■ هل استيقظ ضمير السيد بوتين بعد غاراته الطائشة على تجمعات السوريين الأبرياء عقاباً لهم بتهمة احتضان رجال الثورة. هل يريد حقاً أن يصبح صورة الديكتاتور القهار في عيون الجماهير العربية والاسلامية ليقول الى كل هؤلاء أنه كان صديقاً لحرب الأسد، لكنه يعرف أخيراً كيف يمكنه أن يصنع سلاماً للجميع في الوقت المناسب، هذا الرجل لا يخفي نواياه بل يصر على عرضها عند الضرورة أمام العالم كله، وخاصة تجاه ضحاياه، أو من هم المرشحون لأن يصيروا من بطولاته قريباً أو من شهودها. ها هو قد حزَمَ أمره، بعد أن أمد في عمر المذبحة السورية منذ أن خاض غمارها داعماً لقوى نظام الأسدي، منقذاً له من نهايته المحتومة؛ إذ لولا تدخل بوتين وأسلحته وضباطه وخاصة بمنهجه العسكري الهمجي القائم على مبدأ الاستئصال الجذري للعدو دون أبسط مراعاة لحقوق القانون الدولي، لولا هذا النوع من التحالف شبه الكلي وتغلغل كامل عوامل الممارسة البوتينية في فن تدمير المقاومة والتفظيع بعائلات رجالها ومحازبيهم، نقول باختصار لو لم يوفر بوتين كل وسائل الدعم والقتل الفردي والجماعي للعناصر الأسدية، هل كان نظام الأسد قادراً حقاً على الصمود في وجه أكبر ثورة مدنية عرفتها معظم مدن وأرياف سوريا في أشهرها الأولى، ما يعني أن روسيا الدولة العظمى عالمياً هي التي كانت تقاتل شباب الثورة خلال السنوات الخمس؛ فمن الخطأ أو قصور البصر القول أن الثورة كانت تصارع فحسب عصابات الاستبداد المحلي الإقليمي وحده. بل هي تقاوم فائض الاستبداد العالمي الموروث تاريخياً والمتبقي بعضه لدى قليل من الدول الفاشلة ديمقراطياً.
كان يمكن لثورة فتيان سوريا أن تتطور رموزها وعناصرها الفكرية لتمسك خلال بضعة أشهر بمقاليد الأمر السياسي على امتداد القطر وبطرق سلمية واجتماعية وسياسية، لولا اختطاف بوتين للقرارات الدفاعية لدى قوى النظام. هذه حقيقة كبرى قد تعطي الأجوبة الشافية عن النكسات التنظيمية والعقائدية التي أوقعت انتفاضات الشباب السوري ضحية سهلة لها، وفي وقت سريع لم يتم خلاله لأي تنظيم شبابي أن ينجز مؤسساته الثورية الواعية والوطنية الصافية. بل سريعاً ما تخلخل كل تنظيم عفوي أصلاً واخترقته التدخلات الأجنبية من كل جانب. هكذا تساقطت الثورة في شراك كل التحريفات المضادة لأصولها وخاصة منها تعدديات الرؤوس والمراكز المحركة للقوى الشعبية العفوية.
واقع الأمور أنه كلما أدت مآسيها تحت ضغط الظروف السلبية الى احتمال اسقاط نظام الأسد كان هذا تزداد تبعيته الى مخططات حلفائه. فلم تكن الدول العظمى وحتى الصغرى من الأقليم العربي نفسه، معتادة على الاكتفاء بأدوار التسليح والتأييد عن بعد، هؤلاء لم يعودوا قانعين بأدوار الشركاء الأقوياء طويلاً، بل اشتد تنافسهم فيما بينهم للإمساك تدريجياً وسريعاً بالمناصب السياسية والأمنية من داخل آليات الدولة والنظام بالذات. أما طرفا النزاع، الحكم والثورة فقد خرجا من دورهما كقائدين أحاديين لمعسكريهما. لم يعد يمكن قراءة الوقائع اليومية للثورة واعدائها وكأنها تعبير عن مصلحة معينة لأحد قطبيها أو لكليهما، لكنها غدت كأنها من أفعال الجميع ضد الجميع أو كأنما لا صانع لها إلا القوى الخفية، أو (المتآمرون). فهؤلاء باتوا هم الفاعلين الأصليين لتلك الأحداث الموصوفة بالفظاعات السورية، بينما هي في حقيقتها من إنجازات التدخل الأجنبي، حتى أمست هوية السوري أو كل فاعل حقيقي ضائعة بين الأسماء والهويات الأعجمية الغازية علناً أو موارَبةً.
في حين أن روسيا تخطت منذ البداية حدود الداعم الخارجي والدبلوماسي للنظام الأسدي. وخلال أشهر قليلة أنقذت الأسد من القرارت الدولية لمجلس الأمن في عدة جولات، كانت بذلك تنتقل بسرعة من موقف الحليف الخارجي. إلى أحوال شريك القرار والفعل مع أصحاب النظام، وصولاً في مرحلة ثالثة إلى إقامة مشروع استراتيجي هو الأول من نوعه دولياً منذ استقالة الاتحاد السوفييتي من ذاته، فقد أمست سوريا هي الساحة المركزية لمشروع عودة روسيا الى مقامها السابق الذي كان للإتحاد السوفييتي إبان سيطرته دبلوماسياً وعسكرياً على ثلثي المعمورة.
بوتين اليوم، ومنذ أن بدأ عسكرة الأجواء السورية لحساب طائراته لم يكن مغامراً ولا مجرد مناور عسكري دبلوماسي آني. لقد أدرك الغرب أخيراً ما تعنيه نقلة بوتين لموقعه من مقام المغامرة العابرة إلى مقام المشروع الاستراتيجي، فكانت تحركات دول الغرب بقيادة أمريكا طبعاً بفرض تطويق الخطوات الأولى ولو دبلوماسياً مرحلياً. هكذا تتابعت المؤتمرات واللقاءات بين قادة الغرب ومعهم بعض العرب كذلك. أُخرجت قضية سورية من صناديق اللامبالاة السياسية العليا الباردة. لقد سمع العالم فجأة أن لهذه القضية ثمة حلاً سياسياً قابلاً للتحقيق، بينما كان الحل هذا السياسي مجرد مصطلح، يكتفي الزعماء الدوليون والوطنيون بترداده منذ بداية الانفجار، كان ترداده لفظوياً وكمصطلح خلاصي فحسب طيلة هذه السنوات عن غير طائل حقيقي، كان تعويضاً عن عقيدة راسخة باستحالته واقعياً. لم يكن أحد من الكبار وأدواتهم يريد لسوريا أن تستعيد سلامها الوطني. لم يجعلها الناشطون على انواعهم قادرة على أن ترد عن ذاتها أقل الشرور ضراوة. فقد أرادوها أن تقدم نفسها كحقول تمارين لكل فظائع الهمجية المنبعثة من تحت رميم التاريخ.
واليوم يدور السؤال المركزي عما إذا كان للهمجية البوتينية الجوية ثمة تكملة برية أي إن كان لمشروع الإحتلال ثمة صفحة أخرى غير عسكرية خالصة، إن كان لها مثلاً أن تبشّر الجماهير المتلهفة للخلاص من جحيم الفوضى المدمرة فعليها أن تعيد بصيص الثقة بإمكانية الحركة التصحيحية لكل الخراب المسيطر مادياً ومعنوياً، على مركزية الحيوية النهضوية ذلك انطلاقاً من تحرير بلاد الشام أولاً.
كل أمثال هذه التمنيات الخلاصية كم كانت داعبت مخيالات أجيال عربية وإسلامية. لكنها كانت تكرر الخطأ الواحد الأصلي مع كل بادرة تحول وهو ،هذا الخطأ، أن يترك المستبد المتساقط ليرثه مستبد آخر صاعد. هذا الشعار السري قد دمر جوهرية كل المتغيرات النهضوية الكبرى التي حفلت بها مرحلة الاستقلال الوطني العربي طيلة القرن الماضي. هذا الشعار لم تتلفظه شفاه أو تكتبه أقلام، ولكن مارسته كأمْضَى سلاح قتال لها غرائز التخلف الدهرية العالقة بـ (روح) الأمة من عتق الازمان الرديئة التي توالت قروناً. ينقلب الشعار من حال كمون الأفعال المطلقة في لحظات التحول الشمولية؛ يصير له حدٌ لماّع كالسيف المسنون، يمعــن قتلاً و تمزيقاً في شرايين الاتصال العضوية بين ما يغدو بمثابة الحدث التاريخي البطولي وبين حراسّه الأصليين. فإذا بالثورة تنقلب من جنة موعودة إلى ما يشبه قطعة جحيم وحشي غدار.
إنه أمر طبيعي أن طلائع عربية كثيرة تريد أن تغلّب الثقة على الشك فيما سيكتبه تاريخ المرحلة بعنوانها البوتيني الصاعد راهنياً. إنه لأمر رائع ولا شك أن يسترد شباب الشام ثورتهم من ايدي العابثين بأسمائها ومعانيها وأفعالها. هل يفكر بوتين بإمكانية عودة لمنظومة دول العالم الثالث كما تمناها زعماء حركات التحرر الوطنية طيلة القرن الماضي. هل ينتصر بوتين الاشتراكي على بوتين الستاليني. أم هي أضغاث أحلام كالعادة.
مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي