■ ما أن بدأ توافد الجنود الروس وخبرائهم العسكريين إلى اللاذقية حتى ظهرت تسريبات تفيد بعزم أعداد من مقاتلي الشيشان والبلقان بالتوجه نحو جبهات الساحل واللاذقية، لمقاتلة غرمائهم السابقين.. الروس.
ورغم أن جبهــــات الساحل لا تبدو مؤهلة لتقــــدم كبير لقوات المعارضــــة، حتى إن دعمــــت بالمزيد من المجموعات الجهادية الشرسة، إلا أن دور الشيشان قد يكـــون لوجستيا، فبحكم اتقانهم للغة الروســـية سيكون بمقــــدورهم مثلا التجسس على اتصـــالات القوات الروسية، هذا في حال نجحوا في اختراقها، وهو امر ليس بالسهل.
ما يهمنا هنا أكثر من الجوانب التقنـــــية، هو تكرار المواجهة القتالية لطــــرفين متنازعين مجددا في سوريا، بعد تحولهم من بقـــعة أخرى من العالم، تماما كما حصل بين الجهاديين السنة والشيعة في العراق، الذين تواجهوا مجددا على أرض سوريا، وكذلك بين حزب الله اللبناني ونظرائه اللبنانيين السنة أيضا الذين انضووا تحت صفوف التنظيمات الجهادية، في القلمون خاصة.
الحرب في سوريا تؤكد مرة أخرى انها تجاوزت الحرب الاهلية حتى، بل باتت حربا اقليمية ذات خلفية دينية على ارض سوريا، وهذا يعيدنا للتاريخ مرة اخرى، الذي يذكرنا بأن أرض سوريا والعراق كانت قبل الاسلام خصوصا، ساحة صراع دائمة بين بلاد فارس وبلاد بيزنطة وروما، وظلت لمئات السنين تشهد تقدم هؤلاء وتراجع اولئك، حتى جاء العرب من الجزيرة العربية بدولة الإسلام واحكموا سيطرتهم على العراق والشام بعد طرد نفوذ الامبراطوريتين العظميين، الفرس والروم.. ليستوطن العرب القادمون من الجزيرة العربية مساحات واسعة في الهلال الخصيب والبادية، بعد أن دان الحكم لهم، ولعشائرهم فيهما صوت مسموع.
لا تبدو الاحوال الآن مختلفة كثيرا، فها هما العراق وسوريا يخضعان جزئيا لنفوذ الفرس بنسختهم الجديدة الايرانية الشيعية، وها هو الصراع يتجدد بصورة حديثة لا اكثر.. ويجلب معه تغيرات ديموغرافية جديدة.
وسوريا التي لن تعود كما كانت بحدودها الجغرافية، ستخضع على ما يبدو لحدود جديدة تفرضها توازنات القوى الاقليمية، بين معسكر موال لإيران والروس يجمعه عداء للاسلاميين السنة الجهاديين، ومعسكر اخر للعرب السنة بلا دولة اقليمية قوية تدعمه، لذلك اختار جزء منهم إقامة « الدولة الاسلامية».. محولين فصيلا كبيرا لكيان ومؤسسات دولة، لعلها تواجه هذا الخلل الاقليمي، وترجح كفة الميزان المائلة لصالح النظام السوري وحلفائه الايرانيبن والروس الاقوياء بدولهم، الضعفاء بقلة وجود حواضنهم من السكان الموالين، في ساحة النزاع السورية، لذلك يجهد النظام لاحلال سكان موالين من طائفته على حدود عاصمته دمشق، وفي النقاط الاستراتيجية المؤثرة.. بينما جلبت «الدولة الاسلامية» ما استطاعت من حلفاء جهاديين وعائلاتهم من اوروبا والشيشان، لتعزيز مشروعها المعتمد على هويتها العابرة للحدود.. وليس بهدف التغيير السكاني، خاصة أن السكان في مناطق النزاع في سوريا هم من أكثرية سنية عربية. لكن هذا لا يعني أن تحصل تغييرات ديموغرافية أيضا بين السنة في مناطقهم، وإن كانت محدودة، من قبل القادمين الجهاديين الجدد!
فليس فقط الشيشان المضطهدون من الروس من يوجدون بكثرة في الساحل، بل هناك التركمانستان الاسلاميون، القادمون من بلاد الصين حيث الايغورا، هاربون من اضطهاد لحق بهم من الصين كونهم مسلمين، وها هم اليوم ثبتوا أنفسهم من خلال فصيلهم الإسلامي (الحزب التركمانستاني الاسلامي) كاحد أبرز القوى المقاتلة في ادلب وجسر الشغــــور، وقدم فصيلهم عددا كبيرا من الضحايا في اقتحامات جسر الشغور ومطــار ابو الظهور مؤخرا، وباتت لهم ولعائلاتهم احياء كاملة وقرى صغـــيرة يسكنون فيها بإدلب، مكان السكان الذين هرب بعضهم لاوروبا، مقدمين مقولــــــة «الأرض لمن يرويها بدمه».. فهكذا دائما تتحول القوة المسلحة التي تحضر للحرب لجزء من المكان الجغرافي، ولعل هذا يذكرنا بآلاف الاكــــراد الذين جلبهم صلاح الدين الايوبي ليقاتــــلوا في معـــاركه في بلاد الشام التي انتهت بفتح القدس، ليستوطنوا في دمشق وفلسطين ولبنان لليوم، وهكذا هو حال الشيشان والتركمانستان والايرانيين وربما الروس غدا! إنه حقا تغيير ديموغرافي لافت يحدث في سوريا!
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام