مساعدة نتنياهو الإنسانية للسوريين!

حجم الخط
17

تداولت وسائل الإعلام الإسرائيلية خبراً عن اجتماع طارئ عقدته الحكومة الإسرائيلية مساء الثلاثاء الأخير، على خلفية ما قيل إنه طلب إسرائيلي من روسيا، بأن تتوسط لها لتقديم مساعدات إنسانية للسوريين النازحين في شمال سوريا، ومُنع نشرُ تفاصيل حول الموضوع، باعتباره موضوعاً أمنياً حساساً.
عموماً لا توجد في السياسة أعمالٌ إنسانية إلا لخدمة سياسة ما، وهي أبعد ما تكون عن المساعدة الإنسانية، عندما يكون المبادر إليها، في أوج معركة انتخابية ستقررُ مصيره الشخصي.
الردود الشعبية على خبر الاجتماع السري، حملت الكثير من السخرية، واعتبرت الأمر خدعة أخرى يخرجها البهلوان من كمه للحصول على مزيد من الأصوات، مثل عملية إطلاق سراح تاجرة مخدرات إسرائيلية قبل عام، من المعتقل الروسي بوساطة بوتين، وتسجيل الأمر كعمل قومي بطولي، قبيل جولة الانتخابات السابقة.
هناك وحسب آراء بعض المُعقبين، احتمال بأن يكون الأمر متعلقاً بأمر جديد بالنسبة إلى جثة الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي أعدم شنقاً في عام 1965 في دمشق، بعد إلقاء القبض عليه يعمل لصالح الموساد، أو أنه يتعلق بجثة الطيار الإسرائيلي رون أراد، الذي وقع في الأسر في جنوب لبنان عام 1982، ولكن المعلقين استبعدوا الأمر. مهما كان الأمر الذي بحثه الاجتماع الطارئ، فإن نتنياهو يسعى لتحقيق عدة أمور من خلال نشاطاته الدبلوماسية و»الإنسانية» فهو يريد الرد على قرار المحكمة الجنائية الدولية، التي أعلنت في مطلع الشهر الجاري أن لها وصاية قضائية على الأراضي الفلسطينية، التي احتلت عام 1967، وبأنها تشك في وقوع جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في هذه المناطق. نتنياهو يريد من خلال مساعيه «الإنسانية» القول بأن إسرائيل دولة أخلاقية، وفي الوقت الذي يقف العالم الحر وغير الحر متفرجاً على مأساة المدنيين السوريين، فإن إسرائيل تتحرك لإنقاذهم ومساعدتهم. إلا أن الإنسانية لا تتجزأ، وفي الوقت الذي يسعى للظهور بمظهر إنساني، تُطرد عشرات العائلات الفلسطينية من منازلها، في حيي الشيخ جراح وسلوان في القدس المحتلة، بأمر من محكمة الاحتلال، لتفريغها من سكانها الذين يقيمون فيها منذ قبل الاحتلال عام 1967، كي يستولي عليها المستوطنون، بهدف إقامة بؤر استيطانية، ضمن برنامج الاحتلال المستمر في تهويد القدس على حساب تخفيف أعداد سكانها الفلسطينيين.
لا يمكن أن تظهر بمظهر إنساني تجاه السوريين في الشمال، في الوقت الذي تحتل فيه قطعة من وطنهم منذ نصف قرن، التي تشرد منها مئات آلاف السوريين، وما زالوا بعيدين عن أرضهم وقراهم، التي هُدمت خلال العدوان والاحتلال عام 1967. لا يمكن أن تلعب دوراً إنسانياً وأنت تمنع أمصال التحصين من كورونا عن الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما أنت المسؤول الأول كونك قوة الاحتلال التي تسيطر على كل ما يدخل ويخرج من هذه المناطق، وحسب القانون الدولي فأنت المسؤول عن سلامة الناس في مواجهة الأوبئة.

هنالك إشارات متبادلة بين الأنظمة الثلاثة السوري والإسرائيلي والروسي، هدفها العثور على المصلحة المشتركة بينها

هذا الطلب في المساعدة الافتراضية الإسرائيلية يفضح التقصير الدولي تجاه النازحين السوريين، الذين أُرغموا على ترك ديارهم تحت وطأة حرب أهلية، تشترك فيها أطراف دولية كثيرة، لكل منها مصالحها، وروسيا على رأس هذه القوى، التي تتحمل المسؤولية بصفتها حليفة أولى للنظام السوري، وتعتبر غاراتها على المناطق المدنية أحد أسباب هذا النزوح الكبير. تتحمل الدول العربية وغير العربية التي أدخلت «داعش» ودعمت التنظيمات الإرهابية، وخربت ثورة الشعب السوري وشيطنتها بهدف واحد ووحيد، منع الشعب السوري من الحصول على حريته. تتحمل أمريكا والغرب والمجتمع الدولي مسؤولية كبيرة، عندما تركوا نظام الأسد يفتك بشعبه، بحجة أنه يحارب الإرهاب، ومن جهة أخرى غضوا النظر عن دعم حلفائهم في المنطقة لتنظيم «داعش».
هنالك إشارات متبادلة بين الأنظمة الثلاثة السوري والإسرائيلي والروسي، هدفها العثور على المصلحة المشتركة بين الأطراف الثلاثة، تتلخص في نهاية الأمر في بقاء الأسد في سدة الحكم، والتخلص من الوجود الإيراني في سوريا، والبدء بإعلان حالة اللاحرب بين سوريا وإسرائيل، بدون أي شروط، والتهدئة، كي يتاح لروسيا الحصول على تعويض مالي مقابل ما دفعته خلال الحرب. لا توجد نوايا طيبة ومساعدات مجانية في السياسة، خصوصاً عندما تسعى إلى تقديمها يدٌ ملوثة منذ زمن بعيد بالاحتلال وجرائمه بشتى الصور والأشكال، ومتورطة في قضايا فساد، وعلى مسافة خطوات من انتخابات ستقررُ مصيرها.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية