أنظمة الصدأ والشواهد الرخامية

إذ تُقبل حرب الإبادة الوحشية على غزة على دخول شهرها الثالث تزداد حدةً وسطوعاً ما قد نسميها بحالة الانكشاف التي ولدتها، فقد سقطت الأقنعة وظهرت من ثم طبيعة الأنظمة والمصالح الحاكمة، والأهم من ذلك الطبيعة الأساسية والدور الوظيفي والعضوي للكيان الصهيوني، كرأس حربةٍ لرأس المال الغربي في الأساس، كما تداعت كقصور الرمال تماماً كثيرٌ من الدعاوى والجماليات، كالعدالة والقانون الدوليين، حيث تأكد أنها وإن كانت مبادئ نبيلة، وربما منطقية، فإنها لا تعدو أن تكون أهدافاً أو مطامح طوباوية، لم ولن يتحقق شيءٌ منها إلا في ظل توازن قوى، بدائي أحياناً، يضمن لها ذلك الحيز من الفعالية.
من الجائز إذن أن نعتبر العدوان على غزة بمثابة اختبار متانة ومرونة وقابلية على تحمل الصدمات، شبيه بتلك الاختبارات التي تخضع لها منظوماتٌ كالمصرفية أو بعض المعدات كالطائرات مثلاً، وليس من قبيل المبالغة الذهاب إلى أن الفشل الذريع كان من نصيب الكثير من الأطراف والأسماء الكبيرة؛ بدايةً لقد سقطت سقوطاً مزرياً ومدوياً وسائل وشبكات الإعلام الكبيرة ذائعة الصيت، كالإذاعة البريطانية و»سي إن إن» مثلاً حيث أدهشتنا بذلك الكم من الانحياز الأعمى، الذي يرقى إلى حد تبرير الجرائم والعنصرية الصريحة والانحياز حد التماهي مع الرواية الإسرائيلية، دون حرفية، ويلحق في ذلك مواقف الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا، في تناقضٍ صارخٍ، بقدر ما هو مدهشٌ ومستجدٌ نوعاً ما، مع مزاجٍ، شبابي بالأخص، آخذٍ في الانتشار يدعم القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني.

أثبتت المحرقة الفلسطينية أن الأنظمة العربية، خاصةً الجمهورية، أنظمةٌ صدئة فاقدة الأهلية، لا تستند إلى شرعيةٍ شعبية، بل تراهن على الغرب تماماً لبقائها

لكن يظل الأمر اللافت في نظري الآن هو تركيزنا، كتاباً وإعلاماً وإلى حدٍ بعيدٍ جمهوراً، على مدى انحطاط الغرب، وهو حقيقيٌ وواقعٌ لا نماري فيه، دون الالتفات إلى كم البؤس في الموقف الرسمي العربي.
في مقالٍ سابقٍ تعرضت لدور عبدالفتاح السيسي، أو ربما من الأدق أن نقول «لا دور»، أو «غياب دور» السيسي والنظام المصري وتصريحاته وتفنيناته المنحطة، والذي لا يسعى سوى للتهدئة وضمان عدم تسرب أهل غزة، كرة النار الملتهبة تلك، عبر حدوده، وإعادة تسكينهم أو توطينهم بما يُمهد إلى جر مصر إلى صراعٍ ومواجهاتٍ مع الكيان المحتل، كنتيجة لعملياتٍ تُشن عبر الحدود. لكن ذلك الموقف لا يختلف كثيراً عن موقف الأردن، وبعض مشيخات الخليج ذات الدور الفاعل والنافذ بثقل الوزن المالي، وعلى رأسها بالطبع الإمارات المتحدة والمملكة العربية السعودية. ليس من قبيل المبالغة أن نزعم أن الهدف الأساسي من وقف إطلاق النار، بأي ثمن، صار يمثل حاجةً ماسةً لتلك الأنظمة، لا حرصاً على الدم الفلسطيني ولا انتصاراً لحق ذلك الشعب، ولكن إنقاذاً لأنظمتهم من الحرج والعجز الذي يزداد حدةً يوماً بعد يوم. لا أظن أن أحداً لم يلاحظ، بدرجاتٍ متفاوتة بالطبع من الدهشة والرفض والاستياء، ذلك الموقف العربي المتخاذل الذي لم يقدم إلا على ما لا يجيد غيره: الاجتماع والخروج ببيانات الشجب والتهديد. لم يقدم أيٌ منها، ناهيك عن عملٍ جماعيٍ مشترك، على الضغط على الولايات المتحدة لوقف المذبحة، كما أن أحداً لم يفكر في كسر ذلك الحصار، وتقديم دعمٍ وعونٍ حقيقيين للفلسطينيين المحاصرين المنكوبين، ولن أتحدث عن دعم المقاومة، بل إنها، وعلى رأسها مصر، تمتثل تماماً للإملاءات الإسرائيلية حتى في نوعية وكمية ما يُقدم من مساعدات. رُب سائلٍ يسأل: ما الذي سيحدث لو كسرت هذه الأنظمة الحصار؟ بعيداً عن المبادئ التي توجب، بل تحتم ذلك، فإن الرد البسيط هو، أن إسرائيل ليست في حالةٍ تسمح لها بشن حربٍ على جبهةٍ أخرى ولن تسمح الولايات المتحدة التي أرسلت السفن وحاملات الطائرات باندلاع حربٍ في المنطقة. لكن السبب في ذلك الموقف العربي المتهافت نعلمه جميعاً، فالعدوان الإسرائيلي الغاشم على الشعب الفلسطيني يكشف بدوره طبيعة هذه الأنظمة وانحيازاتها ورهاناتها الحقيقية، وتسلط عليها ضوءاً مبهراً بما يعري ويفضح هذه القيادات والأنظمة كلها.
الموقف الرسمي العربي، لدى التأمل، متسقٌ مع نفسه تماماً، فهذه الأنظمة، سواءٌ منها تلك المسوخ التي أُعيد خلقها وترميمها عقب الثورات، وعلى رأسها مُمثلِاً النظام المصري، وكذلك الأردني ودول الخليج، تراهن على الدور الأمريكي وقد اختارت برمتها التمركز في الحلف الغربي والتقارب، بل التماهي، مع إسرائيل في هواجسها الأمنية والاستراتيجية في إطار المصالح الاقتصادية المشتركة، ولعل الأنظمة الجمهورية قطعت شوطاً أبعد وأوغلت أكثر، فقد شهدنا في بعض الأحيان بوادر تمردٍ أو تململٍ من السعودية مثلاً، أو محاولاتٍ جنينية لموازنة النفوذ الأمريكي، أما في حالة مصر والأردن فلم نر شيئاً شبيهاً ولا هو مطروحٌ على قائمة أعمال هذه الأنظمة. لقد أثبتت المحرقة الفلسطينية أن هذه الأنظمة، خاصةً الجمهورية، أنظمةٌ صدئة تماماً، فاقدة الأهلية، لا تستند إلى شرعيةٍ شعبية، بل تراهن على الغرب تماماً لبقائها، وما الاجتماعات والبيانات والشجب إلخ، سوى شكلياتٍ، جوفاء فارغة المضمون، للاستهلاك المحلي من جهة، وتعبيرٍ عن القلق من افتضاح إفلاسها الحقيقي وانحيازاتها الحقيقية أمام جمهورها، وما كل ما نراه من فخامةٍ وأبهةٍ في قاعات المؤتمرات والمقار والقصور، ومخايل المدنية سوى شواهد القبور الرخامية لأنظمةٍ فقدت أهليتها وشرعيتها.
لقد خطت حرب الإبادة على غزة شهادة وفاة النظام الرسمي العربي، للمرة التي لم أعد أذكرها، وهي أنظمةٌ لم تزل تدين بوجودها لضعف الجمهور وثقل جثتها المدججة بالأسلحة، ولعل الحرب هذه وقد فضحت إفلاس الأنظمة ومواتها، تكون المحفز لحركات تغييرٍ حقيقي وعميق مستقبلاً.
كاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية