سوريا وانتصار الثورة

حجم الخط
0

في الثامن من شهر كانون الأول/ديسمبر انتصرت الثورية السورية بعد صراع مع النظام الأسدي طال 14 عاما، وبعد دمار وتهجير وتغييب لم تشهده سوريا طوال قرون كثيرة من تاريخها. استقبل الناس الثوار المنتصرين بالورود والأغاني، واعتبروا أن الخلاص قد وصلهم أخيرا على أيدي أبنائهم، الذين تم تهجيرهم، بعدما عانى الجميع من الحاجة والجوع، وانعدام القيمة، حتى صار السوري تطبق عليه قوانين (الأبارتيد) مثل عدم التنقل بعد الساعة الثامنة، وعدم العمل، والتشكك الدائم بخلفيته فهل هو داعشي، أم من الإخوان المسلمين، أم فوضوي، وقد منع العديد من الدول العربية دخول اللاجئين السوريين إليها، حتى لو حصلوا على إقامات في بلدان أوروبا.
لكن الثورة أخيرا انتصرت، وعاد السوريون مواطنين في بلدهم، الذي سيطرت عليه القوى الأجنبية، التي استقدمها نظام بشار الأسد، أو التي تسبب في استقدامها نتيجة همجية تصرفاته التي عامل بها المواطنين السوريين.

الإسلاميون الذين وصلوا إلى دمشق في الثامن من ديسمبر يبشرون السوريين بنسخة جديدة من الإسلاميين الذين لا يعتزمون استبعاد الأقليات، ولا استبعاد الأطياف الأخرى بما فيها اليسار

انتصار الثورة السورية لا يعتبر حدثا فريدا في ثورات «الربيع العربي»، ففي مصر أيضا انتصرت الثورة، وفي تونس، وفي ليبيا، وكانت النتائج بكل أسف، عكس ما ارتجى الناس من تغيير إيجابي ورخاء اقتصادي. تتزعم القوى الإسلامية انتصار الثورة السورية، وهي ما تزال في شهر العسل، حيث يتنفس الناس الصعداء ويبكون شهداءهم ومفقوديهم الذين قارب مجموعهم المليون شهيد، بعد كشف الوقائع الجديدة من اختفاء المعتقلين، وهزت صور سجن صيدنايا وصور تجمعات أهالي المفقودين كل السوريين، عدا بقايا مؤيدي الأسد، الذين تجاهلوها في بياناتهم، وهزّت الصور الضمير العالمي، وصارت عنوانا للنازية التي انتهجها نظام الأسد وأعوانه من الإيرانيين والروس. ولا بد من القول إن هذه القوى الإسلامية بالتصنيف السياسي يمينية محافظة، وفي أولى قراراتها أعلنت البدء بتطبيق نظام السوق الحر مثل ألمانيا ورواندا بعد الحرب، على عكس النظام السابق، الذي كان يدّعي اليسارية القومية، ويطبق نظاما اشتراكيا يهيمن عليه العسكر وأعوانهم، الذين لم يعد الاقتصاد قادرا على إشباع جشعهم الذي يفوق وحشيتهم في التعامل مع المواطنين السوريين، حتى اضطروا إلى تمويل أنفسهم بتجارة الكبتاغون والمخدرات، وصار نظام الأسد عنوانا صريحا لها في المنطقة.
كان لليسار السوري دور في إعلان الثورة والاحتفاء بها، حيث إن القوى اليسارية تكبدت خسائر كبيرة على يد النظام، بينما الإسلاميون تم سحق وجودهم السياسي منذ أحداث الثمانينيات من القرن الماضي على يد الأسد الأب، وصاروا يعودون إلى الحياة السياسية بالتعاون مع بعض الأحزاب الشيوعية والقومية، كما في إعلان دمشق 2005، حيث كان النظام السوري يعتبر أن المعارضة غير الإسلامية يمكن تأديبها بالعنف وبالسجن الطويل، بينما الإسلاميون نادرا ما كانوا يخرجون من المعتقلات، حتى قبل الثورة السورية، إلا جثثا أو فاقدي القدرة على الإدراك. وكان ذلك من أبرز تصرفات النظام الطائفية. ولكن الإسلاميين تساووا في تلقي البطش مع الجميع بعد عام 2012 عندما أعلن النظام توحشه التام ليس بوجه القوى المعارضة فقط، بل حتى بوجه أعوانه الرماديين أو غير المتحمسين لنهجه المخابراتي، وقد بدد بشار الأسد طاقات كبيرة من المؤيدين لنظام البعث، الذين تم حشدهم طوال عقود، وبدد الكثير من منافقي النظام الذين لم يعودوا قادرين على خدمة النظام، وشردهم وطاردهم، باعتبار أنهم قصّروا في وأد الحراك الثوري الذي امتد على طول الساحات السورية.
اليسار السوري الذي كان رائدا في إعلان الثورة في عام 2011 يجد نفسه اليوم شبه مبعد عن المشاركة في قيادة الثورة المنتصرة، وصارت قيمه الفكرية المتحررة اجتماعيا مثار استبعاد وتشكك. وهذا ما يوجب على القيادة الجديدة العمل عليه لإعادة الاعتبار لهذا التيار الذي دفع تضحيات كبيرة من أفراده ومن مؤيديه الذين لهم باع طويل في السيطرة الثقافية، ولهم امتداد واسع في أوساط الأقليات وشبابها المتنور، بالإضافة إلى قبول المجتمع الدولي لأفكارهم، على عكس الأفكار الدينية التي ما يزال العالم متشككا في نواياها بعد تجربة ملالي إيران وتجربة طالبان وداعش الدامية.
فرض الإسلاميون أنفسهم في قيادة الثورة التي فجرها المواطن العادي والحماس اليساري، ودخلوها بكل أطيافهم المعتدلة والمتطرفة، وتفننوا بإصدار الفتاوى والأنظمة الماضوية، وهم يحكمون المناطق التي كانت تحت سيطرتهم في الغوطة وفي الشمال السوري، لكن الشكل الذي وصل إلى دمشق في الثامن من ديسمبر 2024 يعبّر عن استيعاب تجارب الإسلاميين السابقة، بما فيها فشل تجربة مصر الإخوانية، ويبشر السوريين بنسخة جديدة من الإسلاميين الذين لا يعتزمون استبعاد الأقليات، ولا استبعاد الأطياف الأخرى بما فيها اليسار. ويبددون بتصريحاتهم اليومية تخوفات البعض من نهج إسلامي متشدد يشبه نهج ملالي إيران، ويعلنون أمام الإعلام العالمي مسيرتهم نحو التعايش السياسي واستبدال الصراعات العسكرية بالصراع على صناديق الانتخاب، وعلى المشاريع الاقتصادية والتنموية التي تعيد سوريا الى المجتمع الدولي، وتعيد إلى المواطن السوري حقوقه وكرامته، التي أهدرها نظام الأسد وعسكر البعث طوال ستين عاما من الاستبداد.
كاتب سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية