نوبل للآداب تكرّم المجري كراسناهوركاي… كاتب «الجمال المؤلم»

أعلنت الأكاديمية السويدية عن فوز الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للآداب لعام 2025، تقديرا لمجمل أعماله «الملهمة والرؤيوية» التي تجسد قدرة الفن على المقاومة والصمود في مواجهة اضطراب العالم ومعاناته الوجودية. وبذلك يصبح كراسناهوركاي ثاني كاتب مجري ينال هذه الجائزة بعد الروائي الراحل إيمري كيرتيس عام 2002، مما يعيد تسليط الضوء على الأدب المجري كأحد أهم روافد الأدب الأوروبي المعاصر.

من عتمة الشيوعية إلى نور العالمية

وُلد كراسناهوركاي في 5 يناير 1954 بمدينة غيولا جنوب شرق المجر، ونشأ في ظل النظام الشيوعي الذي صاغ مبكرًا رؤيته الأدبية، فانعكست في أعماله مشاعر الكآبة، والتهكم، والبحث الفلسفي عن معنى الوجود وسط عالم يتداعى.
نال شهرته الأولى عام 1985 مع صدور روايته الشهيرة «ساتانتانغو» (تانغو الشيطان)، التي تناولت الحياة في قرية مجرية متداعية خلال الحقبة الشيوعية، في اثني عشر فصلًا يشكل كلٌّ منها فقرة سردية واحدة. ووصفت الأكاديمية السويدية الرواية بأنها «ظاهرة أدبية غير مسبوقة»، فيما شبّهها النقاد بـ«تدفق حمم بركانية سردية بطيئة». وقد اقتبسها المخرج المجري بيلا تار إلى فيلم أبيض وأسود مدته سبع ساعات، يُعد من روائع السينما المستقلة في القرن العشرين.
بعد نجاحه، غادر كراسناهوركاي إلى برلين الغربية، حيث بدأ رحلة فكرية طويلة قادته إلى أوروبا وشرق آسيا. وقد أثمرت تجاربه تلك أعمالًا مثل «سجين أورغا» (1992) و«الدمار والحزن تحت السماوات» (2004) ، اللتين تستكشفان سقوط الحضارات وعبث الإنسان في مواجهة اللاجدوى.

أسلوب فريد وسرد متدفّق

يُوصف كراسناهوركاي بأنه «كاتب ذو أسلوب آسر» و«فيلسوف الحكاية الحديثة». وتتميّز لغته بجُمل طويلة تمتد أحيانًا لصفحات كاملة، وبسرد يتأرجح بين الشعر والفلسفة. ويقول عن نفسه: «عملي هو الواقع عندما يُفحَص إلى حدّ الجنون».
وقد وصفه مترجمه إلى الإنجليزية، الشاعر جورج سيرتش، بأنه كاتب “يجذبك حتى يصبح العالم الذي يستحضره رؤيتك الخاصة للنظام والفوضى”. أما لجنة نوبل فعدّته “كاتبًا ملحميًا في تقاليد أوروبا الوسطى الممتدة من كافكا إلى توماس برنارد، يتّسم بالسخرية السوداء والمبالغة الغروتيسكية”.
ومن أبرز أعماله «كآبة المقاومة» (1989) التي اقتبسها بيلا تار في فيلمه الشهير Werckmeister Harmonies، و**«حرب وحرب» (1999)** التي وصفها الناقد جيمس وود في مجلة نيويوركر بأنها “واحدة من أكثر التجارب الأدبية إقلاقًا وإلهامًا”، إلى جانب رواية «سيوبو هناك في الأسفل» (2008) و«هيرشت 07769» (2021) ، التي تناولت الفوضى الاجتماعية في ألمانيا قبيل جائحة كورونا.
يقول كراسناهوركاي عن قرّائه إنهم “أولئك الذين يبحثون عن شيء آخر غير الترفيه… ويفضّلون الجمال المؤلم”. ويضيف: «ربما أكتب روايات لقراء يحتاجون إلى «جمال الجحيم».
وترى الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ فيه “معلّمًا مجريًا معاصرًا في أجواء نهاية العالم”، فيما قورن بأسماء كبرى مثل دوستويفسكي وبيكيت وغوغول وميلفيل.
حاز كراسناهوركاي عدة جوائز مرموقة، أبرزها جائزة مان بوكر الدولية عام 2015 عن مجمل أعماله، وجائزة الكتاب الوطني الأميركي للترجمة عام 2019. وفي تعليقه على فوزه بنوبل، قال للإذاعة السويدية: «أنا سعيد للغاية، أشعر بالهدوء والتوتر في الوقت نفسه.

إرث الأدب والسينما

امتد تأثير كراسناهوركاي إلى السينما والفكر، إذ حوّل بيلا تار عددًا من رواياته إلى أعمال بصرية فلسفية تركت بصمة في تاريخ الفن السابع. ويرى النقاد أن العلاقة بين الاثنين تمثل نموذجًا نادرًا في التفاعل بين الأدب والصورة.
وبفوزه بجائزة نوبل، يرسّخ كراسناهوركاي مكانته كأحد أعمدة الأدب الأوروبي المعاصر، وكاتبٍ حوّل الفوضى إلى معنى، واليأس إلى جمال خالد لا يزول.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية