لندن- “القدس العربي”:
استعرضت صحيفة نيويورك تايمز في مقال لعبدي لطيف داهر وريهام مرشد، توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانونًا يُنهي عقوبات “قيصر” على سوريا، في خطوة تاريخية تفتح المجال أمام التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد. ورغم التفاؤل الحذر وبدء عودة النشاط إلى الأسواق وجذب اهتمام استثماري، يؤكد أن طريق التعافي لا يزال طويلًا ومشروطًا بتحقيق الاستقرار، وحماية الأقليات، ومكافحة الإرهاب.
ووقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت متأخر من مساء الخميس، قانونًا يُلغي الدفعة الأخيرة من العقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة على سوريا، في تحوّل سياسي لافت يفتح الباب أمام آمال بانتعاش البلاد بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، الذي أنهى حكمًا عائليًا استبداديًا استمر لنحو خمسة عقود.
ويمثّل إلغاء هذا الإجراء، المعروف باسم قانون قيصر، تتويجًا لمسار بدأته واشنطن برفع عقوبات أمريكية أخرى خلال الأشهر الماضية، في خطوة تهدف إلى دعم الحكومة السورية الجديدة في مساعيها لجذب الاستثمارات الأجنبية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وإنعاش اقتصاد أنهكته الحرب والعزلة الدولية وشبكات الفساد والمحسوبية.
ومع ذلك، فإن طريق التعافي لا يزال طويلًا ومحفوفًا بالتحديات، إذ تواجه سوريا تضخمًا مرتفعًا، وبطالة واسعة، ودمارًا هائلًا في البنية التحتية، وهي أزمات تفاقمت بفعل أكثر من عقد من الصراع المسلح والعقوبات.
تعود العقوبات الأمريكية على سوريا إلى سبعينيات القرن الماضي، حين صنّفتها واشنطن دولة راعية للإرهاب. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011 وتصاعد القمع الوحشي الذي مارسه نظام الأسد، فُرضت سلسلة متلاحقة من الإجراءات العقابية التي شملت قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري.
وكان قانون قيصر لعام 2019 من أشد هذه الإجراءات وطأة. وسُمّي القانون نسبةً إلى مصوّر عسكري سرّب آلاف الصور التي توثّق التعذيب والقتل في السجون السورية. وقد وقّع ترامب القانون في ولايته الأولى، فارضًا قيودًا مالية وتجارية صارمة استهدفت النظام وحلفاءه، في محاولة لمحاسبته على انتهاكاته المنهجية لحقوق الإنسان.
يمثّل إلغاء عقوبات قيصر انتصارًا سياسيًا بارزًا للرئيس السوري أحمد الشرع، القائد السابق المرتبط بتنظيم القاعدة والذي أعلن انفصاله عنه قبل سنوات، وقادت قواته إلى إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
وخلال الأشهر الأخيرة، قدّمت إدارة ترامب دعمًا متزايدًا لحكومة الشرع. ففي يونيو/ حزيران، وقّع الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا رفع بموجبه معظم العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، قبل أن يستقبل الشرع بالبيت الأبيض في نوفمبر/ تشرين الثاني.
غير أن إلغاء قانون قيصر كان يتطلب خطوة تشريعية إضافية من الكونغرس. وقد أقرّ مجلس الشيوخ هذا الإجراء يوم الأربعاء ضمن مشروع قانون أوسع للإنفاق الدفاعي، ممهّدًا الطريق أمام توقيع الرئيس.
وقال عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، في مقابلة: رفع العقوبات كان على رأس أولويات مهمتنا لإنعاش الاقتصاد السوري.
وأضاف أنه عندما تولّى منصبه في أبريل/ نيسان، نصحه كثير من المراقبين والمسؤولين بالتحلّي بالصبر، محذّرين من أن رفع العقوبات قد يستغرق سنوات. لكنه عقد سلسلة اجتماعات مكثفة مع مسؤولين في إدارة ترامب ومؤسسات مالية دولية في واشنطن.
وقال: ما حدث لا يقل عن معجزة.
طوال عقود، أحكمت عائلة الأسد سيطرتها على الاقتصاد السوري، موجّهة موارده لخدمة مصالحها الضيقة على حساب معاناة السكان. ومع تصاعد الحرب، لجأ النظام إلى إجراءات قاسية للضغط على المواطنين، من بينها رفع رسوم جوازات السفر، وفرض قيود صارمة على استخدام العملات الأجنبية في المعاملات التجارية.
كما اعتمد النظام بشكل متزايد على تجارة مخدر الكبتاغون غير المشروعة، التي تحولت إلى شريان مالي رئيسي في ظل تشديد العقوبات واستمرار النزاع.
بعد سنوات من الدمار، بدأت مظاهر النشاط الاقتصادي تعود تدريجيًا إلى المدن السورية. ففي حلب، يملأ صوت المطارق والمثاقب الأحياء الصناعية حيث يعيد العمّال بناء متاجر دمّرتها الغارات الجوية. وفي حمص، تختلط نداءات الباعة بأصوات الزبائن في شوارع كانت مهجورة. أما في دمشق وضواحيها، فتستعيد الأسواق التاريخية حيويتها، مع عودة تجارة التوابل والمنسوجات والمنتجات المحلية.
ورغم هذا التفاؤل الحذر، يدرك السوريون أن إصلاح اقتصاد مدمَّر منذ عقود لن يكون سريعًا.
وقال محمد زهير مغربي (70 عامًا) وهو تاجر في سوق الهال للخضار والفواكه في دمشق: هذه مؤشرات خير لما هو قادم، لكننا بحاجة إلى الصبر. الحكومة تحتاج إلى وقت.
ورغم إلغاء قانون قيصر، أبقى الكونغرس الأمريكي على مجموعة شروط يتعيّن على الحكومة السورية الالتزام بها. وتشمل هذه الشروط:
وكان ترامب قد حمّل تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية مقتل ثلاثة أمريكيين في وسط سوريا هذا الشهر.
وقالت السيناتورة جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، والتي زارت سوريا في أغسطس/ آب: لدينا الآن فرصة تمتد لنصف قرن لدفع البلاد إلى الأمام.
وأضافت: “يجب أن يرى السوريون تحسنًا حقيقيًا في حياتهم في ظل الحكومة الجديدة”.
ويقول مسؤولون سوريون وأمريكيون إن رفع العقوبات بدأ بالفعل يجذب اهتمام المستثمرين. فقد أبدت شركات إنشاءات وصناديق استثمار ومؤسسات مالية من قطر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة اهتمامًا بالدخول إلى السوق السورية، بحسب مسؤول سوري واثنين من المسؤولين الأمريكيين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. كما أبدت الكويت وسلطنة عمان اهتمامًا مماثلًا.
غير أن خبراء يتوقعون أن يتريّث المستثمرون قبل ضخ أموال كبيرة، في انتظار اتضاح كيفية تعامل الحكومة مع العنف الطائفي، والتهديدات المسلحة، وعدم اليقين السياسي.
رغم هذه التحفظات، يواصل بعض رجال الأعمال التحرك بسرعة. من بينهم مازن دروان، الشريك المؤسس لشركة تصنيع غذائي تنتج لحومًا وخضروات معلبة.
ففي مصنع شركته “أمانة فودز” في مدينة الكسوة على أطراف دمشق، شهد دروان تحسنًا مطردًا خلال العام الماضي، إذ أعاد جزءًا من عملياته من تركيا والأردن، وضاعف عدد موظفيه، وزاد الإنتاج.
وبات يوزّع منتجاته في مختلف أنحاء البلاد، ويتمكن من استيراد قطع الغيار بحرية، بل ويدرس التصدير إلى الولايات المتحدة.
وقال دروان، الذي شغل لفترة وجيزة منصب مستشار أول لوزير الاقتصاد في حكومة الشرع: لا نملك ترف الوقت. علينا أن نتحرك، وأن نبني بسرعة، وأن نحسّن حياة شعبنا.