هشام المشيشي لـ”القدس العربي”: نعمل على تجميع الطيف السياسي والحقوقي لإغلاق “قوس الانقلاب” في تونس

حجم الخط
0

لندن -“القدس العربي”: كشف هشام المشيشي رئيس الحكومة التونسية السابق عن مبادرة جديدة تهدف لتجميع الطيف السياسي والحقوقي المعارض للرئيس قيس سعيد.

وشهدت العاصمة الفرنسية أخيرا اجتماعا كبيرا جمع المشيشي مع وزراء ونواب سابقين فضلا عن شخصيات حقوقية معارضة، حيث تم إطلاق مبادرة لتشكيل “جبهة سياسية وحقوقية لمقاومة حكم سعيّد”.

وقال المشيشي، في حوار خاص لـ”القدس العربي”: “الجبهة الّتي قمنا بتكوينها ليست هيكلا بالمعنى التّنظيمي للكلمة، بل هي إطار عمل شبكي يشارك فيه مجموعة من الشّخصيات السّياسية والحقوقية من مشارب مختلفة يجمعها إيمانها بالدّيمقراطية وبحرّية العمل السّياسي والمدني، ويجمعها خاصّة حبّها لتونس وغيرتها على مكتسباتها وإيمانها بضرورة الدّفاع عنها بكافة الوسائل السياسية السلمية لإنقاذها من المنظومة الفاشية الّتي أرساها قيس سعيّد منذ انقلابه على الدّستور ومؤسّسات الدّولة واستيلائه على كافة السّلطات، والتّنكيل بكافة العائلات السياسية والمدنية والاجتماعية الّتي زجّ برموزها في غياهب السّجون أو دفع بها إلى المنافي القسرية”.

“نسعى لإنقاذ تونس من المنظومة الفاشية الّتي أرساها سعيّد منذ انقلابه على مؤسّسات الدّولة وتنكيله بالعائلات السياسية والمدنية”

وأكد أن الفكرة انطلقت من “الإيمان بضرورة العمل على مستوى الجبهتين الحقوقية والسّياسية لضمان الدّفاع عن حقوق كافة المساجين السّياسيين في تونس، والمطالبة بالإفراج عنهم وإبطال كافة القضايا الملفّقة الّتي حشرهم فيها “القضاء الوظيفة” لقيس سعيّد من جهة، ومن جهة أخرى لخلق ديناميكية تجمع مختلف التّعبيرات السّياسية حول فكرة مقاومة منظومة سعيّد الفاشية، وإعادة تونس إلى مسار البناء الدّْيمقراطي والمؤسّساتي الذّي يضمن الحرّيات للمواطنين ويُخضع السّلطة الشّرعية لمبدأ المسؤولية”.

وحول إمكانية نجاح الجبهة الجديدة لتوحيد المعارضة التونسية، أوضح المشيشي بقوله “نحن لا نطرح فكرة توحيد المعارضة، لأنّ المعارضة هي مفهوم لا يستقيم مع الوضع التّونسي الحالي. المعارضة هي ممارسة سياسية تستوجب مناخا ديمقراطيا. وهي طرح تصوّر سياسي وبرامج كبديل لطرح السّلطة الشّرعية، والعمل على إقناع النّاخبين بهذا البديل حتّى يصوّتوا لها ويعطوها الثّقة في الموعد الانتخابي المقبل، تحت رقابة مؤسّسات مستقلّة”.

وأضاف: “هذا الوضع غائب تماما في تونس. فسلطة قيس سعيّد هي سلطة انقلابية غير شرعية، بما أنّه قام بالانقلاب على دستور البلاد ونظّم انتخابات صورية وزجّ بمنافسيه في السّجن، وجرّد هيئة الانتخابات من كلّ استقلالية، ودفع بكلّ الأصوات المعارضة إلى السّجن أو إلى المنفى في ظلّ فشل اقتصادي واجتماعي تبيّنه كلّ المؤشّرات التنموية المتدنّية. وهذا الوضع لا يستوجب معارضة بل يستوجب مقاومة”.

وأشار إلى أن “الأطراف المجتمعة في المبادرة الّتي نشتغل عليها لا تطرح جبهة معارضة أو جبهة انتخابية للتقدّم إلى مواعيد انتخابية قادمة، نحن متأكّدون أنّ قيس سعيّد سيقوم بتزويرها، بل هي تطرح التقاء كافة العائلات السياسية والتّعبيرات الفكرية الدّيمقراطية حول فكرة غلق قوس الانقلاب برحيل سعيّد ومنظومته، وإعادة البناء المؤسّساتي. إثر ذلك يمكن الحديث عن برامج موحّدة بين أطراف سياسية متقاربة أو برامج سياسية خصوصية للعائلات السياسية المعنية بطرح أنفسها لقيادة مرحلة إصلاح الدّمار الذّي تسبّب فيه سعيّد”.

“المعارضة هي ممارسة سياسية تستوجب مناخا ديمقراطيا غير متوفر بتونس في ظل انفراد سعيد بجميع السلطات”

وتابع المشيشي: “المطروح إذن هو الاجتماع والتّوافق حول الحدّ الأدنى الدّيمقراطي. علما أنّ هذه المبادرة لا تطرح نفسها بديلا عن المبادرات السياسية الأخرى الّتي تعمل في نفس اتّجاه غلق قوس الانقلاب (أو منافس لها)، بل تأتي لدعم تلك المبادرات وتوسيع دائرة تأثيرها”.

وحول إمكانية نجاح المبادرة الجديدة بعد فشل مبادرات مشابهة، قال المشيشي إن “فشل المحاولات السابقة لتوحيد آليات العمل ضدّ الانقلاب، أو التوقّع لأيّ خطوة نقوم بها بالنّجاح أو بالفشل، لن يمنعنا أو يثنينا عن القيام بما نؤمن أنّه واجبنا تجاه بلدنا في هذه المرحلة، سواء في إطار مبادرات جماعية أو فردية. فانتشار الظّلم والفساد وتحطيم ركائز الدّولة لا يمكن السّكوت عنه”.

وأضاف: “وفي النّهاية، فإنّ غلق قوس الانقلاب واستعادة المسار الدّيمقراطي وإعادة الإصلاح لن يكون نتيجة لمبادرة بعينها أو لمجهودات شخصية منفردة، بل سيكون نتيجة لمجموع مجهودات كلّ الأطراف الّتي انخرطت في مقاومة منظومة قيس سعيّد، منظومة الظّلم والفشل والجنون”.

واستدرك بقوله: “الخطأ الذّي يمكن أن يُفشِل هذا المسار هو البحث عن “القائد” أو عمّن هو صاحب المبادرة! يجب أن نكون كلّنا جنودا في هذه المعركة”.

ورغم أنّ المشيشي أقر بأن الخلافات السياسية والأيديولوجية لا تزال قائمة بين أطياف المعارضة التونسية، لكنه اعتبر أن هذا “أمر طبيعي في أيّ مجتمع حيّ، لكنّ الأخطر من ذلك هو أنّ الظّلم والتنكيل الذّي يقترفه قيس سعيّد لا يزال أيضا قائما. وقد شمل جميع العائلات السياسية الّتي لا أظنّ أنّها لم تستخلص الدّرس بعد. فالحقيقة، ورغم الخلافات، هناك عمل مشترك خاصة في المجال الحقوقي، لكن تبقى بعض الحساسيات على مستوى القراءات والتّقييمات السياسية. لذلك نحن ندفع إلى عدم إثارة النّقاط الخلافية في هذه المرحلة والتّركيز على المشتركات، وهي عديدة في الحقيقة لولا السّتار الأيديولوجي الذّي لا يزال يخفي جزءا كبيرا منها”.

“نسعى للدفاع عن السجناء السياسيين وبناء مسار ديمقراطي ومؤسّساتي جديد في تونس”

وأوضح بقوله: “نحن لا نطرح إلغاء الاختلافات السياسية والإيديولوجية، فتلك خاصية الأنظمة الشّمولية والفاشية الّتي ألهمت قيس سعيّد. ما نطرحه في هذه المرحلة هو استرجاع الآليات السياسية والمدنية لإدارة الاختلافات بعيدا عن السّجون والمنافي والظّلم”.

وعلق المشيشي على حديث بعض الأطراف السياسية عن مسؤولية حركة النّهضة في ما آلت إليه الأوضاع بقوله: “أعتقد أنّ تحديد المسؤوليات هي مسألة مهمّة ودقيقة جدّا حتّى نفهم كيف حلّ ببلادنا ما حلّ بها من انهيار، ونستطيع الذّهاب إلى الأمام. لكنّ الأهمّ من ذلك هو متى وفي أيّ ظروف تطرح مسألة المسؤولية السّياسية؟ وخاصّة من يطرحها والغاية من طرحها؟”.

وأضاف: “الأكيد أنّ النّهضة تتحمّل جزءا من المسؤولية بما أنّها كانت الحزب الأغلبي الذّي قاد، بدرجات متفاوتة، مرحلة ما بعد 2011. ولكنّ ماذا نقول عن بعض العائلات السياسية الأخرى وقياداتها الّتي دعت -صراحة- قيس سعيّد إلى الانقلاب؟ ماذا نقول عمن بارك يوم 25 تموز/ جويلية 2021 هدم مؤسّسات الدّولة وإغلاقها بآليات عسكرية، وواصل بعد ذلك تزيينه لكلّ جرائم الانقلاب، بل طرح نفسه كحاضنة سياسية وتنظيمية لمشروع قيس سعيّد؟ ماذا نقول عمن يواصل إلى اليوم تصفيقه لمنظومة الجنون والحديث عن مسار ثوري وإصلاحي؟ ماذا عن إعلام فتح منابره لدعاية رخيصة لنظام خرّب البلاد، وسخّر كلّ وسائله لتشويه المعارضين”.

وتساءل بقوله: “هل يمكن لكلّ هذه الأطراف وغيرها أن تتحدّث اليوم عن مسؤوليات فيما تعيشه البلاد من دمار؟”.

وأجاب بالقول: “أعتقد أنّ تحديد المسؤوليات عن أخطاء الفترة الماضية يجب أن يُطرح في إطار هادئ وبنّاء يبحث حقيقة عن التعلّم من الأخطاء وتجاوزها لبناء مرحلة جديدة، لا أن تكون الغاية منه هي التّنكيل بخصم سياسي وحشره في الزّاوية”.

كما اعتبر المشيشي أن “طرح المسؤولية عن الإخفاقات السّابقة في هذه الفترة بالذّات هو تبييض لجرائم مرحلة قيس سعيّد وتعويم لمسؤوليته. فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال المساواة بين الضّحية والجلاد. المسؤولية الآن واضحة: من افتكّ كلّ السّلطات باستعمال الآليات العسكرية وزجّ بكلّ النّاشطين السياسيين في السّجون؟ ومن سخّر القضاء للتنكيل بخصومه وجرّف الحياة السياسية في تونس وقضى على كافة مكوّنات المجتمع المدني وزجّ بأغلب ناشطيه في السّجون؟ الجواب واضح”.

“الأطراف المجتمعة في المبادرة لا ترغب بتشكيل جبهة معارضة للمشاركة بمواعيد انتخابية تم تزوير نتائجها مسبقا”

وأضاف: “الأولوية إذن في هذه المرحلة هي غلق قوس الانقلاب واستعادة البناء الدّيمقراطي. بعد ذلك يمكن البحث في مسؤوليات كلّ الأطراف في ما آلت إليه الأوضاع بعقل بارد وبروح إيجابية تنظر إلى الأمام”.

 وحول إمكانية تشكيل المبادرة الجديدة ل”جبهة إنقاذ” أو “حكومة في المهجر” على غرار تجارب مشابهة في العالم، أوضح المشيشي: “كما أشرت سابقا، نحن لا نعمل في إطار جبهة بالمعنى التّنظيمي والهيكلي للكلمة، بل في إطار مبادرة تضمّ مجموعة من الشّخصيات السياسية والحقوقية الّتي تلتقي حول فكرة مقاومة الانقلاب في تونس وإعادة بناء المسار الدّيمقراطي والمؤسّساتي على أسس جديدة. فضلا عن الدّفاع عن المساجين السّياسيين في تونس ومناصرة قضاياهم. كما نعمل على تنسيق الجهد الحقوقي دولياً، وتوحيد الخطاب السياسي، وتنظيم مبادرات مشتركة للتعريف بقضية المعتقلين”.

وهتم بقوله: “أعتقد أنّه -في ظلّ الوضع الحالي- لن تكون هناك فرص للنّجاح لأيّ مبادرة أو جبهة تعمل بمعزل عن بقية المبادرات، أو تعتمد على تصنيف القائمين عليها بحسب انتماءاتهم السياسية أو تجاربهم السّابقة أو مجال تحرّكاتهم. المحدّد في النّجاح الآن هو وحدة الصّف الديمقراطي حول فكرة مقاومة الانقلاب بنيّة صادقة. وما مبادرتنا إلاّ دعم للجهد الوطني المشترك من أجل استعادة تونس الحرّة والدولة الديمقراطية”.

 

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية