ما أيسر في فنّ كالأدب عامّة والشعر والرسم خاصّة؛ ينشأ في حيّز المجاز والاستعارة والكناية أو الرمز، أن تُردّ صور فيه غير قليلة، بشيء من التأويل، أو إلمامة قارئ بهلوان، إلى المثاقفة أو التداخل النصّي أو تأثير لغة في لغة أخرى. وقد أشرت في مقال لي في «القدس العربي» وأنا أعقّب على نصّين لبورخيس وكويلهو، أنّهما استلهما الحكاية من «ألف ليلة وليلة». أمّا بورخيس، فإنّه في بعض متاهاته؛ يكاد ينسخ قصّة عربيّة قديمة حذفا واقتطاعا، من دون كبير إضافة. وهي مأخوذة من ألف ليلة وليلة، ولكنّها سيقت أوّل ما سيقتْ مدوّنةً في كتاب المحسّن التنّوخي (القرن 4 هـ/10 م) في نصّه «رأى أنّ غناه بمصر». وللقارئ أن يقارن بينها وبين قصّة بورخيس، ليدرك الشبه الكبير بينهما.
وقد أتى صنيعه الكاتب البرازيلي باولو كويلهو في «الخيميائي»، وهي رواية نالت شهرة واسعة، وترجمت إلى عديد اللغات ومنها العربيّة. لكنّني أعرف من كتّاب برتغاليّين وبرازيليّين، من يعتبرها من أدب «الكيتش»، أو من الهباء الأدبي الذي لا يعمّر طويلا؛ وقد تكون كذلك فهي «مَطْمَطَة» بعبارة قديمة، وسرد أكثره مدّ كلام وتطويل، وكأنّ الكاتب يحاول أن يطمس أثرا ما..
وقسْ على هذا ما فعل شكسبير في «تيمون الأثيني»، فقد يكون ـ رغم اختلاف الباحثين في نسبة المسرحيّة إليه ـ استوحى نصّه هذا من قصّة معروف الأسكافي في «ألف ليلة وليلة». ومعروف يحلّ ببلد غريب، ويتزوّج ابنة ملكها، وقد أوهم القوم بأنّه تاجر كبير يترقّب وصول قافلته، ثمّ يأخذ في منح الفقراء وذوي الحاجة، بلا حساب. وتنفد خزائن الملك، ويهرب معروف؛ لينزل ضيفا عند فلاّح. وفي غيابه ينفتح له باب سرداب مثل باب سمسم، كلّه جواهر ولآلئ ثمينة، ويظفر بالخاتم السحري. وأمّا تيمون شكسبير، فينفق من دون تفكير في الغد، وهو الذي لا يجد نفعا في جمع المال. وإذ يباغته الفقر، يعمد إلى حراثة الأرض، فيصطدم جاروفه أو فأسه، بكنز من الذهب. ويعود إلى إنفاقه؛ لينزل مزيدا من اللعنات على البشر، كما يقول عبد الواحد لؤلؤة في دراسته للمسرحيّة.
على أنّي لا أتتبّع الأثر العربي في فنون أوروبا وآدابها، فهذا موضوع له أهله من العرب وغير العرب. وأقدّر أنّ ترسّم أثر كهذا ليس بالسهولة التي يمكن أن يتتبّع بها الباحث آثار العرب في علوم أوروبا وفلسفتها ومعمارها. أمّا في غير هذا من تراث العرب، فتتنوّع الأجناس الكتابيّة تنوّعا مثيرا، حيث الشعر مصدر اقتباس في جلّها.
ولعلّ هذا ما يستدعي الوقوف على العلاقة الطّريفة بين الشعر والقصص المتناسلة منه، وهي في موضوع الحبّ أو العشق مثلا، ليست مجرّد سرد لوقائع غراميّة أو عرضا لأخبار المحبّين وما يلاقونه من عذاب في سبيل حبّهم؛ وإنّما هي ضرب من ضروب جماليّة التّلقّي يتولاّها جنس أدبيّ مخصوص هو فنّ السرد. ولعلّ خير من استثمرها شعرا لويس أرغون في «مجنون إلزا» أو «سقوط غرناطة» استئناسا بمفهوم «التلفّظ» الذي يمكن أن يعين في حدود قد تتّسع وقد تضيق، على إدراك الأفكار المتصرّفة بشخصيّات القصّة أو الحكاية، ونوازعها الخاصّة وبواعثها الدّخيلة؛ أو بالمعاني الحافّة، ومصدره التجارب الفرديّة الخاصّة والجماعيّة العامّة. وهي لا شكّ في غاية الدّقة والتّعقيد. وربّما لا مسوّغ لذلك سوى هذه الوساطة اللعبيّة التي تؤلّف بين الذّات المتلفّظة وموضوعها، ولعلّها ليست أكثر من تفكير السارد «اللاعب» في لعبه.
وأتى صنيعهم أيضا الإيطالي امبرتو ايكو في «اسم الوردة» حيث لغز المكتبة والكتاب المسموم أو «السامّ»، من لغز عربي قديم. وهو موضوع مقالي هذا. وهذه «وردة كالدهان»، عرف أستاذ السيميائيّات الماهر كيف يذوّب أصلها كما يذوب دردي الزيت أو الفضّة في السبك؛ ويلوّن أصباغها، فهي حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء؛ حتّى أنّه «أنكر» كما قرأت في نصّ متميّز للكاتب والباحث العراقي المعروف سعيد الغانمي، أن يكون استوحى اللغز من «ألف ليلة وليلة»؛ وتحديدا في حكاية «الملك يونان والحكيم رويان».
وللقارئ أن يعود إليها في مظانّها، عسى أن يتأكّد ممّا أنا بصدده: «لما تحقّق الحكيم، أيّها العفريت، أنّ الملك قاتله لا محالة قال له: أيّها الملك إن كان لا بدّ من قتلي، فأمهلني حتى أنزل إلى داري فأخلّص نفسي من الديون وأوصي أهلي وجيراني أن يدفنوني وأهب كتب الطب، وعندي كتاب (خاصّ الخاصّ) أهبه لك هديّة تدّخره في خزانتك. قال الملك للحكيم: ما هذا الكتاب؟ أجاب: فيه شيء لا يحصى، وأقلّ ما فيه من الأسرار أنّك إذا قطعت رأسي وفتحته وعددت ثلاث ورقات ثم تقرأ ثلاثة أسطر من الصحيفة التي على يسارك فإنّ الرأس يكلّمك ويجاوبك عن جميع ما تسأل عنه. تعجّب الملك غاية العجب، واهتزّ من الطرب، وقال له: أيّها الحكيم، هل إذا قطعت رأسك تكلّمت؟ قال: نعم أيّها الملك وهذا أمر عجيب. وأرسله الملك، فنزل الحكيم إلى داره وقضى أشغاله في ذلك اليوم. في اليوم الثاني، طلع الحكيم إلى الديوان ووقف إزاء الملك ومعه كتاب عتيق ومكحلة فيها ذرور، وجلس وقال: أعطوني طبقاً، فأتوه بطبق كبّ فيه الذرور وفرشه. وتابع: أيّها الملك خذ هذا الكتاب ولا تعمل به حتى تقطع رأسي فإذا قطعته فاجعله في هذا الطبق وأْمرْ بكبسه على هذا الذرور، فإذا فعلت ذلك فإنّ دمه ينقطع ثم افتح الكتاب. وأراد الملك تصفّح الكتاب فوجد أوراقه ملتصقة، فوضع أصبعه في فمه وبلّها بريقه وفتح أوّل ورقة، ثم الثانية والثالثة، والورق لا ينفتح إلاّ بجهد، ولكنّه بعد فتح ستّ ورقات لم يجد أيّة كتابة فقال الملك: أيّها الحكيم، ما فيه شيء مكتوب. قال الحكيم: استمرّ أيّها الملك في تصفّحه فلم يكن إلاّ قليل من الزمان حتّى سرى فيه السمّ لوقته وساعته، لأنّ الكتاب كان مسموماً، فعند ذلك تزحزح الملك وصاح: قد سرى في جسمي السمّ. فأنشد الحكيم رويان شعرا. وما أن فرغ من كلامه حتّى سقط الملك ميّتاً من وقته».
تترتّب جملة استنتاجات تضيق عنها هذه المقالة. وهي الحكاية التي تتهاوى جدرانها الفاصلة تباعا من خلال الثغرات والفجوات التي تتخلّلها في النصّ الآخذ والنصّ المأخوذ منه؛ من حيث هي جزء من استراتيجيّة لعبة الكتابة/ القراءة التي تتيح لنا أن نشارك السارد لعبته؛ وأن ننفذ منها؛ فنتتبّع أثرها ونؤمّن لها بنيتها النسقيّة. فقد استبدل ايكو الجزء الثاني من كتاب «فنّ الشعر» لأرسطو (في الضحك) بـ«كتاب الحكيم روحان»، وكلاهما «سامّ»؛ أو «سامة» أو موت. ولعلّ من رموزه أنّ «من العلم [الكتب] ما قتل»، فالكتاب مصدر للمعرفة مثلما هو مصدر للموت أو القتل؛ كلّما عمّ التعصّب الديني أو الفكري، واشتدّت الرقابة على معارف وتعاليم سرّيّة محاماةً ومدافعة؛ حتى تُحفظ وتبقى طيّ الكتمان. و«الكتاب القاتل» له وجهان: وجهه ووجه قارئه أو ضحيّته. على أنّ «اسم الوردة» أشبه بـ«الرواية البوليسيّة» حيث تتكاثر الجرائم في الدير، ويموت كلّ الرهبان الذين يتجاسرون على قراءة الكتاب؛ وكلّهم ضحاياه، والضحايا لا يتكلّمون دائما؛ إمّا لأنّهم في طيّ الموت، أو لخوف ما، أو لأنّهم لا يحسنون التعبير عن محنتهم؛ أو لأنّهم صفحوا أو نسوا. وهي من هذا المنظور لا تشبه الحكاية في «ألف ليلة وليلة»، وإن تقاطع الأثران في موضوع المعرفة أو العلم وماهيته، و«طريقة» السرد أو الحكاية داخل الحكاية، والغموض أو السرّ أو اللغز أو»المتاه».
وقد يكون ايكو استأنس بترجمة انطوان غالان المنشورة بين عامي 1704 و1717، وقسم منها حكايات حرّرها المترجم اعتمادا على رواية شفهيّة لحكواتي سوري من حلب اسمه حنّا دياب التقاه في باريس، ولا وجود لها في المظانّ القديمة مثل «رحلات السندباد البحري» و«مصباح علاء الدين» و«علي بابا والأربعون سارقا». وأمّا تخيّر «الوردة» فقد تعمّده ايكو عنوانا محفوفا بالغموض شأنه شأن الكتاب السامّ/المسموم. وللوردة رموز شتّى في التراث الإيطالي، فهي «الوردة الصوفيّة» من حيث هي رمز لمريم العذراء وللحبّ الإلهي. وهي في الكوميديا الإلهيّة «الوردة السماويّة» رمز الفردوس والجمال والنور والحقيقة وكلّ ما هو مثاليّ؛ وما إليها من رموز في فنّ عصر النهضة وفي الرسم والمعمار. وثمّة أيضا «وردة أريحا» أو «كفّ مريم»… ومهما يكن فليس ثمّة مصادفة أو وقوع حافر على حافر؛ وايكو عالم مطّلع جيّدا على «ألف ليلة وليلة»، وعلى نصوص غيرها مثل «حي بن يقظان».
إنّ في تراث العرب ثروة سرديّة ولغويّة عجيبة هي بمثابة روافد لمسالك الرواية، ولكنّ الروائيّين العرب لم يعرفوا بعد كيف يستثمرونها.
*كاتب من المغرب