دولة الجريمة

هل يكفي الشجب عندما تصبح الدولة شريكا في الجريمة؟ ما يحدث في فلسطين شديد القسوة والظلم، ويبين أن الحلول السياسية وصلت إلى سقفها النهائي ولم تعد تأتي بأي شيء جديد لأنها من طرف واحد، الطرف الفلسطيني.
فقد جرب الفلسطينيون كل سبل السلام من اتفاقيات أوسلو إلى امتداداتها، لكنها كلها أخفقت، ليس فقط لأن المشاورات التي لا تنتهي، وكانت دائما من طرف واحد، أي الطرف الأضعف، ولكن أيضا لأن الطرف الإسرائيلي يظل سجين أجنحته المتطرفة، ليبرمان وبعض أطراف الليكود وغيرها. هناك تعنت إسرائيلي بلغ درجة عليا من يقين التحكم في كل شيء، حتى أصبحت دولة إسرائيل طرفا في الجريمة، وهي التي ترفع شعار الانتقام. بين الضعيف المطلق من حيث القوة العسكرية، والقوي المطلق عسكريا أيضا، لا يوجد سلام، يوجد استسلام ورغبة في الإخضاع النهائي للشعب الفلسطيني. القوي هو من يحدد الوجهة والخيارات النهائية. ويحدد أيضا صفات المجرم والإرهابي والضحية.
بين اغتيال المستوطنين المدنيين الثلاثة الذي أدانته السلطة الرسمية الفلسطينية، كيف أن دولة إسرائيل هي دولة جريمة بامتياز، وليست دولة حداثة وحقوق الإنسان. يتم ذلك في ظل مشروع قرابة بين رام الله وغزة، لتكوين قطب فلسطيني موحد، وهو ما لا يساعد إسرائيل التي تريد أن تظل الوحيدة المالكة لأوراق اللعبة السياسية. الإعلام الصهيوني كله عالميا، ركز على مقتل المستوطنين الثلاثة ونسي في خضم الجريمة، التسعة فلسطينيين الذين سحقتهم في طريقها الآلة الحربية القاسية، والمنازل التي هدمت والحرمات التي استبيحت، والمئات التي سحبت نحو السجون. يمكن للأفراد أن ينتقموا في ظل ثقافة الضغينة والعمى، ولكن أن تحمل الدولة شعار الانتقام، فهذه دعوة تجعل إسرائيل دولة في صلب الجريمة. اختطاف الشاب محمد حسين أبو خضير، 17 سنة، من أمام متجره في مخيم شعفاط، شمالي القدس وحرقه حيا، تجسيد لخطاب الضغينة الذي يحول كل فلسطيني إلى عدو يجب قتله. هذه هي الجريمة الموصوفة. اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي الأخير، الذي تكتم عن قراراته الانتقامية، يندرج ضمن نفس المنطق الإجرامي. نعرف سلفا أن غزة مستهدفة بهجوم عسكري واسع، وتقتيل جديد أمام العالم، شُرع فيه منذ يومين. ردة الفعل العنيفة تنبيء بشيء يتم ترتيبه في الأفق، أخطر مما يظهر اليوم، أكثر من 500 غارة جوية. فقد سقط الكثير من الجرحى في مواجهات القدس، بينهم صحافية إسرائيلية بعد استخدام قوات الاحتلال للقنّاصة والرصاص الحي، كما توفي صحافي في غزة متأثرا بجراحه، وحوالي المئة ضحية. وطالب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الحكومة الإسرائيلية بإنزال أشد العقاب بالمستوطنين الذي قتلوا أبو خضير، .وقال في رسالة صوتية بثّها تلفزيون فلسطين: إن المستوطنين أحرقوا وقتلوا طفلاً صغيراً، وهم معروفون. من جهته، قال لوران فابيوس: إن قتل فتى فلسطيني اختطف في القدس الشرقية، مروع. يجب التعرف على مرتكبي هذه الجريمة وإحالتهم على القضاء. ينسى الجميع أن الأمر لا ينفصل عن مسألة الاحتلال، ودولة دعت بشكل شبه معلن للجريمة. لا يمكن للظلم أن يستمر، لهذا فإسرائيل تحضّر لدخولها في دوامة جديدة من العنف. لا يمكن إذلال شعب أزليا. بسبب عماها المتأصل وغطرستها، توقظ إسرائيل العلامات الأولى للانتفاضة الثالثة. فاليمين الإسرائيلي المتطرف لا يملك حلولا إلا الجريمة والتقتيل. واليسار أيضا ما يزال في معضلاته القديمة التي لم يتخطاها بحيث يناضل من أجل حل الدولتين الذي كان أفقا استلزم الكثير من التضحيات في ظل استحالة التعايش كما كانت الحالة قبل 48، وفي الوقت نفسه أسير الفكرة الصهيونية. نتساءل داخل هذا الخضم، إذا لم يكن ذلك كله وسيلة لابتلاع القدس، وضمها نهائيا لمخطط إسرائيلي يتم بموجبه منذ زمن طويل قضم القدس وضواحيها بحيث لن يبقى فيها إلا بعض المعالم الإسلامية والمسيحية، وأحياء ممزقة في شكل غيتو، لن يكون لها أي تأثير سياسي، في ظل تدمير التوازنات التي كانت تفرضها بلدان مثل العراق وسوريا وغيرهما التي يتم اليوم تفكيكها كقوة توازن، من خلال منظومة أسلاموية بديلة، لن تقدم أي أفق، سوى مبررات التدخل الأجنبي، والعودة نحو موت أكيد وتدمير الوحدة الوطنية، أو ما تبقى منها.
هناك شجب أوروبي لما حدث في القدس وما يحدث في غزة، ونفاق موصوف، لأنه لا يغير في الأمر شيئا كما في كل الجرائم التي ترتكبها إسرائيل. الأمر يتعلق بإرهاب دولة وليس بأفراد، لهذا وجب تدخل دولي حقيقي وإلا ستتسيد الغطرسة والأبرتايد لأن الأمر يتعلق باحتلال بغيض وهمجي. يتجه الوضع نحو انفجار حقيقي اليوم أو غدا، إذ أن الظلم يتجلى في كل لحظة بقوة. تدخل الاتحاد الأوروبي وأمريكا لفرض الحل السلمي على إسرائيل وحماية الشعب الفلسطيني، أكثر من ضرورة، وإلا يفقد القانون الدولي ما تبقى له من مصداقية. لا يمكن لهذا الكيان الفوق- قانوني المتوحش أن يظل خارج المنظومة القانونية الدولية.

واسيني الأعرج

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية