يوسي فيرتر
عشية يوم الغفران وقبل بضع ساعات من وجبة السحور، تبين لإسرائيل ولكل العالم أن الاعتذار المهين أمام رئيس حكومة قطر، الذي فرض على نتنياهو في الغرفة البيضاوية، كان المقبلات، أو القطعة الأولى من النقانق الطويلة والثقيلة.
بدأ هذا مساء الإثنين، في ذروة اللقاء بين نتنياهو وترامب. نشر البيت الأبيض إعلاناً مفصلاً فيما يتعلق بالاعتذار. ولم يتم إخفاء أي تفصيل. بعد ساعة، نشر صورة ظهر فيها ترامب وهو يتحدث مع رئيس حكومة قطر محمد آل ثاني وإلى جانبه شخص آخر، وهو رئيس حكومة قوي من اليمين، وجهه متكدر وعيونه تشخص جانباً وكأنه يسأل من أين سيأتي من يساعدني.
في اليوم التالي، وكأن كأس السم لم تستنفد، أصدرت حاشية الرئيس صورة أخرى ظهر فيها نتنياهو وهو يتحدث مع آل ثاني، ويقرأ اعتذاره من ورقة. إلى جانبه ترامب والهاتف على ركبته ونظرته متجهمة، مثل الأب الذي اكتشف للتو أن ابنه حطم نافذة الجار، وهو يأمره: “اعتذر الآن!”.
بهذا، لم يكتف ترامب ورجاله. قبل مساء العيد، نشر براك ربيد من واشنطن بأنه وفي منتهى السبت، حيث قدر البيت الأبيض أن رئيس الحكومة ينوي رفض خطة الرئيس، اتصل ترامب بنتنياهو وهدده: “إما ان تقبل ذلك أو ترفضه. وإذا رفضته فسنتخلى عنك” (هذه الجملة تبدو أفضل باللغة الإنكليزية).
وقد نشر أيضاً أن ترامب تلقى بتفهم عدة تحفظات من نتنياهو في أمور أمنية، لكنه رفض طلبات للاهتمام بوضع الائتلاف لرئيس الحكومة (في المقابل، أكد له، وحتى أوضح ذلك بصوته في المؤتمر الصحافي، بأنه إذا رفضت حماس الاقتراح فإن مع نتنياهو الضوء الأخضر ليفعل كل ما يشاء في غزة).
من اعتقد أو أمل بأن القضية انتهت هنا خاب أمله كثيراً عندما عرف عن الأمر الرئاسي الاستثنائي للإدارة الأمريكية، الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة بأنها ترى في “أي هجوم مسلح على أراضي أو سيادة أو البنى التحتية لقطر… تهديداً لسلامة الولايات المتحدة وأمنها”. وفي حالة هجوم ضد قطر، فإن الولايات المتحدة ستعمل بـ “كل الوسائل القانونية المناسبة – الدبلوماسية، الاقتصادية، وإذا كانت حاجة العسكرية أيضاً، للدفاع عن مصالح قطر”. حتى الآن، توجد دولتان هاجمتا قطر: إيران ضد قاعدة عسكرية أمريكية رداً على قصف المنشآت النووية في حرب الـ 12، وإسرائيل ضد قادة حماس. الإدارة الأمريكية ربطت إيران وإسرائيل برزمة واحدة وغلفتها بغلاف ملون وقدمته كهدية لأمير قطر.
الاتفاق غير المسبوق الذي مشكوك فيه أن يكون متاحاً في إدارة بايدن، أو أوباما، أو بوش أو كلينتون، هو ضربة كبيرة لإسرائيل، وحكومتها، وبالأساس رئيس حكومتها المهمل وعديم المسؤولية، الذي أمر بالهجوم خلافاً لرأي رجال الأمن ذوي العلاقة (باستثناء ش. القائم بأعمال رئيس “الشاباك”، والذي ربما أمل الحصول على التعيين الدائم).
إن قراءة الوثيقة ليست أقل من مذهلة. وزير الخارجية الأمريكي، كما كتب، يؤكد من جديد على وعد أمريكا، وحتى إنه سينسق ذلك مع حلفاء وشركاء آخرين، “لضمان خطوات دعم مكملة”، أي أن الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج وتركيا بالطبع، ستبلور جبهة ضد أي دولة تريد مهاجمة أي شخص كان، مهما كان حقيراً، على أراضي قطر. هذه كارثة سياسية وأمنية، والمسؤول عن ذلك هو من تفاخر على الفور بعد الهجوم وقال: “اتخذت القرار”.
سنرى ما الذي ستفعله المعارضة مع هذه الفرصة التي سنحت لها. يمكننا تخيل حجم الضجة الكبيرة التي ستحدث في إسرائيل لو حدث شيء مشابه في عهد حكومة بينيت – لبيد؛ لكان البيبيون قد أحرقوا منازلهم احتجاجاً عليهم، ولكانت مظاهرة نظمت في ساحة صهيون، ولكانت الكنيست انعقدت، ولنشر نتنياهو فيديو تلو فيديو. هكذا انتهت على الأقل في الوقت الحالية قصة الهجوم الفاشل على المنزل في الدوحة، الذي وصفته أبواق نتنياهو بأنه “الفشل الأكثر نجاحاً” (أو ما شابه ذلك من هراء). لقد أهين رئيس الوزراء، ثم أهين مرة أخرى، وحصلت قطر على التزام أمريكي، أي حمايتها من إسرائيل، وأصبح بإمكان قادة حماس الباقين التحرك بحرية، بل وتوثيق تحركاتهم مباشرة، بدون خوف على سلامتهم. الليكود وحده هو القادر على ذلك.
مسألة زخم
العناق القوي الذي أعطته واشنطن لقطر يجب أن يضاف إليه واحد آخر، حصل عليه الرئيس التركي. ترامب لم يوفر أي مشهد لمحبة وتقدير وتمجيد اردوغان، بما في ذلك فيديو مفعم بالعاطفة نشره بعد لقائهما.
إسرائيل منعزلة في العالم، ومقاطعة ومنبوذة بسبب الاشمئزاز منها. كلمة “إبادة” تسمع مقرونة بها تقريباً في كل قناة إعلام غربية. هذا من صنع أيدي زعمائها الأشرار. ولكن وصول محور الدوحة – أنقرة إلى مستوى نفوذ كهذا في الشرق الأوسط، فهذا مسجل على اسمهم. لقد أشعلوا الحريق وحاولوا إطفاءه بالنفط. الدولتان اللتان تدعمان الإخوان المسلمين وتعملان ضد إسرائيل، هما أفضل أصدقاء واشنطن الجديدة، التي اعتقد نتنياهو أن بإمكانه التلاعب بها بسهولة 24/7، أليس هذا أمراً ساحراً؟
لفضله، نقول إن الوصول إلى اللقاء في البيت الأبيض، الإثنين، كان في الوضع الأفضل الذي كان يمكن أن يتاح في هذه الظروف. كان من الواضح أن وثيقة النقاط، التي ألقاها الرئيس بعيون نصف مغمضة أمام الكاميرات بدون أن يفهم بنودها، تم علاجها بصورة مكثفة في الأيام التي سبقت اللقاء من قبل رون ديرمر، ثم قبل مبعوثو الرئيس معظم الطلبات.
والآن، أشار ترامب إلى الطريق – يجب إنهاء هذه الحرب. وإن ذكر اسم توني بلير في هذه المناسبة يشير إلى جدية التطورات. تم إعداد بلير ليكون رئيس مجلس المدراء الدوليين لإعادة إعمار غزة، أو باختصار، رئيس مجلس غزة. بلير مشارك في الاتصالات التي جرت من خلف الكواليس من بداية الطريق. جاءت مشاركته نتيجة العلاقات، التي بعضها دبلوماسي وبعضها تجاري، وحفظت له مكان نفوذ في الساحة الدولية، كما جعلته شخصاً ثرياً جدًا. لقد تنازل عن كرامته وأعطى ترامب هذا الموقع – الذي سيكون أكثر رمزية من كونه تنفيذياً – في الوقت الذي سيبقى فيه هو المشغل الحقيقي لهذا الجسم بالتنسيق مع جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. بالمناسبة، خلال الحرب، شوهد بلير أحياناً وهو يأتي إلى وزارة الدفاع في الكرياه. هل تعرفونه؟ سألت غالانت ذات مرة، عندما صادفت رئيس حكومة بريطانيا السابق على مدخل المكتب. “نحن أصدقاء منذ عشرين سنة”، أجاب. “عندما يريد سماع الحقيقة يأتي إلي وليس إلى أي شخص آخر”.
حتى لو كان نتنياهو هو الذي عرض على ترامب فعل هذه الخطوة، فإن ما تم التلميح إليه في أقوال الرئيس يتضمن أهمية لهذه الخطوة من ناحية الأخير. هي تعكس تطلع ترامب إلى الحصول على الاعتراف الوحيد الذي قد يصل إليه – جائزة نوبل للسلام، التي ستحدد هوية الفائز بها في القريب.
حتى في هذا الوضع ومع خطة مليئة بالثقوب وغير جدية، يمكن الافتراض أننا في النقطة الزمنية الأفضل التي كنا فيها في السنتين الأخيرتين. منذ 7 أكتوبر، أطال رئيس الحكومة الحرب ووسعها مرة تلو الأخرى، دائماً لأسباب سياسية. هذه هي المرة الأولى التي يقف فيها ويتحدث عن وقف الحرب كهدف قريب. الشعور الذي تولد منذ الإثنين، أنه يمكن أخيرا رؤية أفق لإنهاء هذا الكابوس. الأهم أن نتنياهو فعل ذلك تحت أنظار متفحصة لسيده، الذي شرب صبره حتى القطرة الأخيرة والذي مارس عليه كل التلاعبات المحتملة. دخل ترامب إلى سنة انتخابات منتصف الولاية. الديمقراطيون متفوقون في الاستطلاع القطري، وفرصهم كبيرة لاحتلال مجلس النواب – وتدمير النصف الثاني من ولاية ترامب الأخيرة، وكل العمليات التي يخطط لها. الرئيس الجمهوري بحاجة إلى إنجازات. والآن، إلى جانب القدرة على جلب حماس إلى نقطة قريبة من وثيقة ترامب، فهذا ملقى على من هم تحت رعايته، تركيا وقطر، حينئذ لا يبقي إلا ساحتنا السياسية الداخلية. قاعدة نتنياهو منقسمة بين الإشادة بـ “الاستراتيجي العظيم” وبين الاستياء العميق. لقد أعرب سموتريتش عن استيائه، ولكنه لم يقرر الاستقالة بعد. ولكن بن غفير، الذي يمارس الشعوذة دائماً، حرص على إطلاع نتنياهو من بعيد عن رأيه به، عندما لم يستجب إلى دعوته-تأجيل مناقشة عقوبة الإعدام للإرهابيين (المنصوص عليها في قانون إسرائيل أصلاً). رئيس الحكومة أهين في البيت الأبيض واحتقر في مبنى الكنيست.
في القريب، ستعطي حماس ردها على الخطة. التقارير متناقضة، بين “تفحص بعناية”، و”تميل إلى الرد بالإيجاب مع طلب تعديلات”، و”تتشاور مع الفصائل الفلسطينية”، و”قررت الرد سلباً” وإلخ.
من الواضح أي رد صلى نتنياهو من أجل أن يكون في يوم الغفران.
هآرتس 3/10/2025