يقصد بمفهوم وعقيدة سلطة الدولة على إنه المنظومة المتكاملة لأجهزة الحكم من مؤسسات ودستور وقوانين وقيادة سياسية، هدفها تحقيق غايات الوطن وطموحاته، انطلاقا من المبادئ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ومن خلال نظام ديمقراطي يؤكد على مبدأ احترام الدستور الذي يوجه سياسة الدولة في بعدها الاجتماعي الداخلي، وسمعتها المرتبطة بالمحيط الخارجي. إذ تمثل عقيدة الدولة في جوهرها مبادئ وأطر دستورية وأخلاقية تحدد تحركات وتصرفات القادة السياسيين في إطار سيادي، سعياً وحفاظاً’ لسمعة الدولة وقدسيتها التي هي فوق سلطة الحاكم وحاشيته وأبنائه. وخلافا لذلك، تثير تصرفات السلطة الحاكمة في بغـداد على المستويين السياسي والاجتماعي، الكثير من المواقف الشخصية المتناقصة وتتضاعف هذه الإثارة حين يجد العراقيون أنفسهم وجها لوجه مع مواقف وسياسات لا يكاد يجمعها أي صلة بقدسية البلد، وهي تصدر عن حكام وأعضاء بارزين لم تستطع الأغلبية منهم التفريق بين حدود سلطة مؤسساتهم العائلية، وحرمة البيت العراقي الكبير وثرواته وقدسية أجهزته ومؤسساته السيادية الخاصة. وقد بلغ هذا التناقض في المواقف ذروته قبل أيام، حين قرر رئيس البرلمان العراقي اسامة النجيفي ‘شخصياً’ اعتراضه قناة العراقية العائدة لسلطة نوري المالكي الشخصية من دخول مجلس النواب، ومنع كادرها من اجتياز حدود مبنى البرلمان بعد ‘تعمدها’، ولأسباب ‘شخصية أيضا’، قطع نقل وقائع مؤتمر رئيس البرلمان اسامة النجيفي، ليثبتوا للعراقيين وللعالم حقيقة فهمهم وإدراكهم الفئوي للسلطة وخلطهم ما بين الخصوصية والعامية، ومزج طموحاتهم الانانية البائسة مع هيبة سلطة مؤسسات وأجهزة الوطن. وقد جاءت هذه المشادة بعد أيام من فضيحة حادثة الطائرة اللبنانية التي أوقفها نجل وزير التجارة هادي العامري، لتضاف إلى سلسلة الفضائح المالية واللاأخلاقية الأخرى التي طالت الحكومة، بدءاً من فضيحة قيام نجل رئيس الوزراء باعتقال احد المقاولين، لتزيد الشعر بيتا وتثبت أن سلطة نجل رئيس الوزراء هي فوق سلطة الدولة والقانون، وان المؤسسات الأمنية مرهونة بقدرة العائلة الحاكمة، ولتثبت بالتالي ان البلاد عبارة عن دولة عصابات ومافيات للعوائل الحاكمة، لا احتراما فيها للسلطة والقانون. وإذا كان حادثة إرجاع الطائرة اللبنانية الى بيروت بأمر من نجل وزير النقل العراقي مهدي العامري مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، بيد انه’ ليس الغريب في الأمر أن تكون هذه المغامرة الصبيانية هي الأولى من نوعها ومضمونها، حيث يعرف الجميع أن هذه النزعة التسلطية للعائلة الحاكمة التي عرفها عراق ما قبل 2003، بصورة محدودة وفردية، بدأت فى الانتشار، وأضحت تمثل أنواعا من الشبكات المتكاملة من أبناء المسؤولين، وفق أجندات تجارية مشبوهة، استطاعت وبفضل حماية أجهزة الدولة تشكيل سلطة خفية كاملة تدير شؤونا أمنية وتجارية، وترتبط بأشكال الفساد المتعلق بالأموال، مثل الرشوة والابتزاز واختلاس الأموال العامة، مستخدمة نفوذ ومسؤوليات شخصيات مهمة في الدولة، وعن طريق تشكيل لوبيات وشبكات خاصة ووضع اليد على كبريات الصفقات، وبالتالي السطو على أموال الدولة العامة وامتلاك العقارات وفتح الأرصدة الكبيرة في بنوك العالم ودول الجوار، بل تعداه إلى مجالات أكثر جذبا وولعا كالتي تمثلها ثروات الشعب وأموال الدولة وسيادتها الاقتصادية. وبعد ان اختزلت الدولة بسلطة الحاكم والمسؤول وعائلته، وكما يحدث في الوقت الحاضر في العراق، البلد الغني بموارده الكبيرة حيث تقدر توقعات الخبراء من زيادة في انتاج النفط إلى 3.4 مليون برميل/ يوم في عام 2014 (مقابل 2.3 في عام 2013) و10 مليون برميل/ يوم بحلول عام 2016. ‘وعند مقارنة هذه الارقام المذهلة وما تمثله من واردات طائلة من العملة الصعبة مع حالة البلد التنموية المعدومة، والأوضاع المأساوية للفرد العراقي وحالة الفقر العام للمجتمع العراقي، يتبين لنا بوضوح غياب سلطة الدولة الوطنية وإشكالية مؤسساتها التي أنشأها الأمريكيون والتي تمت إعادة بنائها على أسس دينية وعرقية، وبالتالي تسليمها إلى سلطات وأحزاب اثنية يقودها الحاكم أو الوزير وبتسلط بدائي متخلف من أفراد عائلته وأبنائه. ان اختيار الإدارة الأمريكية لشكل الدولة العراقية الجديدة ودعمها للثقافة الطائفية والبدائية لحكام العراق، أعطى الضوء الأخضر وفتح الطريق لإقامة دولة السلطة الحاكمة وتحقيق مصالح العائلة المالكة، ليصبح الوطن وثرواته ملكا لها، ففي نظام ‘دولة السلطة’ تنعدم مظاهر الديمقراطية، وتتدنى مشاعر حب الوطن ومبادئ وقيم العمل من أجل المصلحة العامة ويعم الفساد أجهزة الدولة، مما يجردها من مفهوم ‘سلطة الدولة’ وما يعنيه من منطق أخلاقي وإنساني.