الإرهاب يصنّف وفق رؤية معيارية، ليصل الأمر إلى اعتبار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية إرهابا، وهو أمر مفهوم لأنّه يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة والعالم الغربي.
فوجهة النظر الغربية لا ترى في ما تفعله إسرائيل إرهابا، فالقتل والتنكيل وتعذيب الأسرى في السجون ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، ورفض تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة ، أو الالتزام بالمواثيق الدولية، كلّ ذلك ليس تعبيرا عمليا للإرهاب من وجهة النظر الأمريكية، بل تصبح مقاومة الاحتلال إرهابا. وهنا نشير إلى زيف مبادئ السياسة الدولية التي تتنكّر للأعراف الإنسانية وتتلاعب بالقوانين الدولية كما تشاء.
تصنيف فعل المقاومة بأنّه فعل إرهابي وإدراج حماس وحزب الله والجهاد ضمن قائمة الإرهاب، إنّما هو مساع أمريكية إسرائيلية تهدف لتقويض النزعة الجهادية نحو التحرّر بالنسبة للشّعب الفلسطيني، وعموم الشعب العربي والاسلامي، وتنقاد دول تابعة وذليلة لمثل هذا التصنيف الأمريكي، ولمثل تلك المعيارية في تعريف الإرهاب، والإطلاقية المشوّهة التي تعمي هؤلاء عن رؤية الحقيقة، فلا يلام الذئب على عدائه إن كان الراعي عدو الغنم. نحن نعتبر المقاومة ردّة فعل ضدّ الاحتلال واغتصاب الأراضي والاستيطان، وهي نتيجة حتمية لكلّ ذلك، ونتساءل هل يدرك ترامب أنّ الشعب ناضل من أجل استقلال بلاده، ولم يرض بالاستعمار الاستيطاني، وهو الذي تحدّث عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس مكرّرا ما سبق وقاله جورج بوش.
ويزيد على ذلك تأكيدا أنّ طلب وقف عسكرة المقاومة وقبلها وقف عسكرة الانتفاضة كلام فارغ لا معنى له، فالأسباب تؤدّي إلى النتائج والاحتلال يؤدّي إلى المقاومة، وهذا أمر طبيعي خلافه الجبن والارتهان. فالمقاومة ستستمرّ باعتبارها النتيجة الحتمية للاحتلال، والمحتلّ لا ينسحب تاريخيا إلّا حينما يتكبّد خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة تُجبره على الانسحاب، حدث ذلك في الجزائر وفي العراق وفي كلّ بقاع الأرض التي عرفت حركات تحرّر وطني، وسيحدث في فلسطين بالتّأكيد ضمن حرب التحرير الفلسطينية المتواصلة بطرق مختلفة.
لقد شاهد العالم الفلسطينيين وهم يستخدمون الحجارة لسنوات دفاعا عن أرضهم وعرضهم وكرامة وطنهم وعزّة مقدّساتهم، والعالم لم يلتفت إليهم بل ترك آلة القتل الإسرائيلية تُبيد الكثير منهم وتُقيم المجازر وتهدم البيوت وتفتكّ بالمزارع والأراضي والقرى. وعندما طوّر المظلوم أساليب المواجهة والدّفاع، وفعّل عنصر المقاومة بالسّلاح رديفا للحجارة، أصبح إرهابيا في نظر الجميع. واعتبُر الظّالم يقوم بردّة فعل طبيعية و»مبرّرة» عندما يقصف ويقتل ويهدم البيوت. هنا أضاع العالم بوصلته الأخلاقية واتّضحت الأمور بشكل جليّ تماما عندما وجدنا أمريكا، وهي من أكثر الدول في العالم التي صدّعت رؤوسنا مناداة بالحرّية والديمقراطية وحقوق الإنسان، تساند بشكل مطلق كيانا استيطانيا قام باغتصاب الأرض.
جرى تسريب المغالطات وتحريف المعطيات وتزوير تاريخ فلسطين بعد زرع كيان غريب بشكل تعسّفي، وهو كيان وظيفي بالأساس وما يشغل باله كان دوما عدائية الحالة العربية، وعدم تقبّلها وضرورة تفكيكها إلى طوائف، فإسرائيل رفضت وبشكل مبكّر جدّا أن تعترف بالعرب كأمّة، وهي تسعى إلى تجزئة المنطقة ليسهل عليها التعامل مع كيانات وطوائف بدل أمّة موحّدة. تلك هي الثوابت في الذهنية الإسرائيلية منذ بداية التواجد الصهيوني في فلسطين، وعاد الرهان بقوّة على مشروع التفتيت الطائفي مع انهيار المشروع القومي العربي وصعود الأصوليات والدفع بالأقليات نحو التناحر مع بقية مكوّنات الدولة الأمّة. ورُوّج لاستبدال الهوية القومية العربية بهويات طائفية، وهذا ما حدث بعد غزو العراق.
وفي مثل هذه المرحلة التاريخية الصعبة يجب الاستعانة بالهوية العربية الجامعة لإقامة تماسك حقيقي في كلّ بلد لتجاوز حالات الطائفية والعشائرية وجميع تشكّلات ما قبل الدولة، بعيدا عن قومية عربية مرضية وهستيرية ومؤدلجة في ردّة فعلها على واقع التجزئة التعيس، وعلينا أن نقاوم التزييف الفاضح لكلّ من مفهومي العدل والسلام، إذا ما كنّا نُعدّ القرن 21 منطلقا لصراع بين عهود الانكسار والتشظّي وولادة ثقافة المقاومة والطموح إلى استئناف الدور الثقافي والحضاري.
كاتب تونسي
لطفي العبيدي