مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق: رفح لن تفضي إلى نصر مطلق ولن تعيد المحتجزين بل تهدد علاقاتنا مع واشنطن والعالم

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”:

فيما تبدو مداولات وقف إطلاق النار في القاهرة متعثّرة ومنهارة، تضاعف الولايات المتحدة مساعي الساعة الأخيرة لإنقاذها، حيث غادر رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويليام بيرنز، مصر إلى قطر للقاء رئيس حكومتها، ومن المنتظر أن يصل تل أبيب ظهر اليوم أيضا للتشاور وممارسة المزيد من الضغوط نحو إتمام الهدنة.

ويُستدل أن البند الجوهري المختلف عليه يكمن في رغبة إسرائيل برئاسة نتنياهو، إبقاء الحرب على غزة مفتوحة، وهذا ما ترفضه حماس.

نتنياهو ما زال متمسكا برؤيته التقليدية التي ترى بالصفقة خطوة كبيرة لإنهاء الحرب التي يرغب بمواصلتها طمعا بانتصار أو صورة انتصار تتيح له ربما البقاء في الحكم وفي التاريخ وفي البيت (ليس في السجن في ظل محاكمات خطيرة بالفساد ربما تفضي بإدانته وسجنه وطالما أنه باق في رئاسة الحكومة تبقى هذه نتيجة مستبعدة وقريبة إذا سقط).

نتنياهو أيضا لا يريد صفقة فيها بعد سياسي رغم “الجزرة” الأمريكية المعروضة عليه من واشنطن على شكل تطبيع مع السعودية، وذلك لأنه لا يريد ولا يستطيع مجرد الدخول في مسار مفاوضات لتسوية الصراع الكبير بحل الدولتين. هذا يفسّر مبادرته يوم السبت الماضي لإصدار بلاغين يرفض فيهما إنهاء الحرب، ويؤكد على اجتياح رفح، مما دفع الوزير بيني غانتس لانتقاد “الردود الهستيرية” على مداولات الصفقة في القاهرة.

وجاء إغلاق مكاتب الجزيرة بمبادرة نتنياهو نفسه في هذا التوقيت ليس فقط انتقاما من قناة فضحت جرائم الحرب في غزة، بل محاولة إضافية لتعطيل مداولات الصفقة من خلال استفزاز قطر.

لم يكن نتنياهو ينجح بهذه المناورات وعمليات التخريب لولا معرفته أن نصف الإسرائيليين على الأقل يرغبون بمواصلة الانتقام والبحث عن انتصار أو صورة انتصار. وهو خوف يتصاعد كلما حذرهم نتنياهو من نتائج “الاستسلام” و”الهزيمة” أمام حماس، مثلما فعل في الماضي حينما لوح بإيران كفزاعة لترهيبهم ودفعهم للاصطفاف خلف قيادته.

وفي محاولة للضغط على حماس كي تقبل صفقة بشروطها، تدفع إسرائيل صباح اليوم المزيد من قواتها نحو الحدود الجنوبية مع القطاع، وشرعت في إخلاء الغزيين النازحين في المناطق الشرقية من رفح، كما أكدت الإذاعة العبرية العامة هذا الصباح.

انقسام الإسرائيلين

كما هو الحال حول نقاط كثيرة في الحرب الوحشية على غزة، ينقسم الإسرائيليون حول “اجتياح رفح” بين من يؤيد حكومة الاحتلال التي تهدد بحملة على المدينة مع أو بدون صفقة كما قال رئيسها نتنياهو مرة تلو الأخرى في الأيام الأخيرة. هذا الانقسام يفسّر إلى حد بعيد عدم خروج كمية كبيرة جدا من الإسرائيليين للاحتجاج على عرقلة نتنياهو صفقة التبادل، وبقاء 133 محتجزا إسرائيليا في غزة منذ 212 يوما.

هو انقسام بين من يريد مواصلة الانتقام للضربة الموجعة في السابع من أكتوبر، والتثبت من عدم بقاء تهديد عسكري داخل القطاع والعودة لمستوطنات “غلاف غزة” بأمن واطمئنان، وبين من يريد استعادة المخطوفين، معتبرا أن ذلك هو النصر الحقيقي كونها مسألة ليست إنسانية فحسب، بل مسألة أمن قومي مع الاحتفاظ مستقبلا باستئناف الحرب مع حماس.

ويعبّر محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” رون بن يشاي، عن معسكر الدعاة لمواصلة الحرب بقوله اليوم إن إنهاء المفاوضات في القاهرة دون نتيجة وإطلاق الصواريخ من رفح أمس تقودان لقرار واحد: على الجيش اجتياح رفح قريبا، فطالما بقيت قوات لحماس، فإن سكان غلاف غزة لا يستطيعون العودة إلى بيوتهم.

وتبعته بذلك الصحافية نافا درومي في القناة 14 العبرية المحسوبة على المستوطنين، بقولها في مقال بـ”يديعوت أحرونوت” اليوم تحت عنوان: “لرفح لا للتنازلات”: “لقد جربنا التنازلات في أوسلو وفي فك الارتباط عن غزة وفي صفقة شاليط ولم نتقدم.. دعونا نجرب الطريق الثانية التي ستعيد المخطوفين”. وكما هو الحال مع بن يشاي، لا توضح درومي الوسيلة التي ستعيد المحتجزين الإسرائيليين من غزة أحياء في حال تم اجتياح رفح واستئناف الحرب.

جبهة الرفض 

في المقابل، يواصل محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل توجيه سهام نقده واتهاماته لنتنياهو بمحاولة عرقلة مداولات الصفقة لحسابات خاصة أو خاطئة، فيقول إن المداولات في القاهرة كانت على حافة الانفجار، زاعما أن حماس تراكم مصاعب أمام المفاوضات، لكن نتنياهو يعادل كل مخاوفه ويواصل المناورة وتعطيل الصفقة.

ويرى هارئيل أن قوة الضغط الأمريكي هي التي ستحدد إذا ما سيستجيب نتنياهو لمساعي بايدن.

يشار إلى أن نتنياهو عاد وقال مساء الأحد خلال مهرجان إحياء ذكرى قتلى الحروب والمحرقة، إن إسرائيل لن تقبل باستسلام أمام حماس حتى لو تطلب الأمر الوقوف لوحدها. وكان يشير بذلك لضغط أمريكي قد يزداد اليوم، وقال أيضا في كلمته إن الرغبة بإصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيلين هي فضيحة تهدف لتقييد أيدي إسرائيل، أي أنه غير مكترث بتوريط دولته في أزمة دبلوماسية أشد مع العالم بحال اجتاح رفح وتسبب بمذابح جديدة من شأنها صبّ الزيت على نار الاحتجاجات في العالم.

اجتياح رفح لن يؤدي للنصر المطلق

وأكد على هذا الموقف مستشار الأمن القومي السابق الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، الذي قال للإذاعة العبرية العامة صباح اليوم الإثنين، إن عملية رفح لن تحقق النصر المطلق ولن تعيد المخطوفين. ودلل على ذلك بالتساؤل: “عملنا في خان يونس وماذا حصل؟ لا أستخف بالفكرة أن اجتياح رفح سيشكل ضربة جدية لقوة حماس العسكرية، لكنني أعتقد أن هذا خطأ. هذا لن يؤدي لتدمير قوة حماس، وربما يؤدي لتعميق الخلاف مع أمريكا بشكل خطير، فهي راغبة جدا بوقف هذه الحرب بعد سبعة شهور”.

ويضيف: “اجتياح رفح ينطوي على مخاطر عسكرية ودبلومسية في العالم ومع العلاقة مع الولايات المتحدة. الحل هو وقف الحرب واستعادة كل المخطوفين دفعة واحدة، والذهاب إلى صفقة سياسية كبرى تشمل تطبيعا وحلا للمشكلة مع حزب الله في الشمال، خاصة أن حماس لم تعد قادرة على القيام بالسابع من أكتوبر جديد”.

حوار طرشان

الصحافي المعلق والناقد التلفزيوني الإسرائيلي في يديعوت أحرونوت، عيناف شيف، يعبّر عن خطورة الانقسام المتجدد بين الإسرائيليين بالتحذير من استمرار ما يسميه “حوار الطرشان” بين مَن يرى أن مسيرة الحماقة السياسية والأمنية التي قادت للسابع من أكتوبر ما زالت تتقدم وتتعاظم وتتمثل اليوم بشعارات فارغة كالنصر المطلق، وبين مَن يدعو لانتصار مطلق في رفح الآن، فيما يقوم كل معسكر بشيطنة وتسويد صفحة الطرف الآخر.

يشار إلى أن ما يزيد الانقسام المتزايد في صفوف الإسرائيليين كون المحتجزين من أنصار اليسار الصهيوني المعارض لنتنياهو وائتلافه، حيث يعتقد ذوو هؤلاء أن هوية المحتجزين السياسية تدفع نتنياهو للاستخفاف بهم، هذا علاوة على تصريحات لوزراء ونواب اليمين ممن يزيدون طينة الانقسام الداخلي بلّة بعدم اكتراثهم بالمخطوفين واعتبارهم هدفا ثانويا، وبالحديث عنهم بلغة لا تخلو من الاستخفاف مرة تلو الأخرى، كما تحدثت الوزيرة المتشددة ستروك قبل أيام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية