هروب النساء إلى مصر القديمة

أثار افتتاح المتحف المصري الكبير يوم السبت الماضي الأول من نوفمبر/تشرين الثاني جدلا كبيرا، جانب منه حقيقي وهو أن فكرة المتحف كانت من أعمال وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، وكان مقررا افتتاحه عام 2011 لكن ما حدث بعد ثورة يناير/كانون الثاني وما بعدها من أحداث وانشغال، أخر الافتتاح. هذا حقيقي لا يمكن انكاره. كانت الدهشة من غياب اسم فاروق حسني في التجهيز للافتتاح، لكنه ظهر في الافتتاح بحديث جميل. الحديث عن أعمال فاروق حسني في الثقافة كبير، وتحدثت عنه هنا من قبل أكثر من مرة.
على الناحية الأخرى، أثارت انتباهي على صفحات السوشيال ميديا، مشاهد الكثير من النساء والفتيات، يضعن صورهن التي أنجزها الذكاء الاصطناعي، وقد صرن يرتدين الملابس المصرية القديمة. دعوني أقول الفرعونية، رغم أني أعرف أن كلمة المصرية القديمة علميا هي الأقدم والأصح، فكلمة فرعون جاءت في ما بعد مع الأديان السماوية في حكاية موسى وفرعون. لقد صار للكلمة جانبها السيئ، تعبيرا عن الطغيان، واستخدامي لها ليس إقرارا بها، لكنها الأسهل في الحديث والأكثر شيوعا. مشاهد السيدات والفتيات كانت مدهشة في الملابس الفرعونية والتيجان على رؤوسهن والجواهر في أعناقهن، وبدت كأنها اكتشاف جديد لهن. فعل ذلك بعدهن الرجال، لكن العاصفة جاءت من النساء والفتيات. يمكن تفسيرها بأكثر من حديث، أسهله جذب الانتباه، والأهم هو الفخر بالانتماء لحضارتنا القديمة، فخر لا علاقة له بالمعركة الزائفة حول من نحن؟ مصريون أم عرب، فهن لا يرسلن رسالة مضادة للعروبة، كما ظن البعض، فمصر كما قال جمال حمدان «أمبوبة ماصة» استوعبت كل الحضارات التي عبرت بها. تقريبا لم تغب فتاة أو امرأة، كاتبة أو فنانة أو صحافية أو غيرهن، إلا وظهرت في صورة المرأة أو الملكة الفرعونية. كذلك بفعلهن هذا لا يقدرن استبداد الفرعون كما حاول البعض أن يفسر ويحذر.

يمكن أيضا التفسير بأن المرأة تريد أن تتصدر المشهد، أرادت أن تذكرنا بأن هذا العالم الذي سيطر عليه الرجال افتقد كثيرا من جماله. كأنما يقلن ها نحن نعيد إليكم شيئا من الجمال الضائع. الحقيقة أن كثيرا مما هو معروف ويكاد يكون ثابتا عن المرأة في العالم، جاء من أساطير صنعها وألفها الرجل. أكثره عن الشرور وأقله عن الخير، لكن الذي ساد هو الحديث عن الشرور، ورغم أن الحديث عن الخير أيضا أساطير من صنع الرجال، إلا أن الرجال عاشوا في ظل شيزوفرينيا. يحبون النساء ويقاتلون من أجلهن، وفي الوقت نفسه فالمرأة أصل الشرور!
أعجبني هذا الحضور الكبير للفتيات والنساء في الأزياء الفرعونية، كأنهن الملكات اللاتي غيبناهن عنا. وجدت فيه دليلا على أن المرأة هي أصل الحياة والخير فيها، أو تأكيدا على ذلك حتى لو غاب عن الكثيرات، اللاتي ربما كان وراء صورهن الجديدة إظهار جمالهن في كل زي يرتدينه. أعرف أن هذه الظاهرة الجميلة ستنتهي بعد افتتاح المتحف بأيام، وستنشغل النساء بالحياة المليئة بالمتاعب حولهن، وحول الرجال، لكن يظل للأمر جماله بعيدا عن أي تفسير. أعادني الأمر إلى التراث المصري القديم. الأناشيد والترنيمات عن المرأة، وهو ما افتقدناه كثيرا في الزمن المعاصر. عرفناه عند شعراء ومغنين لكن غاب مثلا عن التعليم. افتقدناه في أزمنة كثيرة خاصة مع ظهور امبراطوريات مثل الدولة العثمانية، ودول إسلامية قبلها، وكيف ظهر مصطلح الحريم. ليس في حرمة المرأة، أو رؤيتها فقط، لكن في التجارة بهن والبيع والشراء لا يختلف أمرهن عن أمر العبيد. ناضلت النساء قرونا ليخرجن من هذه الحالة ونجحن، كما ناضل الرجال لإنهاء العبودية، لكن ما جري من أفكار وهابية وغيرها، أعاد المفهوم القديم للمرأة كجارية ليس لها أي حقوق. ينتهي هذا في دول كانت مصدرا لهذا الفكر مثل المملكة السعودية، لكنه لا يزال في بلاد عربية كثيرة، وقد رأينا مثلا ماذا فعل تنظيم «داعش» بالنساء في سوريا والعراق وبيعهن في الأسواق.

من هنا أتصور ما خلف صور النساء والفتيات في الزي الفرعوني كأنه نداء يقول»أنا الملكة يا وله». و»يا وله» هي كلمة نعيمة عاكف الجميلة التي أعشق أداءها، في فيلم «تمر حنة» حين كانت تتحدث لأي شخص. ويأخذني هذا كما قلت إلى مصر القديمة أطل فيها على بعض الترانيم الفرعونية عن المرأة والحب. تلك التي حفظتها لنا البرديات، فضلا عن التماثيل والصور في المعابد على الأسقف والجدران. كانت الربة «حتحور» ومعبدها في «دندرة» جنوب مصر، تمثل الحب وراعية المحبين، فهي سيدة الحب. وكانت زهرة اللوتس، التي يقدمها المحب لمحبوبته رمزا للحب المقدس. وكانت شجرة الجميز رمزاً للعشاق. تحتها يقفون ويتعاشقون. كانت قصص الحب بين الآلهة مثل إيزيس وأوزوريس، والملوك مثل أحمس ونفرتاري، وإخناتون ونفرتيتي، وكلها قصص منحوتة ومرسومة على جدران الآثار، فضلا عن الحكايات في أوراق البردي. كذلك قصص حب بين الناس العاديين. الكثير جدا في ترانيم الحب تجده في كتب عديدة مثل موسوعة سليم حسن، أو ما كتبه عالم الآثار حسين عبد البصير الذي ساهم في الأعمال الأولى للمتحف الكبير، أو كتّابا من الأجانب مثل كلير لالوليت وكتابها «الأدب المصري القديم» الذي ترجمه ماهر جويجاتي:
من قصة حب إيزيس وأوزوريس تقرأ:
« تعالَ إلى بيتك،
أنت يا من لا أعداء له
أيها الشاب الجميل الطلعة
تعالى بيتك لكي تراني
لا تفترق عنى أبداً
أنا لا أراك ولكن قلبي يتطلع للقياك
وعيوني تبحث عنك
تعال يا من توقف قلبه عن الخفقان
إنني أناديك ويرج صراخي أجواء السماء
ولكنك لا تسمع صوتي
أنت لم تحب امرأة أخرى سوايْ»
ترانيم أخرى كثيرة عن الحب منها:
«ثغر حبيبتي برعم زهرة لوتس
نهدها ثمرة طماطم
جبينها حلقة من خشب السنط
وأنا أوزّة برية
أتطلع بنظراتي إلى شعرها المسترسل
كأني طُعم في شرك وقعت فيه».
أو ما يقوله آخر عن حبيبته:
«أنظر!
إنها كالنجم المشرق في مطلع سنة سعيدة
إنها متألقة وكاملة
بشرتها نضرة
نظرات عينيها فاتنة
تسحر بكلمات شفتيها
عنقها طويل، ونهدها متفجر
وشعرها من اللازورد الأصلي
ساعدها أروع من الذهب
أناملها أزهار لوتس
لها ساقان هما الأجمل بين كل ما هو جميل فيها
نبيلة المظهر عندما تمشي على الأرض»
أو كما تقول الحبيبة:
«أنا صديقتك الأولى
أنظر! أنا كالبستان الذي زرعته زهورا
بكل أنواع العشب العطر الرقيق
جميل هو المكان الذي أتنزه فيه
عندما تكون يدك في يدي
جسدي في غاية الراحة
وقلبي مبتهج لأننا نمشي معا
أنا أحيا بسماع صوتك
وإذا نظرت إليك
فكل نظرة بالنسبة لي
أطيب من المأكل والمشرب»
أو كما تقول غيرها:
« لقد أثار حبيبي قلبي بصوته
وتركني فريسة لقلقي وتلهفي
إنه يسكن قريبا من بيت أمي
ومع ذلك لا أعرف كيف أذهب إليه
ربما تستطيع أمي أن تتصرف في هذا الأمر
فيا حبيبي فلتعمل ربة النساء الذهبية – تقصد الإلهة حتحور-
على أن تجعلني من نصيبك»
أو:
« أنت يا أكثر الرجال وسامة
إن رغبتي هي في السهر على ممتلكاتك كربة بيت
وأن تستريح ذراعك فوق ذراعي
وأن يغمرك حبي
إنني أسرّ إلى قلبي برغبة العاشقة
هل يمكنني أن أحصل عليه كزوج الليلة
فمن دونه أنا كائن في مقبرة»
أو:
« إلهي. أخي – والأخ هو الحبيب والأخت هي الحبيبة-
إنه لجميل أن أذهب إلى البركة
لأستحم على مرأى منك
حتى ترى جمالي في ثوبي الهفهاف
المصنوع من أجمل كتان مَلكيّ حين يكون مبللا»
غير ذلك كثير يطول الحديث فيه، أيقظه في روحي غرام النساء والفتيات بالملبس والمشهد الفرعوني، تأكيدا حتى لو لم يقصدن، أنها المرأة مصدر الجمال وباعثة الأمل، مهما مرّ عليهن عبر العصور من طغيان.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية