ذكرى 16 مايو الإرهابية

حجم الخط
0

التفجيرات التي شهدتها مدينة الدار البيضاء ليلة 16 مايو 2003 كانت صادمة للمجتمع المغربي وللطبقة السياسية، فالمغاربة شعب مسالم لم يجرب مثل هذه الأفعال العدائية في العلاقات بين مكونات المجتمع السياسي والمدني..
السياق السياسي العام كان هو الإعداد للانتخابات الجماعية، وكان حزب العدالة والتنمية آنذاك قد حقق تقدما واضحا فاجأ البعض بحصوله على 42 مقعدا خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2002، وهنا لجأت بعض الأطراف السياسية إلى استغلال تلك الأحداث ضد الحزب، وهو المعروف بكونه حزبا سياسيا ذا مرجعية إسلامية، في محاولة منها لخلط الأوراق أمام الرأي العام، وأيضا أمام مختلف مؤسسات الدولة، وذلك باتهامه بما سمي آنذاك بـ’المسؤولية المعنوية’ عن الأحداث.
في تلك المرحلة، مرت البلاد بفترة عصيبة، حيث منعت التيارات الإسلامية المعتدلة من حقها في التعبير عن إدانة هذا الفعل الإرهابي، وامتنعت التلفزة الرسمية عن نقل وجهة نظرها بما فيها الحزب الممثل في البرلمان، بل منعت حتى من المشاركة في مسيرة الدار البيضاء الشعبية ليوم 18 مايو لإدانة الأحداث، كما تعرضت المسيرة التي نظمها الإسلاميون بالرباط لاستفزازات من طرف بعض الأطراف السياسية المنافسة..
في هذا الإطار أتذكر التصريح الشهير لمحمد اليازغي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي آنذاك بالقناة الثانية، والذي طالب فيه بحل حزب العدالة والتنمية، معتبرا أنه يمثل خطرا على التجربة الديمقراطية في البلد، في حين أن الحزب اختار التعامل مع تلك المرحلة بنوع من العقلانية والهدوء والاتزان، مراهنا على حكمة الملك محمد السادس الذي تعامل مع هذه الصدمة بشجاعة واضحة داعيا الجميع إلى اعتماد مقاربة شمولية لمحاصرة ظاهرة الإرهاب، ورافضا في نفس الوقت أي مقاربة استئصالية للإسلاميين..
ومع ذلك فقد ضغط مسؤولو وزارة الداخلية آنذاك على العدالة والتنمية لكي يقوم بتقليص نسبة تغطيته للانتخابات البلدية، حيث طلبت من قيادة الحزب، أن تنتهج سياسة الترشيح المحدود وفق ما حددته وزارة الداخلية، دون أن ننسى كيف تعرض الحزب لضغوطات من أجل تغيير رئيس فريقه البرلماني مصطفى الرميد..في الوقت الذي اختار الدكتور أحمد الريسوني أن يقدم استقالته من رئاسة حركة التوحيد والإصلاح بعد الضغوطات التي مورست عليه آنذاك.
قبل أحداث 16 مايو الإرهابية ببضعة أسابيع عرض مشروع قانون مكافحة الإرهاب على البرلمان المغربي، فتجندت مجموعة من الهيئات السياسية والحقوقية لرفضه، وكان هذا الرفض مؤسسا على أن بلادنا محصنة ضد الإٍرهاب، لكن المزاج السياسي العام في البلد تغير بعد صدمة تفجيرات 16 مايو التي دفعت بالجميع، بمن فيهم العديد من الجمعيات الحقوقية التي انتقدت القانون في السابق إلى الصمت. ولم يكن بإمكان أي فريق سياسي أن يقف ضده وإلا نعت بمساندة الإرهاب.
ومع ذلك فإن الانتهاكات الحقوقية التي أعقبت تفجيرات 16 مايو لا يمكن تبريرها بقانون مكافحة الإرهاب، والتي تمثلت في الاعتقالات العشوائية لحوالي 8000 من المواطنين، اعتمادا على الشبهة فقط، بالإضافة إلى اعتماد أسلوب الاختطاف، ونزع الاعترافات بالقوة في بعض المعتقلات السرية، بالإضافة إلى غياب شروط المحاكمة العادلة.. كل هذا تم في تجاوز لقانون مكافحة الإرهاب على ما فيه من ملاحظات، والتي تحتاج للمراجعة حتى تتلاءم مع منظومة حقوق الإنسان.
بلادنا اليوم قطعت أشواطا مهمة في القطع مع هذه الانتهاكات خاصة منها الاختطاف، ولا يمكن تصور أن الضمير الجماعي للمغاربة سيقبل بعودة هذه الممارسات مجددا، خاصة مع توقيع الحكومة على مجموعة من البروتوكولات من قبيل البروتوكول الملحق بمكافحة التعذيب والتي تمنح مجموعة من الآليات الوقائية ، واتفاقية مكافحة الاختفاء القسري.
طبعا، مع وقوع أي فعل إرهابي في بلد لم تترسخ فيه بعد تقاليد ديمقراطية عريقة وخبرات متقدمة في مجال الحكامة الأمنية التي تعمل على مكافحة الإرهاب مع احترام معايير حقوق الإنسان، يبدو من السابق لأوانه أن نتحدث عن القطيعة النهائية مع الانتهاكات في هذا الباب.
من ضحايا تلك المرحلة يبرز التيار السلفي الجهادي، طبعا، السلفيون ليسوا عبارة عن تنظيم حزبي أو جمعوي، وحتى بعض الأفعال المرتكبة تنسب لأفراد. والذين يوجدون اليوم في السجون يعتبرون أنفسهم أبرياء مما حصل، في ظل استثناءات قليلة تصر على استخدام العنف لتغيير ‘المنكر’، وهناك فعلا سوء فهم بين الطبقة السياسية والمجتمع المدني من جهة، وبين السلفيين من جهة أخرى، ولا بد من سلسلة حوارات بمشاركة منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، إضافة إلى فاعلين سياسيين ولم لا بعض ممثلي الدولة.
هناك تعقيدات كثيرة تحيط بحل هذا الملف، والحل يتطلب مساهمة الجميع بمن فيهم السلفيون أنفسهم، وعلينا أن نعترف بأن هذا الملف ليس ملف الحكومة لوحدها، الحكومة هي طرف فيه فقط، والسلطات الأمنية التي لديها معطيات خاصة لها كلمة أيضا في هذا الملف، والتيار السلفي المعني بهذا الموضوع له أيضا دور في الحل..والقرار النهائي هو بيد الملك باعتبارها صاحب الاختصاص في مجال العفو، الذي يعتبر الآلية الوحيدة حاليا للحل النهائي لهذا الملف.
طبعا، القرارات الكبرى في مجال حقوق الإنسان يكون للمجتمع المدني دور المبادرة في إنضاج شروطها وهنا أذكر بهيئة الإنصاف والمصالحة التي أنجزت عملا كبيرا، كان قرار تأسيسها تتويجا لمبادرة المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.
غير أن القضايا المرتبطة بظاهرة الإرهاب ظلت بعيدة عن المقاربة التصالحية، وبدا نهج الدولة في التعاطي مع إشكالية العنف الديني أو قضايا الإرهاب مقتصرا على المقاربة الأمنية التي أثبتت فشلها ولم تساهم إلا في إنتاج المزيد من نزعات العنف ضد الدولة خصوصا في أوساط من خبروا السجون وتعرضوا للتعذيب في مخافر الشرطة وانتزعت منهم اعترافات تحت الإكراه ووجدوا أنفسهم أمام محاكمات اختل فيها ميزان العدالة.
اليوم، أمامنا فرصة للاعتبار، وتأكيد أطروحة الاستثناء المغربي عبر إبداع الحلول المناسبة لطي ملف معتقلي السلفية ‘الجهادية’ بصفة نهائية.

‘ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية