مصر: شبه دولة وشبه رئيس

بعد مضي بضع سنوات على حضوره على مسرح الأحداث، تارةً كوزير دفاع والآن كرئيسٍ انقلابيٍ منتخب، بات من الممكن الحديث عن «أسلوب خطاب» للمشير السيسي، بما في تلك الكلمة من مجاملة ضمنية قد توحي بالتماسك وصفاء الرؤية؛ ربما كان من الأدق والأقرب لواقع الحال (وهوعلى «قد الحال « كما نقول بالعامية المصرية) أن «طريقة كلامه» الخاصة صارت مألوفةً مميزة، بل يمكن التنبؤ بها بدرجةٍ ما من الثقة. لن أتطرق إلى كونها مثار تندر لأن المتابع لن يعدم كثيرين يتغنون بها مكتشفين فيها أغواراً وأبعاداً، وحده الله يعلم من أين أتت، إلا أن الأكيد أنها دائماً تشمل قدراً كبيراً من الارتجال، حيث يتحدث ببطء ليكسب كلماته عمقاً ورؤيةً غير موجودة ولا تحتملهما نوعية الكلام، فيسترسل في اللعب على استثارة المشاعر الوطنية مستجدياً الحماس، ومن ثم يعقب على ذلك بتهديدٍ لكل من تسول له نفسه أن يحاول إسقاط النظام.
في هذه المرة اختار توقيتاً مؤلماً، إذ انتهز فرصة افتتاح مشروعٍ من تلك المشاريع التي لا شك لديّ أننا سنتأكد بعد فترة من كونها إما قديمة يدعي كل رئيس نسبها إليه أو وهمية، ليعلق على كارثة إنسانية ترهق وتحطم كل المعايير والمقاييس، ألا وهي غرق ما يقارب المئتين من المهاجرين الفارين من «جنته».
في هذه المرة أيضاً لم يشذ عن أسلوبه حيث ناشد الموتى أو من هم في عدادهم بأسلوبٍ عاطفي ألا يرحلوا تاركيننا وتاركين بلدهم، ثم أتحفنا بحديث «الفكة» الرائع: وإن الكلمات لتعجز هنا عن التعبير عن عمق الفخر والدهشة، فلدينا الآن رئيس اقتحم آفاقاً جديدة في التنظير الاقتصادي؛ لقد تخطى كل المدارس المعروفة من كلاسيكية ونيوكلاسيكية واشتراكية ونيوليبرالية، وخلف وراءه آدم سميث وكينز وفون هايك وميلتون فريدمان وبالطبع ماركس. لقد دشن بحق مدرسةً جديدة حتى ليتحتم تعميدها بالـ»سيسيزم»، وأراهن أننا سنرى لها منظرين في المستقبل القريب العاجل.
وفي النهاية طمأننا، برد الله قلبه، بأن الجيش لديه خطة، فهو قادرٌ على الانتشار في ست ساعات لسحق أي حراك شعبي، ليؤكد وجهة نظري فيمن المسؤول عن كارثة سوريا، أي النظام الذي دفع نوع الحرب للبقاء. ولا ننسى أيضاً أنه لم يشذ عن أسلوب سابقيه من الضباط الرؤساء حيث حل ضيفاً (ثقيلاً مخيفاً بكل تأكيد) على أسرة ليتناول الإفطار وسط فرقة عسكرية من الأمن ليبعث لنا رسالة «أترون؟ ها أنا قريب من الناس».
إن مجمل الأحداث المتلاحقة، أي غرق المركب وتلك الدرة الثمينة في صورة حديث رئاسي، كلٌ منطقيٌ متماسك على ما فيه من العبث، فهو واقعٌ رثٌ متهرأ بائسٌ يجمع من ناحيةٍ بشراً لا سعر لهم، محض أعداد في نظر النظام وأعوانه وأنصاره، مسحوقين فارين غارقين باحثين عن الخلاص والمال ومن ناحيةٍ أخرى نظام متبلد لا يكترث ولا يريد أن يرى الواقع أو يقدم أي تنازلات.
ثمة جملة من الاستنتاجات والنتائج نستطيع أن نصل إليها، بدون عناء في حقيقة الأمر، فكلما أوغلنا في رئاسته سقطت أوراق التوت واتضحت الصورة أكثر، هذا بالطبع لكل من يريد أن يفهم ولا يهرب من الواقع الرث بفعلٍ إرادي أو من يخشاه، أو من تتلاقى مصالحه مع مصالح النظام.
لنبدأ بغرق مركب المهاجرين «غير الشرعيين» (مع تحفظنا على هذه الكلمة التي يبدو أنها صارت نوعاً من التصريح بالاستباحة أو التقليل من فداحة المصاب وبشاعته) حيث تحضرني مباشرةً الكلمة الإنكليزية الشائعة بأن «الشيطان في التفاصيل»، وليس بمثالٍ كفاجعتنا تلك دليلٌ على ذلك؛ لقد أبرزت واقعاً شديد البؤس مفعماً باليأس من المستقبل، بشر هم نتاج الفقر وسوء التعليم في أحسن الظروف والجهل في أغلبها والأوهام المروجة عن «همام في أمستردام». واقع قذر حيث يتضح وجود عصابات تجني ملايين من وراء تهريب البشر مستغلين رغبتهم في الخلاص وتحسين ظروفهم حيث يتم حشرهم في مراكب انتهى عمرها الافتراضي لتمضي بهم محملةً أكثر بمراحل من حدها الأقصى، ليأكلوا فتاتاً بالمعنى الحرفي ويلقى بالموتى منهم في عرض البحر بدون تفكير أو تردد؛ الأخطر من ذلك هو الاتهامات بضلوع رجالات كبار في الدولة وهيئاتها التشريعية (بالطبع لا أكن لها وداً أو احتراماً كبيرين ولكن تلك يافطاتها الرسمية) ورشى تفرق هنا وهناك على أجهزة الأمن المفترض أن تتعقب هذه المراكب. من جهةٍ أخرى فإن الكارثة تفضح مدى التبلد والقسوة لدى طبقاتٍ وفئاتٍ تلوم من هم ضحايا في نهاية المطاف.
ما يثير الدهشة حقيقةً هو: لماذا يهرب هؤلاء الذين يمثلون ملايين في كل الريف المصري من جنة الرئيس السيسي ونظامه؟ ألم يسمعوا بالمؤتمر الاقتصادي والاستثمارات بمئات المليارات والتفريعة الجديدة التي ستجلب المليارات مع تضاعف رأس المال العالمي في 4-5 سنوات؟
ما يثير العجب بالقدر نفسه هو تعجب الناس من رد الفعل المتأخر للدولة وتعاملها مع الناجين كأسرى حرب، وربما أسوأ. لقد كانت تحركات النظام شديدة المنطقية متسقةً من طبيعته وانحيازاته، فهو أصلاً لا يأبه لهؤلاء ولا يعنونه في شيء، وما فتئ منذ انفتاح السداح مداح يتنصل من كل مسؤوليةٍ تجاههم شيئاً فشيئاً، هو يعدهم عبئاً، ووجودهم يمثل ذلك الجانب القبيح من الواقع المصري الذي لا يحبون أن يروه، فما بالك حين يحرجونه ويفضحونه أمام العالم؟ إن في مصر بالفعل مجتمعٌ متفسخٌ ممزقٌ حال القمع وركود سني مبارك في ظهور شقوقه العميقة على السطح.
أما ثاني النتائج البادية من حديث «الفكة» والتهديد فهو مدى عمق الأزمة التي يمر بها النظام، على كل الأصعدة وعلى رأسها الاقتصاد. الأمر ببساطة يتلخص في انحيازاته، وتلك الوصفة التي سار عليها منذ عهد السادات، وإذ أفقرت ما أفقرت وهمشت ما همشت ومهدت الطريق لثورة شعبية، لم يكن من النظام إلا أن سارع بتنفيذها في صورتها الأكثر شراسةً عاصفاً بكل ما هو متبقٍ من ضماناتٍ اجتماعية لم تتجرأ الحكومات المتعاقبة على المساس بها عبر عقود. النظام لا يريد أن يقدم أي تنازلات، ولعل أقرب مثالٍ على ذلك، عدم تطبيق الضريبة التصاعدية التي ينص عليها الدستور. لقد لجأ إلى محاولة إثبات المشروعية عن طريق الإنجازات والوعود بالاستقرار، قطبا المعادلة كما كرسها نظام يوليو، بيد أن الإنجازات لم تنجز والوعود بها لا تطعم خبزاً ولن تسقي ماءً بعد ارتفاع سد النهضة، والأسعار تشتعل فتطحن عظام شعبٍ شديد الإعياء والإرهاق؛ وبالطبع هناك دائماً خلفية التلويح بالعنف واستخدامه للسيطرة وإبقاء المجال العام مغلقاً، وهو عنفٌ ينفلت من أي حواجز مع تصاعد أزمته. لم يتبق إذن سوى إلقاء اللائمة على الإخوان في ما صار مطاردة ساحرات مزرية ومثيرة للسخرية الممرورة من نوعية تهمٍ كـ»خلية سد البالوعات « وآخرها إشاعة مناخ التشاؤم! حزن البعض لما لحق بـ»مقام الرئاسة» من إهانة جراء كلام المشير السيسي، إلا أنهم نسوا (أو تناسوا) أنها شبه دولة باعترافه الشخصي. لقد وصل ذلك النظام إلى نهاية المطاف، فهو شبه رئيس يحكم شبه دولة، وفي ذلك شيءٌ من المنطق، فهو رئيس يليق بنظام كهذا يمر بمرحلة كهذه، الاستمرار- الميت عن طريق المزيد من العنف وإخصاء البدائل، بدون فهم أو رؤية، وما قيل عن الفكة يليق أيضاً بهذا النظام، الكل منسجم والكل فاشل. مصر تحتاج إلى بديلٍ حقيقي، والنظام يعتمد على ضرب كل البراعم ومحاولات التنظيم. لكن يبقى السؤال: أمام كل هذا الفشل الحالي والآتي، إلى متى يستطيع ذلك المسخ الاستمرار؟

كاتب مصري

مصر: شبه دولة وشبه رئيس

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية