وسام الصغيّر لـ”القدس العربي”: نشك بالتزام سعيّد بموعد الانتخابات الرئاسية.. والإسلام السياسي لم ينتهِ في تونس

حجم الخط
0

تونس – “القدس العربي”:

شكّك وسام الصغيّر الناطق باسم الحزب الجمهوري في تونس بالتزام الرئيس قيس سعيد بعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها، كما اعتبر أن سعيد يكرر مع خصومه السياسيين في قضية “التآمر على أمن الدولة” ذات الأسلوب الذي اتبعه الرئيس الراحل زين العابدين بن علي في تصفية قيادات عسكرية في قضية “برّاكة الساحل” عام ١٩٩١.

وكان عدد من السياسيين التونسيين دعوا في وقت سابق إلى اتفاق المعارضة على “مرشح توافقي” لمنافسة الرئيس قيس سعيد، الذي أكدوا أنه يستعد للمشاركة في الانتخابات الرئاسية العام المُقبل.

وقال الصغير، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “الرئيس سعيد سيترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة بالتأكيد، وهذا لا نقاش فيه، لكن السؤال الأهم هو هل سيدعو سعيد للانتخابات الرئاسية في موعدها سنة 2024 أم لا؟ حقيقة أشك في هذا الأمر لأنه لا توجد مؤشرات حقيقية لعقد الانتخابات الرئاسية في موعدها. كما لا أعتقد بوجود مؤشرات للتنافس النزيه بين جميع الشخصيات التي ستشارك فيها”.

“لم نشهد في المنطقة العربية نهاية حركة إسلامية عبر الاستبداد والقمع”

وأضاف “نحترم جميع الأطراف التي طرحت فكرة المرشح التوافقي للمعارضة، ويمكن أن نشترك في بعض ما يطرحونه، لكننا في الحزب الجمهوري نعتقد أن المرحلة السياسية اليوم لا تقتصر على الترشح من عدمه للانتخابات الرئاسية”.

وأوضح أكثر بقوله “نحن نتابع الارتفاع المشط للأسعار وغياب المواد الاستهلاكية الأساسية، والإخلالات الكبرى في المالية العمومية، والمؤشرات لأزمات دبلوماسية كبرى بين الدولة التونسية وشركائها التقليديين. وأمام كل هذه المشاكل لا يمكن أن نلخص المشروع الجامع بين مكونات المعارضة بالترشح من عدمه للانتخابات الرئاسية”.

سجون غير إنسانية

من جهة أخرى، أشار الصغير إلى الأوضاع المتردية التي يعيشها عصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري وشخصيات سياسية أخرى معتقلة حاليا في إطار ما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”، مشيرا إلى أن الشابي تعرض لحادثة تسبب بها السائق المتهور لسيارة السجن خلال نقل المعتقلين الى العاصمة للتحقيق معهم، فضلا عن تعرض معتقلين آخرين لعدة أضرار بعد نقلهم في ما يُسمى ب”سيارة التعذيب” والتي قال إنها “تفتقد للحد الأدنى من احترام الإنسانية والحُرمة الجسدية”.

وأضاف “ملف السجون في تونس هو ملف شائك، ويحتاج لنظرة جدية وإيجاد حلول من قبل السلطات، بغض النظر عن طبيعة هذه السلطات ومدى احترامها للحريات”.

وتابع بالقول “وضع السجون في تونس بشكل عام هو وضع مزرٍ، وخاصة فيما يتعلق بحالة الاكتظاظ ودرجة الحرارة المرتفعة في الصيف وانقطاع المياه وانتظار العائلات الطويل لذويهم والظروف السجنية المتردية عموما. ووضعية المعتقلين في قضية التآمر لا تختلف عن بقية المساجين، ونحن لا نريد التعامل معهم بتمييز بالرغم من أن هؤلاء هم شخصيات اعتبارية وإيماننا بأنهم لم يقترفوا أي ذنب، وذنبهم الوحيد أنهم عبروا عن قناعاتهم ومواقفهم الوطنية بشكل مستقل عن سلطة الاستبداد والديكتاتورية”.

سعيد وأسلوب بن علي

وفيما يتعلق بقضية التآمر ضد أمن الدولة، أكد الصغير “خلو الملف من كل أركان الإدانة وغياب أركان الجريمة، وهذا الأمر لم يعد عاقل في تونس يشك به. فعلى مدى سبعة أشهر وهيئة الدفاع تعقد ندوات صحفية وتطالب العدالة التونسية بالخروج للرأي العام والكشف عن أركان الجريمة التي بموجبها تم اعتقال عصام الشابي وغازي الشواشي وخيام التركي وعبد الحميد الجلاصي وجوهر بن مبارك، ولكن هذا الأمر لم يحدث. في المقابل، برأت وزارة الخارجية السفراء المعتمدين في تونس من شبهة تورطهم في قضية التآمر وقالت لهم: أنتم غير معنيين بهذه القضية وبإمكانكم العمل بكل استقلالية وحرية”.

“حركة النهضة ارتكبت أخطاء في الحكم، وعليها القيام بنقد ذاتي ومراجعة جذرية”

وتابع بالقول “كما أصدر القاضي قرارا بمنع التداول في هذه القضية، ثم تم إطلاق سراح شيماء عيسى ولزهر العكرمي، رغم أن ملف شيماء عيسى- على سبيل المثال- يتطابق مع ملف جوهر بن مبارك، والمحامون يؤكدون ان نفس الاتهامات موجهة للطرفين. وهذا يؤكد – بلا شك- أن القضية سياسية، فمنظومة قيس سعيد تريد تصفية خصومها، وتعتمد ما يسمى بقضية التآمر كذريعة لذلك”.

وأشار -في السياق- إلى أن موضوع “التآمر على أمن الدولة” ارتبط في الذاكرة التونسية بالتصفيات السياسية، حيث “تم اعتماد هذه التسمية في التشريع التونسي عام ١٩٢٨ من قبل المستعمر الفرنسي بهدف تصفية حركة التحرر الوطني، ثم اعتمدها الحبيب بورقيبة لتصفية خصمه السياسي صالح بن يوسف، ثم استعملها أيضا لتصفية اليسار والقوميين والإسلاميين، كما استعملها زين العابدين بن علي في التسعينيات لتصفية قيادات عسكرية ضمن ما يعرف ب”قضية براكة الساحل”. واليوم التاريخ يكرر نفسه في تصفية الذين طلبوا من قيس سعيد إيقاف هذا النزيف الذي ينخر الدولة والمجتمع التونسي”.

لا بديل عن الحوار

وتوجه الصغير برسائل عدة للرئيس قيس سعيد، طالبه فيها ب”تحكيم العقل لأن أسلوبه في حكم الدولة لا يمكن أن يزيد إلا تعميقا للأزمة، والنظر للقضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية من منطلق المسؤول عن مستقبل تونس، لأنه بهذا الأسلوب ينفي التاريخ والرموز وكل من له إمكانية للمشاركة في تقرير مصير الوطن. فشخص واحد لا يمكن أن يحقق النجاح في تقرير مصير وطن ولا يستطيع وحده أن يخرج بتونس إلى بر الخلاص”.

وأضاف “نطالبه بالحوار وبمراجعة التوجهات العامة التي بموجبها هو الآن يتحكم بمفاصل الدولة وكل السلطات بيده، وبمراجعة الثقافة والعقلية التي تحكم تسيير الدولة في تونس. وإن حصلت انحرافات قبل 25 تموز/ يوليو ٢٠٢١ فوجب تعديلها، لا بنفي الجميع أو إقصائهم، بل بحوار وطني جدي ينهل مما كان إيجابيا ويتدارك ما هو سلبي من نقائص وإخلالات كانت حاصلة. وما دون ذلك الانهيار وزيادة تعمق الأزمة”.

واستدرك بقوله “هناك من يلومنا على مطالبة السلطة بحوار وطني جدي وحقيقي، رغم أنها تقوم بسجن الأمين العام للحزب منذ سبعة أشهر، ونرد بالقول: الوطنية ومصلحة البلاد لا يجب أن تقوما على الرد الانفعالي، فمصلحة تونس تكمن في الحوار والخروج من المناخ التخويني وحالة الترهيب”.

اتحاد الشغل وتعديل البوصلة

كما دعا اتحاد الشغل إلى تحمل مسؤوليته ك”منظمة عريقة في المنطقة العربية ككل، ولها دور تاريخي منذ فترة الاستعمار وفي كل المصاعب والمحن التي مرت بها تونس”.

“قيس سعيد يكرر أسلوب بن علي في تصفية خصومه، ولا فرق بين قضيتي التآمر وبرّاكة الساحل”

وأضاف “ندعو قيادة الاتحاد الحالية لتحمل مسؤوليتها، ونحن لا نتدخل في تكتيكاتها وأسلوبها وخططها العملية، ولكن الوضع العام حاليا يشير بإصبع الإدانة لتراجع دور الاتحاد في ظل هذه المحنة، ونعتقد له من الإمكانات الكثير لأداء دور وطني بالأسلوب الذي يراه صالحا ومفيدا للخروج من الأزمات والمصاعب التي تعيشها البلاد”.

بين الأحزاب الديمقراطية وجبهة الخلاص

وكان الحزب الجمهوري غادر قبل أشهر تنسيقية الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، وهو ما فسره مراقبون بمحاولة الحزب “التقرب” من جبهة الخلاص الوطني التي تقودها حركة النهضة.

لكن الصغير نفى هذا الأمر بشكل قاطع، وأوضح بقوله “الحزب الجمهوري لم يعد في الخماسي الديمقراطي، لكنه كذلك لم يطرح على نفسه الدخول في جبهة الخلاص الوطني. فالتحالفات والائتلافات قائمة على قراءة الوضع والتفكير المشترك والتقارب في طريقة التفاعل مع الأحداث والتطورات، وعندما تضيق السبل في التفكير الجامع المتقارب في طريقة الفعل والممارسة، يصبح من الأفضل التحرر من الائتلافات التي قد يكون فيها الكثير المشترك، لكن عندما تكون هناك اختلافات يمكن أن تؤدي إلى التناقض فمن الأفضل الانسحاب”.

وتابع بقوله “الحزب الجمهوري اليوم -من حيث المشروع المجتمعي والتحالف الفكري والثقافي- هو أقرب للرباعي الديمقراطي، ومن حيث الممارسة السياسية التكتيكية هو دعا إلى تحرير المبادرة ودعوة كل القوى المناهضة للاستبداد والديكتاتورية التي تتجلى حاليا في حكم قيس سعيد، كما دعا الى تقارب وجهات النظر وإلى التقاطع الميداني مع الجميع. لكنه لا يتقارب فكريا وثقافيا مع جبهة الخلاص، ولا يمكن أن يكون ضمن الجبهة من منطلق سياسي وفكري”.

تفكك المعارضة

وحول الأسباب التي تمنع المعارضة التونسية من العمل في إطار موحد، قال الصغير “هذا ما نبحث عنه ونعمل عليه وبصدد مناقشته مع جميع القوى الوطنية”.

واستدرك بقوله “ولكن هناك مشكلة مع من ارتكب إخلالات أو أساء التقدير قبل ٢٥ تموز/ يوليو، وأخص بالقول حركة النهضة، والتي ندعوها الى ممارسة نقدها الذاتي، والحزب الجمهوري قبل ٢٥ تموز/ يوليو في الجبهة المعارضة لحركة النهضة (خلال وجودها في الحكم)، وهناك من يرى أن تحديث التناقضات وجعل التناقض مع الاستبداد والديكتاتورية هو المعركة الأساسية، وهناك من يرى ضرورة التباين مع كل من كنا نعارضه أو نختلف معه”.

“نختلف سياسيا وفكريا مع جبهة الخلاص، لكن الأولوية الآن هي لمقاومة الاستبداد الجاثم على صدر البلاد”

وأضاف “نحن مجموعة سياسية تعمل على تحديث التناقضات ووضع الحد الأدنى المشترك والمقاومة المدنية السياسية للاستبداد الجاثم على صدر تونس، دون نسيان ما هو محل اختلافات سابقة”.

تسريبات الونيسي

من جانب آخر، علق الصغير على التسريبات المنسوبة للرئيس المؤقت لحركة النهضة منذر الونيسي، بالقول “حالة الاحتقان والتخوين والقدح التي تسيطر على المناخ السياسي، أفرزت -للأسف- هكذا سلوكيات وممارسات بذيئة لا تنتمي للسياسة ذات المضامين الهادفة. ونحن في الحزب الجمهوري لم نكوّن ثقافتنا على هذه الأساليب، وننأى بأنفسنا عنها لأننا نعتبرها مؤشرا للبذاءة والفساد. ونحمل المسؤولية للماسك بالحكم ولمن مسكوا قبله بالحكم لأنهم عملوا جميعا على نشر هذه العقلية الماضوية والسلبية في النخبة السياسية”.

نهاية الإسلام السياسي

وفيما يتعلق بحديث البعض عن نهاية الإسلام السياسي في تونس، قال الصغير “الحديث عن نهاية الإسلام السياسي من عدمها في تونس يرتبط بأمرين. الأول هو طريقة تسيير الحكم من قبل الإسلاميين (حركة النهضة) الذين مسكوا بمقاليد الحكم طيلة عشر سنوات وفشلوا، ومارسوا كل الطرق لإعادة المنظومة القديمة، وتحالفوا مع الفساد والدولة العميقة، ومارسوا التقية والتسلط ومحاولة الانغراس في الدولة ومسكها بطريقة تقوم على العشيرة والقبيلة والجماعة”.

وأضاف “الأمر الثاني مرتبط بقيام حركة النهضة بمراجعات جذرية، ونحن من بين الأطراف التي دعتها إلى ممارسة النقد الذاتي والوقوف على مكامن الخلل في فترة حكمها”.

واستدرك بقوله “لكن القول بموت الإسلام السياسي ونهايته في تونس، فأعتقد أن ذلك يرتبط بمرجعية ثقافية وفكرية، لأنه بالعودة لتجارب الإسلام السياسي في المنطقة العربية، لم نشهد  نهاية حركة إسلامية عبر الاستبداد والقمع، بل إن هذا الأمر يزيد في تشددها، وبالتالي التعامل مع الحركات الإيديولوجية والدوغمائية يجب أن يعتمد أساسا على نظام ديمقراطي حقيقي ذي مضامين اجتماعية عادلة”.

وأضاف “ما دون ذلك، لا أعتقد أن أي تجربة أو مدرسة فكرية يمكن إنهاءها، باعتبار أن الإسلام السياسي – أحببنا أم كرهنا – يتناول مسألة عقائدية لجزء كبير من المجتمع التونسي، ويحاول الخلط بين ما هو عقائدي وما هو سياسي. ولذلك يمكن القول إنه يمر بأزمة أو ضائقة، لكن من الصعب القول بأنه انتهى”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية