يحذر كثيرون من انهيار النظام السياسي في العراق، لعل آخرهم هو الشريف علي بن الحسين، الذي توقع أن يشهد الصيف المقبل نهاية النظام السياسي، وبالطبع فإن لهذا الطرح مؤيدين ومعارضين، وإن كان الكثير منهم قد لا يدرك ماذا سيحصل في اليوم التالي لانهيار النظام السياسي.
الفوضى وحكم الميليشيات هما البديل الوحيد حاليا لهذا النظام السياسي، رغم كل فشله على كل الأصعدة، ولكن بداية، علينا أن نلاحظ أن المعارضين لهذا النظام مختلفون لحد التناقض، الحراك الشعبي يهتف بسقوط النظام، وكذلك دعاة الإقليم السني مثلا، يريدون سقوطه، وكلا الطرفين يتفقان شكلا على الشعارات، لكنهما يختلفان كليا في أسباب معارضتهما للنظام السياسي، والبدائل المطروحة، فبالنسبة لما يعرف بـ»ثوار تشرين» فإن حراكهم مطلبي، يتعلق بالفساد وسوء الإدارة، أما دعاة الإقليم فإن قضيتهم أبعد من ذلك بكثير، فهي مرتبطة بنزاع على هوية السلطة، خاصة في ما يتعلق بالأحزاب الشيعية الحاكمة، التي لا يريد الكثير من العرب السنة البقاء تحت سلطة حكومتها في بغداد.
ذالمفروض بالمعارضة أن تنظم نفسها حزبيا، لتنتزع عددا من المقاعد يؤهلها لفرض إصلاحاتها بدلا من الاعتماد فقط على التظاهرات
بالنسبة للطرف الأخير، فإن رغبتهم في سقوط النظام السياسي جادة ولأبعد حد، بل إن بعضهم لا يمانع بالتمرد المسلح في سبيله، وهذا متعذر بالطبع حاليا، نظرا لقوة السلطة المركزية في بغداد، وسيطرتها العسكرية على المحافظات الوسطى بعد إخراج تنظيم «الدولة»، لكن في المقابل، هناك طيف واسع من العراقيين في جنوب العراق وعاصمته، من المعارضين للسياسات الحكومية، ومن المؤمنين بحراك تشرين، يريدون تغييرا في مجمل الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة بنظرهم، وهم في الحقيقة يرغبون في الإصلاح، وليس إسقاط النظام، بمعنى تدمير العملية السياسية التي اعتمدت لإيصال الأحزاب السياسية للحكم منذ 2003، لكن حتى هؤلاء ينقسمون لتيارات قد لا تلتقي إلا بالشعارات فقط، فهناك المدنيون والعلمانيون الناشطون بقوة، خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك الصدريون وأتباع المرجعية الدينية في النجف، وبعد أن ظل الصدريون هم من يقود الحراك الشعبي طوال السنوات الماضية ضد الحكومة، لعبت قاعدتهم الشعبية في الأحياء الفقيرة دورا أساسيا في حراك تشرين، وإن لم يكونوا منتمين للتيار الصدري رسميا، وقتل عدد من الناشطين الذين كانوا أعضاء في التيار الصدري سابقا، قتلوا واغتيلوا خلال الحراك الشعبي، وبعد شهور من التظاهرات المشتركة بين كل هذه الأطراف المتناقضة، بدأت تتباين الخطوط، حتى وصلنا إلى أن قام الصدريون أنفسهم بقمع التظاهرات في بغداد والناصرية، وبدعم علني من قادة التيار، لإنهاء حالة التظاهر، التي وصفها مقتدى الصدر بالفوضوية.
ما يهمنا هنا، ليس فقط الحديث عن تداخل الأطراف المطالبة بإسقاط النظام السياسي، وتناقضاتهم، ابتداء من دعاة الانفصال والإقليم السني وصولا للصدريين وناشطي حراك تشرين العلمانيين، بل ما يهمنا هو التساؤل عن البديل لمن يطرحون إسقاط النظام، ممن يريدون البقاء ضمن دولة مركزية في بغداد، ولا اعني هنا دعاة الإقليم الذين هم وحدهم قد يكونون محقين برغبتهم بتضعضع النظام السياسي، فبالنسبة للمحتجين، ما هو البديل إذن للنظام السياسي، الذي يطالب به الناقمون على حزب الدعوة والمجلس الأعلى وبدر والحشد الشعبي والصدريين وباقي الكتل الحزبية؟ حقيقة لا يبدو أن لديهم بديلا منظما قادرا على منافسة هؤلاء انتخابيا، لذلك فإن الهروب للفوضى ليس حلا، بل يفترض بمن يريد التغيير أن يدرك أن النظام السياسي الذي يقوم على الانتخابات والاحزاب (وإن شابها الكثير من العيوب) هو من أوصل هؤلاء للحكم، وإن المفروض بالمعارضة أن تنظم نفسها حزبيا، لتنتزع عددا من المقاعد يؤهلها لفرض إصلاحاتها بدلا من الاعتماد فقط على التظاهرات، ولكن الغريب أنه للآن لا يوجد ما يشير إلى أنهم تمكنوا من الاتفاق حتى الآن على لجنة من 10 أشخاص لتمثيلهم.
البديل الأكثر ترجيحا والصاعد بقوة هو التيار الصدري، ليس فقط لأن مقتدى الصدر أعلن صراحة أنه سيعمل على الوصول لموقع رئيس الوزراء، بل لأنه يمتلك ميزتين: الاولى هي أن تياره بالفعل كان متصدرا لمعارضة الحكومة وللحراك الشعبي في السنوات السابقة، ونظم أكبر التظاهرات من ناحية التحشيد، فهو يدعي شرعية المعارضة الشعبية، وفي الوقت نفسه هو يملك تنظيما حزبيا قادر على ترجمة قاعدته الشعبية إلى مقاعد في البرلمان، وبالتالي بالسلطة التنفيذية، ولعل دعوة مقتدى الصدر لتفعيل البيت الشيعي، كانت تصب في جهود الإعداد للتسويات بين الفرقاء الشيعة، وطمأنة طهران. إذن، من لا يرغب بالاحزاب الدينية ويريد إبعاد المالكي وعبد المهدي، قد لا تكون لديه خيارات كثيرة إن لم يعد نفسه، فقد يصدم غدا بالتيار الصدري في السلطة، ومن استاء من سطوة ميليشيات الحشد وقادتها قد يرى غدا أبو درع يتجول في مدينة الصدر كمسؤول أمني هذه المرة، وليس فقط قائد ميليشيا. أتذكر بعد 2003، عندما زرت جامعتي في بغداد في الجادرية، أني وجدت أن التيار الصدري بدأ يسيطر على مقار الاتحاد الوطني للطلبة، وكانت المفارقة لافتة بين الاتحاد الوطني قبل 2003 الذي كان يسيطر عليه البعثيون وبعد 2003 حين أصبح بيد الصدريين، بينما كان حزب الدعوة ممثلا أكثر من خلال الأكاديميين وعمداء الكليات، والإداريين، وبالطبع حدث تنافس بين الدعويين والصدريين في أكثر من مناسبة، وقد تحدثت مع رئيس جامعة بغداد الدكتور سامي المظفر وهو مقرب من حزب الدعوة، وتساءلت عن مستقبل الهيمنة داخل موسسات الجامعة بين التيارات الشيعية وما هي البدائل مستقبلا؟ وأتذكر أن الدكتور المظفر قال بما معناه إن «الخيارات محدودة بين هذين التيارين، وعليك أن تحمد ربك أن يبقى حزب الدعوة مهيمنا على المواقع الإدارية، والا فسترى ماذا تعني هيمنة الصدريين».
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»