هل يسعى ترامب لجائزة نوبل من بوابة العلاقات المغربية الجزائرية؟

حجم الخط
0

في البرنامج التلفزيوني الأمريكي الشهير «ستون دقيقة»، فجّر ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشرق الأوسط مفاجأة كبرى، حين قال إن الولايات المتحدة تعمل على اتفاق سلام بين الجزائر والمغرب. وتوقع ويتكوف أن يتم إنجاز هذا الملف خلال ستين يوما. وفي غمرة هذه المفاجأة تبرز أسئلة كثيرة تستحق الطرح. فهل سيكون إصلاح ذات البين بين المغرب والجزائر في ستين يوما حقيقة، أم أضغاث أحلام ترامبية كالستين يوما التي وعد بها لإصلاح العلاقات الأمريكية الإيرانية؟ ما هو السياق وما هي الخلفية لهذا الموضوع، التي لا يعلمها أحد إلا المحيطين بترامب؟ وهل حقا كما ألمح ويتكوف، أن الجزائر قد تواصت معه وأبدت الرغبة الحقيقية في تسوية هذا الملف؟
يأتي تصريح ويتكوف عن العلاقات الجزائرية المغربية، متزامنا مع ما تشهده قضية الصحراء الغربية من حراك دبلوماسي أممي خلال هذه الفترة، فقد قدّم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، ورئيس بعثة ومينورسو الكسندر إيفانكو، إحاطتهما لمجلس الأمن الدولي قبل أسبوعين، بانتظار قرار مجلس الأمن بهذا الشأن نهاية الشهر الجاري. ومينورسو هي بعثة الأمم المتحدة التي تُعد مهمتها الأساسية تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها.

لأن أمريكا تتربع اليوم على عرش الأحادية القطبية، يرى الرئيس الأمريكي ترامب، أن من حقه أن يفرض السلام في العالم بشروطه، حتى لو بالقوة

تشهد قضية الصحراء الغربية انقساما كبيرا بين المغرب والجزائر، فمنذ عام 2007 يقترح المغرب منح هذا الإقليم حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية. بينما تدعو جبهة البوليساريو، التي تُمثل شعب الإقليم الى تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو الخيار الذي تدعمه الجزائر بقوة، بينما ترفضه المغرب وتعتبره غير واقعي، وعلى الرغم من تزايد الدعم الدولي للمبادرة المغربية، فإن النزاع لا يزال مفتوحا على كل السيناريوهات، في انتظار تسوية سياسية وفق قرارات مجلس الأمن الدولي، وتحت رعاية الأمم المتحدة، لكن هل الجزائر مستعدة لخطة الستين يوما التي عرضها ويتكوف؟ دائما ما تقول الجزائر، إنه ليس لها علاقة مباشرة بقضية الصحراء، لكنها تقدم الدعم للشعب الصحراوي، من منطلق أن الكثيرين هربوا بعد الاجتياح المغربي في عام 1975، حين تم جلاء المستعمر الإسباني عن الصحراء، ولجأوا إلى الجزائر، وهي تدعم حقهم في العودة إلى أرضهم. والجزائر بهذا القول تسعى لفك المسار ما بين قضية الصحراء وعلاقاتها الثنائية مع المغرب، وتقدم دليلا على ذلك بالقول، إن العلاقات بينها وبين الرباط كانت سارية المفعول، على الرغم من وجود ملف الصحراء، ما يعني أن هناك أسبابا أخرى. وعلى الرغم من الدعوات المغربية المتكررة لاستئناف العلاقات مع الجزائر، لكن هذه الأخيرة تقول، إن الرباط لم تقدم أشياء عملية من أجل معالجة المشاكل التي أدت إلى قطع العلاقات وإغلاق الحدود، حتى إن بيان وزير الخارجية الجزائري، بصدد قطع علاقات بلاده مع الرباط، التي قال عنها إنها خطوة ليست سعيدة.
أما المغرب فيقول، إنه لا يرى أن علاقاته مع الجزائر ليست محكومة بملف الصحراء، بل يؤكد على أنه الملف الأساسي الذي يُعكّر صفو علاقاتهما. ويقدّم دليلا على ذلك بالقول، إن الجزائر تسعى دائما الى التصعيد، حين أقدمت على غلق الحدود في عام 1994، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية في آب/ أغسطس عام 2021، وإغلاق مجالها الجوي في وجه المغرب، بالتالي فإن عدم الاعتراف بأن ملف الصحراء هو شوكة العلاقات بين البلدين غير واقعي، لسبب وحيد هو أن الجزائر هي الطرف الوحيد الذي يدعم جبهة البوليساريو، ماديا وعسكريا ودبلوماسيا في كل المحافل الدولية، على حد ادعاءات الرباط. بينما ترد الجزائر على ذلك بالقول، إن جبهة البوليساريو هي عضو مؤسس في الاتحاد الافريقي، وليست هي الوحيدة التي تعترف بها، بل هناك العديد من الدول في أمريكا اللاتينية وآسيا وأوروبا يعترفون بها بأشكال مختلفة.
يقينا أن موضوع الصحراء الغربية هو أحد الملفات الشائكة في العلاقات الجزائرية المغربية، لكن ما يُسمّى (الاتفاقات الإبراهيمية) التي انضم إليها المغرب كانت عنصر اضطراب آخر، فجّر هذه العلاقات بشكل أكبر، ولعله السبب الأكثر تأثيرا على صانع القرار الجزائري بقطع العلاقات مع الرباط ، غير أن على البلدين أن يُدركا أنهما مُهمان وأساسيان لاستقرار المنطقة، اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، وإيجاد حل للمشاكل القائمة بينهما سوف يعود بنتائج إيجابية عليهما، وعلى عموم الرقعة الجغرافية التي يتشاركان بها مع الدول الأخرى. إن انحياز الولايات المتحدة إلى الفكرة التي طرحها المغرب، بشأن الحكم الذاتي لإقليم الصحراء عوضا عن الاستقلال، ليست جائزة من دون مقابل، بل إن الماضي والحاضر قد لعبا دورا في ذلك، فالمغرب أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة الأمريكية، وباتت من أقدم حلفائها، أما حاضرا فإنها حققت إرادة ترامب من خلال انضمامها إلى ما يُسمّى (الاتفاقات الإبراهيمية)، خاصة أنه هو وصهره كوشنر من كبار مؤيدي إسرائيل، بينما خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حربا مع الجزائر في عام 1785، وعليه فالتاريخ له قول فصل في العلاقات بين هذه الدول.
إن ما ورد على لسان ويتكوف بالقول إن (فريقنا يعمل الآن على ملف الجزائر والمغرب، وسيكون هناك اتفاق سلام بينهما في رأيي خلال ستين يوما)، قد شكّل مفاجأة كبرى للكثيرين باستثناء الأشخاص الذين هم حاشية دونالد ترامب، لأنهم يعلمون جيدا أن الرئيس يسعى للفوز بجائزة نوبل للسلام. وعليه من الواضح أن الرئيس الأمريكي ترامب، يعطي أولوية لهذا المسألة، كما يخصص موارد هذه الإدارة الأمريكية لإنهاء الحروب حول العالم. لكن القول إن الملف سيتم إنجازه خلال ستين يوما هو مفاجأة كبرى بحد ذاتها، فهذه ليست مهمة سهلة إطلاقا، والكلام بهذه الصيغة لا يستند إلى أي أساس موضوعي وواضح، خاصة ونحن نتحدث عن صراع مستمر لنحو ستين عاما، لكن يبدو أنه يدخل في منظومة ترامب لتسوية النزاعات في العالم. طبعا هذا يمكن وصفه بأنه إفراط كبير بالتفاؤل، ما يُذكرنا بالستين يوما التي تم تخصيصها لإصلاح العلاقات الأمريكية الإيرانية، لكننا رأينا في النهاية أن الولايات المتحدة، شنت ضربات عسكرية على إيران في حرب الاثني عشر يوما مع إسرائيل، كما أن الذاكرة الطرية تسعفنا بما قاله ترامب في حملته الانتخابية، من أنه سوف يوقف الحرب الروسية الأوكرانية خلال أربع وعشرين ساعة، لكنها ما زالت قائمة إلى اليوم.
يبدو أن عقلية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقتفي آثار السلام الروماني، الذي عرفته البشرية في ظل الإمبراطورية الرومانية، ولأن أمريكا تتربع اليوم على عرش الأحادية القطبية، فيرى ترامب، أن من حقه أن يفرض السلام في العالم بشروطه، حتى لو بالقوة.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية