لا يميّز الإرهاب بين مذنب وبريء، وفق المعايير المزدوجة القائمة الآن، سواء استخدمته المجموعات المتطرّفة غير الرسمية أو الدول. ومثل هذا العمل غير الأخلاقي ولا الإنساني يُهدّد الاستقرار العالمي، وإن كان إرهاب الدول وبشاعة ما تقترفه الجيوش النّظامية أكبر بكثير ممّا تُقدم عليه الجماعات الإرهابية النّاشطة على الساحة العالمية، وبالمحصّلة النهائية لا حدود مُحصّنة هذه الأيّام، فالاضطراب العالمي قائم وحقيقي، والإرهاب اليوم صناعة متقدّمة جدّا في التّخريب الممنهج، ونسف الدّول من الدّاخل، وخلق النكبات الإنسانية نتيجة العنف والاضطرابات.
ومثل هذه الحواضن تعبّر أصدق تعبير عن تجاوز الحدود وتخطّيها كونيّا، والخطر الحقيقي يكمن في الوصول إلى مرحلة العجز عن السيطرة على مثل هذا الوضع العالمي، فلا توجد دولة ما اليوم بمنأى عن جاهلية القرن الواحد والعشرين بما تعنيه من تفجير وسفك للدّماء، تدعمه دول ضدّ دول أخرى، متناسية أنّه سيرتدّ على الجميع في النهاية.
ما هو متداول من سرديات عشوائية عن تصنيف الإرهاب وتحميل المسؤوليات، جعل الوضع العالمي أسوأ بكثير ممّا كان عليه عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية، أو حتّى بعد تفكّك الإطار الإمبراطوري للسّلطة، ونشوء الدولة الأمّة من خلال معاهدة «وستفاليا» 1648 التي وضعت نهاية لحرب السنوات الثلاثين التي شهدها القرن السابع عشر في أوروبا، وأرست نظاما دوليا جديدا تحكمه القوانين وتضبط العلاقات بين الدول أهمّها، عدم تدخّل أي دولة في الشؤون الدّاخلية لغيرها، وتكريس مفهوم اندماجي وتجانسي يقيم تمييزا حادّا بين السّلم والحرب، ويدفع باتّجاه منطق الوحدة والانتماء إزاء منطق التشتّت والعنجهية.
من المؤكّد أنّ جدّية معالجة ظاهرة الإرهاب تتطلّب البحث في جذورها التّاريخية والاجتماعية وليس أسبابها الدينية فقط، فهناك رابط وثيق بين القضية الفلسطينية التي لم تُحلّ بعد وتنامي الغضب وموجات العنف والعنف المضادّ. وينبغي في هذا السياق تجنّب خلط الأوراق، فهناك حركات مقاومة ترفض الهيمنة الغربية والمشروع الامبريالي التسلّطي، الذي التحف عباءة النظام العالمي الجديد راغبا في تسخير العالم لمصلحته والحصول على الطاقة البترولية والسيطرة على الأسواق العالمية، ومثل هذا النظام ألبس الإسلام جبّة الإرهاب، وإلى الآن يطلقون عبارة الإرهاب الإسلامي غير قابلين أن يدركوا أنّ ذلك ليس من الدين الاسلامي الحنيف في شيء، ولكن رغبتهم في تشويه الإسلام وطمس معالمه دينا وحضارة هو ما يدفعهم للاستمرار في هذه الحملة التي يتعرّض لها الإسلام بشكل منهجي منذ 2001 تاريخ أحداث سبتمبر المشؤومة.
ليس البحث عن نوع من الجمود الإدراكي بمستغرب من قبل دعاة الشرق الأوسط الجديد الذين انتهت لديهم تقريبا كل أشكال المقدّسات، الأمر الذي يفسّر تهجّمهم المتواصل على المقدّسات الاسلامية وكذلك المسيحية، فالمقدّس الوحيد الذي بقي لديهم هو الدولار وأسواق النفط والاستهلاك والمحرقة أو الهولوكوست التي أطلقت يد إسرائيل في فلسطين وفي العالم أجمع، لتفعل ما تشاء من قتل وتضييق وحصار، تعويضا عن جرم ارتكبوه هم أنفسهم إبّان حداثتهم المشرقة التي أنتجت الفاشية والنازية والحربين العالميتين. وكانت الامبريالية أول تجربة لنا مع هذه الحداثة، والاستعمار الاستيطاني الصهيوني المتواصل هو آخرها. فعن أي حداثة مازالوا يتكلّمون؟ ألم يدركوا بعد أنّ منظومة الحداثة الغربية قد دخلت مرحلة الأزمة واختنقت مرجعياتها تماما، ولم تعد قادرة على تقديم الحلول؟ أليس البحث عن حداثة بديلة هو من متطلّبات المرحلة ورهاناتها المصيرية بكلّ أبعادها؟ أم أنّ صور عالم الحداثة المشيّء الذي استلب الإنسان ودمّر الطبيعة وقضى على القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية لم يبلغ بعد المرحلة السديمية بما تعنيه من انسداد وظلامية؟
كاتب تونسي
لطفي العبيدي