معاركه خارج النص، لأن خطاباته العسكرية مفارقة لأي معنى من معاني السياسة وخارج التاريخ، لأنه يحاول عبثا أن يستعيد شريط الثورة التحريرية لتأطير وتبرير معاركه الوهمية، في وقت ذاكرة أغلبية الجزائريين معبَّأة بصور «الحرب الأهلية الجزائرية» التي راح ضحيتها ربع مليون مواطن طوال تسعينيات القرن الماضي. فالوضع الذي يحاول «القايد» أن يصنعه في الجزائر هو إجبار الجميع على اسْتِمراء التناقضات والاختراقات والمفارقات، كأفضل مسلك للوصول إلى انتخابات شكلية، لا تقوم على أي خلفية فكرية وسياسية واقتصادية، ولا على أي مشاريع أو برامج وخطط مستوحاة من التاريخ العادي للجزائر والجزائريين.
كل شيء يتم على السطح وذهنية التسطيح والتبسيط المخل، واستغلال المهمش والفاسد والمحسوب على العصابة السابقة، والمتطلع إلى الانخراط في التنظيمات المافيوية المقبلة. وبالتعبير الموجز الذي يعبَّر عن المعنى ذاته، أن ما يحاوله «القايد» هو استغلال الحراك الديمقراطي بحكم استبدادي، وكل إجراءاته التي اتخذها في فترة الفراغ السياسي، الذي أحدثه، تنم عن حالة استبداد ديمقراطي وهو منتهى الفساد وذروته، لأنه يعبّر عن تحريف لمعنى ومضمون الديمقراطية، ومحاولة لإعادة الاعتبار للاستبداد وتكيُّف معه.
«القايد» يجمع المتناقضات والأضداد، والجميع يتفرج عليه ويتركه يفعل لأن وعينا بمؤسسات الدولة ضعيف ومتهالك، من فرط حكم العصابة السابقة، وبسبب سنوات الدم والدمار التي لا تزال عالقة بالذاكرة الجماعية، وهي ما يستثمرها «القايد» من أجل تمرير رئاسيات حكم العصابة المقبلة. فهو يعاند وبإصرار ساذج، على إدارة فترة الفراغ السياسي التي أحدثها في أجهزة الدولة من مواقع الثكنات، مستعينا بخطاب صيغت مفرداته من حقب زمنية ولّت، لا تعيها الأجيال الجديدة ولا تقف على مدلولاتها، ويوهم نفسه بأنه يحقق انتصارات على طريقة «دون كيشوت». إن ما يغري «القايد» على التمادي في غيه السياسي والعسكري هو أنه ينظر إلى نفسه من خلال القناة التلفزيونية الرسمية، التي تضخم له صورته فيتفاعل معها حد العشق على طريقة «الأخ الكبير» في رواية جورج أورويل «1984»، وحيث الشاشة تمثل وزارة الحقيقة. وهكذا، وفي سياق تاريخي يسير بإيقاعين مختلفين: إيقاع الحراك السلمي، وإيقاع السلطة العسكرية، وبتَوَجّهين مختلفين: توجه ديمقراطي وتوجه استبدادي، وبغرضين مختلفين أيضا: غرض بناء الدولة الجزائرية الحديثة، التي لا تزول بزوال الرجال والجماعات، ودولة تواصل حكم العصابات وتؤسس لشرعية تداولها بعد انتهاء دورة حكم الأسرة الثورية. «فالقايد» يستغل بشكل فاحش براءة مقصد الشعب في حراكه، ويتوجه به نحو إرساء معالم نظام «مافيوي» يناوب حكم العصابة المسجونة. وعليه، فكل ترتيبات الانتخابات الرئاسية تجري في فترة «السياسة غير الشرعية»، ليس لأن «القايد» هو الذي يدير هذه الفترة الضائعة من عمر الدولة الجزائرية فحسب، بل لأن كثيرا من الإجراءات والتدابير منافية للقانون والحس المشترك الذي تواضع عليه العقلاء والناس العاديون، خاصة أن الرئيس القادم معروف سلفا لدى قيادة الأركان، ما يعنى عودة القهقرى إلى سنوات الصَّقيع الشيوعي الذي يُفْرض فيه رئيس لا يُخطئه أبَدًا الصندوق.
«القايد» يحاول إجبار الجميع على اسْتِمراء التناقضات والاختراقات للوصول إلى انتخابات شكلية، لا تقوم على أي خلفية فكرية وسياسية واقتصادية
من مظاهر وتجليات الاستبداد في حكم «القايد»، إعدامه للمعارضة، ومصادرته للفضاء العام، فضلا على شَلِّه للمؤسسات الدستورية إلا بالقدر الذي يأخذ منها سياسته غير الشرعية، كما أنه أبقى على مظاهرات الحراك ومسيراته الشعبية ليستقي منها صور الديمقراطية، أمام الرأي العالمي ويطعم بها خطاباته، على أنه يجاري الحراك ويرافقه في مطالبه. وبالمعنى الصريح ، فإنه يسَوِّق بضاعة ليست له، تَدرّ عليه مالا ليس له أيضا، لنصل في نهاية المطاف إلى حالة من إفلاس مُروّع لمؤسسات الدولة والمجتمع كليهما.
ومن جمله المظاهر التي تفضح سياسة «القايد» الفارغة، أنه يحاول عبثا أن يزاوج بين الاستبداد في الفعل والديمقراطية في الخطاب، وهو نوع من التسلية التي تلهي صاحبها عن أخطار محدقة ستنجر بالضرورة عن سياسته غير الشرعية. فقائد الأركان، رمز الجيش الجزائري في آخر مواصفاته، يخوض معاركه العسكرية- السياسية – الشعبوية وحده لا شريك له، كاشفا عن فجوة فادحة لا يمكن أن ينبني عنها إلا الدمار والخراب، لأنها سياسة قائمة على جمع المتنافرات والأضداد والمفارقات، مثل الجمع القسري بين السياسي والعسكري، حيث العسكري لا يخضع للاختيارات ولا لروح الديمقراطية، على خلاف السياسي الذي يقوم على إمكانية الخيار بين بدائل وممكنات. ومن هنا نفهم لماذا لاذ «القايد» بالثكنات حتى لا يمكن لأي أحد أن يناقشه أو يعترض على قراراته ونزواته وأهوائه، التي تتضخم أكثر في مَرَايا الجيش المقعَّرة ونظامه التراتبي. المجال غير الشرعي الذي أحدثه «القايد»، بعدما أجهز على الحراك السلمي وعفويته، جعله يتجه صوبا إلى رئاسيات تُحَصِّنه هو، وليس غيره، في صراعه مع بقية العصابة، ومن إمكانية محاسبته في حالة وصول دولة الحراك إلى الحكم. ودائما، في خضم هذا الصراع، يلهث وراءه جموع من الانتهازيين والوصوليين والمسحوقين والمكبوتين الذين تخلفوا عن الزمن الجزائري الضائع، ويسعون، كيف ما اتفق الحال، أن يحوزوا غصبا، نصيبهم من الغنائم في دولة العسكر المقبلة. فقد اختار لهم «القايد» سلطة بلا سلطة حقيقية، هي «السلطة الوطنية لمراقبة الإنتخابات الرئاسية»، التي تعد في حقيقة الأمر مجرد وسيط ، أو»علبة بريد»، لتمرير مرشح «القايد».
الحقيقة التي لا يمكن أن يماري فيها أحد، وعلى رأسهم رجال القانون، أن كل ما بني على باطل فهو باطل، وتباعا لذلك، كل ما تأسس على ما هو غير شرعي فهو بالضرورة وحتما غير شرعي. فدولة العصابة ، كما يعرف الجميع، تأسست وتَرَسَّخَت في عهد بوتفليقة، لأنه آثر بدون حياء، أن يخوض غمار الانتخابات وحده، بعد ما انسحب بقية المترشحين، عندما تبين لهم أن قيادة أركان الجيش قد طبخت مرشحها وسخرت كل شيء لتزكيته. ذلك ما أقدمت عليه قيادة الأركان عام 1999، فكيف يكون عليه الأمر ما بعد 12 ديسمبر/ كانون الأول، عندما يظهر مرشح قيادة الأركان، لكن في عصر مفارق ومناف تماما لكل ما يمت بصلة لأشياء الجيش وكلماته.
كاتب وأكاديمي جزائري