الأمير عبد القادر وإعادة ترتيب الدولة السورية

ما يجري اليوم في سوريا يوحي بالعودة إلى التاريخ الصادق والجاد والصحيح لسوريا في الوطن العربي. فقد أخفقت السلطة التي جاءت في أعقاب الانتداب الفرنسي، كما فشلت الجمهورية العربية لسورية البَعْثِية في إرساء معالم وأركان ومؤسسات الدولة القارة والمكتملة، التي تستند إلى مقوماتها الذاتية، وتترفع عن الأغراض الشخصية والشللية والمافياوية، التي عانت منها كل الأنظمة العربية السلطوية، التي قامت تجربتها ليس على بناء الدولة، بقدر ما أنها وضعت العلامة الأولى لبداية الانهيارات الكبرى، على ما سجلته لحظة الحِرَاكات العربية مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة. ما يجري اليوم يلح على ضرورة التفكير في إعادة بناء الدولة، وفق تاريخها الحقيقي والفعلي والصادق، الأمين لمسار ومسيرة الشعب العربي السوري، ومن هذه المحطات التي يجب أن تدرج في حركية تاريخ المنطقة كلها، لحظة وصول الأمير عبد القادر الجزائري (1803-1883) إلى بلاد الشام، ومكوثه فيها واستبطان كل الأثر وتداعياته ومتابعة دوائره، التي أحدثها هو ومن انحدر من عائلته وأقاربه والحاشية التي رافقته عند مغادرته فرنسا عام 1852.
تاريخ سوريا الحديث والمعاصر هو تاريخ الدمار والانهيار الذي احتاج إلى جوانب من البناء والتشييد، ومظاهر من الرضا والوفاق والوطنية، من أجل تزييف الحقائق وصرف النظر عن الواجب والضروري والقانوني، وكل ما تقتضيه الدولة المدنية الحديثة والمعاصرة. ما كان يمكن أن يساهم به الأمير عبد القادر هو إعادة الاعتبار إلى دوره الفاعل والمجيد كشخصية تاريخية تواصلت مع التاريخ العربي والعثماني والإسلامي، على أكثر من صعيد ورابط وفعل. فهو القادم من خلفية المجاهد الكبير، الذي قاوم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وحظي بمكانة السجين السياسي، الذي يعتقل في قصور فرنسا وليس في أقبيتها، ومن ثم يحوز شرف المعاملة اللائقة به كرجل دولة ينتظره الدور السياسي والدبلوماسي الرسمي في تاريخ مقبل ستستفيد منه سوريا على وجه التحديد، بعد وصوله إليها، وبداية دوره الجديد والحديث، كونه رجلا بمكانة واعتبار، لجهة الدولة التي تضطلع بمهمة فض النزاع وحل الخلاف وتسوية المشاكل.
يُقْرن اسم الأمير عبد القادر الجزائري بتسوية الفتنة التي نشبت بين الدروز والمسيحيين عام 1860، تمكن من تأمين حياة الطائفة المسيحية، وتحصين قلاعها ومواجهة الأزمة بأسلوب الحكمة والخطاب السلمي، وفض النزاع بما هو توافق ورضا. فقد كان للأمير رصيد رائع من سياسة توحيد قبائل الغرب الجزائري وعشائرها وأسرها طوال خوضه غمار الكفاح والحرب والتفاوض مع الجيش الفرنسي، وهي الفترة التي امتدت من عام 1832 لغاية سقوطه عام1847. فقد كانت لهزيمة الأمير عبد القادر نتائج سياسية ليس على الجزائر وفرنسا وحسب، بل على كل المناطق التي حلّ بها خاصة سوريا، التي أقام فيها وأنجب فيها أولاده كامتداد لمكانته وأثره الفعّال في المنطقة. نُذَكّر أو نَذْكر من جملة ما نَذكر، المكانة التي حازها الأمير كزعيم عربي مهيب ومحترم في العالم المتقدم، فرنسا، بريطانيا وأمريكا، التي كانت تتطلع دائما إلى معرفته والتنويه بخصاله النضالية ومتابعة خطابه الإنساني ورعايته الروحية والرمزية للمحافل الدولية، عندما يشرع في التحرك السياسي والدبلوماسي وحضور المناسبات الكبرى، باعتباره شخصية تاريخية ورمزية، خاصة مراسيم المعرض العالميChamp de Mars يوم 3 أغسطس 1867، كما حضر فعاليات تدشين قناة السويس الإنجاز الكبير الذي صمّمه وحققه المهندس الفرنسي فرديناند دو ليسبس في مصر في شهر نوفمبر 1869. والواقع أن إعادة ترتيب وتهيئة الدولة السورية الحديثة يقتضي بالجوهر والأساس تمكين الشخصيات والمؤسسات، وكل الجهات التي كان لها الأثر الطيب في بناء شخصية سوريا والوعي بإمكانية وجود الدولة على ما فعل الأمير عبد القادر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث عز وجود شخصيات عربية تضاهيه في وجودها، إن على صعيد الفعل أو الرمز، من أجل تقديم السند السياسي والتاريخي للدولة العربية، التي تتأهب إلى الظهور في عالم حديث ومعاصر.

عُرِف الأمير بجمع السياسة والأخلاق والنبل والشجاعة والفروسية والعلم النافع والخصال الحميدة، ما أهله لارتياد السلطة والحكم والدولة الجامعة الرامية إلى اكتمال مؤسساتها ضمن التاريخ وليس خارجه

وامتدادا للدور السياسي والرمزي والروحي للأمير عبد القادر في المجال السوري الواسع الذي كانت تتسع له المنطقة كلها، في صلتها بالدول الكبرى والوجود العثماني، نُذكّر أيضا بالإجراء الذي اضطلع به حفيد الأمير عبد القادر، الأمير محمد سعيد الجزائري (1885-1870) القاضي بتأمين خروج الأتراك من سوريا وإعادة ترتيب الوضع السياسي برمته في سياق نتائج الحرب العالمية الأولى ونظام الانتداب الذي أحدثته عصبة الأمم بعد مؤتمر السلام في باريس عام 1919. والأثر نفسه أحدثه حفيده الآخر في الجزائر وفرنسا، ونقصد الأمير خالد، الباذر الحقيقي لفكرة الوطن والنشاط السياسي الذي يقتضيه في زمن المدرسة العسكرية والمؤسسة المالية والإدارية وثقافة الدولة والنشاط الدبلوماسي الدولي. فقد بدأ تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية مع بداية الوعي بالبحث عن الشخصية الوطنية والإصلاحية في الوقت ذاته، الجامعة لما هو سياسي وروحي القادر على الفعالية التاريخية، الاندماج في التاريخ الصادق والحقيقي، الذي يبني الرصيد ويضيف لما سبقه ويرتب لما بعده، وليس على ما فعلت عائلة الأسد التي قادت البلد إلى دمار وخراب، بناء على شعار ومبدأ الأسد أو نحرق البلد.
الأمير عبد القادر في بلاد الشام هو الشخصية الرائعة التي يَتَرَقَّبها التاريخ العربي الحديث المتجه إلى بناء الدولة العربية الحديثة، وفق آخر إنجازاتها وتطوراتها، ونقصد بطبيعة الحال، القدرة على التحلي بروح المدنية والحضارة واحترام قيم الريف والبادية. وشخصية الأمير عبد القادر وعائلته من أصوله وفروعه بِرَسم كل العرب، خاصة سوريا التي حظيت بوجوده، في الوقت الذي كان نابليون الثالث يفكر فيه من أجل تولي المملكة العربية، المزمع تأسيسها ضمن فضاء الإمبراطورية الفرنسية. فقد كان الأمير ممتلئا لا يحتاج إلى الأخذ من أصول ورأس مال الدولة ومؤسساتها، عُرِف بجمع السياسة والأخلاق والنبل والشجاعة والفروسية والعلم النافع والخصال الحميدة، ما أهله لارتياد السلطة والحكم والدولة الجامعة الرامية إلى اكتمال مؤسساتها ضمن التاريخ وليس خارجه. فشخصية الأمير في بلاد الشام، وسوريا على وجه التحديد هي البنية المنتظرة، لما يجب أن يكون عليه الوضع السياسي، لأنه الشخصية التي كانت مؤهلة بأن تتماهى مع هيئة الدولة، أي توفير الشخصية الاعتبارية، التي تؤمن متانة بناء الدولة وصلابة مرافقها التي تتوجه إلى الاستقلال الذاتي، القائم على مقوماتها، التي لا تقبل أن تحل محلها العائلة أو الفرد أو الطائفة. تأمين حالة من الاكتفاء للمؤسسة التي توفر الحيوية والحياة والحدث التاريخي لكل العوائل والشخصيات، التي بِوَسعها أن تضيف ما يراكم التجربة وليس مُصَادرتها والافتئات على الحق والعدل، واغتصاب ممنهج ومُمَأسس لخيرات البلد وسياسته الجديدة.
ما يجب أن توحي به تجربة الأمير للقيادة الجديدة بعدما وصلت إلى الحكم، إثر سقوط عائلة الأسد وانهيار تاريخها الفاسد والظالم، هو التَّرفع عن كل ما يتنافى مع مؤسسات الدولة، التي كان يتطلع إليها العرب في صلتهم بالسلطة العثمانية والاستعمار الأوروبي، سواء بالمواجهة أو التفاعل والحوار. وإعادة بناء سوريا بروح من التواصل مع العالم كله، وما كل العائلات والأسر والأحزاب والطوائف والأديان داخل سوريا، بِرَسم توكيد حقيقة الشعب كمؤسسة لا يمكن أن يُقْتل أو يُطرد إلى الخارج.
كاتب جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية