مصر وإسرائيل وتطبيع مجاني جديد

حجم الخط
3

أمضى نظام عبد الفتاح السيسي ثلاثة أعوام وهو يحاول إقناع «الغلابة» في مصر بأنه يواجه مؤامرة إسرائيلية أمريكية ترمي للإطاحة به، وتهدف لتدمير المصريين الذين يجب أن يلتفوا حول جيشهم؛ فاذا به بعد ثلاث سنوات يرتمي في أحضــــان الإسرائيليين، كما لم يفعل أحد من قبل، وإذا بالذين أشبعونا انتقاداً لــ(عزيزي بيريز) يُهرولون نحو نتنياهو بالقول لا بالفعل، رافعين شعار (عزيزي نتنياهو: ندعوك لزيارة القاهرة).
أخطر ما في زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى إسرائيل ولقائه برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن الاستقبال واللقاء تما في مدينة القدس المحتلة وليس تل أبيب، حيث أن الزيارات الرسمية بين الدول عادة ما تكون في العواصم، وموافقة شكري على لقاء نتنياهو في القدس تحمل دلالات مهمة للإسرائيليين الذين تعمدوا بكل تأكيد أن يتم اللقاء في القدس المحتلة.
تريد إسرائيل ولو اعترافاً ضمنياً من الدول العربية بأن القدس هي عاصمة إسرائيل وليس تل أبيب، في الوقت الذي ترفض فيه حتى الدول الأجنبية الصديقة لإسرائيل أن تتعامل مع القدس على أنها عاصمة الدولة الإسرائيلية.
ثمة رسالة مهمة أيضاً وردت من زيارة شكري إلى إسرائيل، وهي مباراة كرة القدم التي حضرها شكري ليلاً في منزل نتنياهو في القدس المحتلة، بحسب الصور التي تسربت من هناك. كانت المباراة بين منتخبي فرنسا والبرتغال، وانتهت بحدود الساعة الواحدة ليلا بتوقيت القدس، وهو ما يشير إلى انعقاد «سهرة أصدقاء ودية» لم يسبق أن جلسها أي مسؤول عربي مع نظيره الإسرائيلي (بحسب ما نعلم على الأقل)، وتؤكد هذه «السهرة» بأن علاقة صداقة حميمة تجمع الرجلين وليست علاقة دبلوماسية محدودة!
وبعيداً عن الدلالات الشكلية لزيارة شكري إلى إسرائيل (رغم أهميتها)، فإن مضمون الزيارة أيضاً بالغ الأهمية، فثمة مبادرة مصرية جديدة لتحريك عملية السلام، وهي مبادرة يمكن أن تكون إيجابية لو ترافقت مع عوامل النجاح الأساسية، أما لو لم تتوافر أي من عوامل ومقومات النجاح فهذا يعني أننا أمام تطبيع عربي جديد ومجاني مع الإسرائيليين، وأننا بصدد تقديم هدية قيمة للإسرائيليين في ظل الانقسام الفلسطيني، والتردي في الوضع العربي، ومحاولة لتقليص أزمات الإسرائيليين الداخلية.
أما مقومات وعوامل النجاح الأساسية لأي مبادرة جديدة للسلام في المنطقة، فأولها إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وإعادة بناء ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في حروبه الثلاث الأخيرة على القطاع، ويمكن للقاهرة أن تتخذ قراراً منفرداً بإنهاء الحصار من جانبها، على اعتبار أن الحدود البرية بين القطاع ومصر لا علاقة للإسرائيليين بها ولا وجود لهم عندها.
أما العامل الثاني لنجاح أي مبادرة سلام جديدة فيتمثل في إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني؛ إذ لا يمكن أن نتصور عملية سياسية يكون نصف الشعب الفلسطيني فيها ممثلاً بينما النصف الآخر غائب، كما لا يمكن القبول بأي عملية تفاوضية يقوم بها رئيس فلسطيني يزعم بعض الأطراف أنه «ليس شرعياً» على اعتبار أن فترته الرئاسية قد انتهت، ولم يتم التجديد له بصندوق اقتراع، بينما يرى فيه أنصاره في الشارع الفلسطيني بأنه الرئيس الأوحد وممثل كل الفلسطينيين.
وتبعاً لذلك فان إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني يعتبر متطلباً سابقاً وضرورياً لأي عملية تفاوضية مع الإسرائيليين، وأضـــف لذلك أن العــــاقل لا يذهـــب إلى التفاوض وهو ضعيف، والصف الفلسطيني ما دام منقسماً فهو بالضرورة ضعيف تفاوضياً وسياسياً.
العامل الثالث لنجاح أي مبادرة سلام جديدة مع الإسرائيليين يتمثل في تحسين البيئة السياسية العربية، إذ أن التفاوض مع الإسرائيليين في ظل حالة التشظي العربي، والانشغال بحروب وصراعات داخلية، يعني تقديم الفلسطينيين ذبيحة جاهزة للأكل على مائدة التفاوض الإسرائيلية. فالجامعة العربية في حالة إجازة من العمل السياسي منذ أكثر من خمس سنوات، وسوريا في حرب أهلية، ولبنان بدون رئيس، والأردن في حالة حرب مع «داعش»، والسعودية -وهي الدولة العربية الأهم والأقوى- في حالة حرب غير مباشرة مع إيران، وفي حرب مباشرة باليمن لإعادة الشرعية.. فهل من الممكن أن يجد الفلسطينيون لهم ظهرا عربيا مساندا في ظل هذه الأوضاع المتردية عربياً على كافة المستويات؟
خلاصة القول؛ فإن زيارة سامح شكري إلى إسرائيل لا يمكن أن تصب في المصلحة العربية، ولا يمكن أن تؤدي إلى تحريك عملية السلام التي أصبحت معقدة، ولا يمكن قراءتها إلا في سياق أنها تطبيع عربي مجاني جديد مع الإسرائيليين.

٭ كاتب فلسطيني

مصر وإسرائيل وتطبيع مجاني جديد

محمد عايش

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية