في رواية الهندية كيران ديساي «ميراث الخسارة» – الحاصلة على جائزة البوكر لعام 2006- تتجاور عوالم سردية متعددة تطال الذاتي والجمعي، كما التاريخي إلى السياسي، غير أنّ رؤية واحدة تسكن هذه العوالم، ونعني ميراث الخسارة كما يوحي العنوان، بيد أنّ السؤال الأكبر يظلّ قائماً: لماذا؟ وكيف؟
المركز والهامش
تتخذ الرواية من المكان البيني، أو الإقليم الذي يقع شمال شرق الهند مسرحاً لأحداثها؛ بداعي وجود التعدد الثقافي والعرقي، واللغوي، وما يكمن فيه من قيم التنازع، فعلى الرغم من هامشية المكان، ورغبة الجميع في تجاوزه، بيد أنه يبقى مركزاً للذوات التي تنساق إليه، رغماً عن إرادتها، أو بفعل عوامل خارجية وداخلية، وبكل ما قد يحمله ذلك من ألم وخيبة، ولاسيما حين ينفتح هذا المكان على حواضر، مثل نيويورك، وكامبريدج، وموسكو، وغيرها، من منطلق أن خلف هذه الأمكنة تتشابك حكايات شخصيات الرواية، التي يتحدد مركزها بشخصية القاضي الذي يقيم في ممتلكاته، التي آلت إليه بفعل الاستلاب الذي مارسته عائلته على ممتلكات الفقراء والمهمّشين، كما يتعزّز موقعه بوصفه قاضياً تخرّج في جامعة كامبريدج في حدث استثنائي لتلك المنطقة.
وإلى جانب القاضي، ثمة شخصيات أخرى منها خادمه أو طباخه، الذي يتعلّق بحلم أن ينال ابنه «بيجو» البطاقة الخضراء في الولايات المتحدة الأمريكية، وحفيدة القاضي «ساي» التي فقدت والديها في حادث في موسكو، وحبيبها الطالب النيبالي «جاي»، وهناك الأختان «لولا ونوني» اللتان تعيشان على ذاكرة متصلة بالحقبة الكولونيالية، فضلاً عن الأب السويسري «توبي»، الذي يعدّ الهند وطناً له، ورغم هذا التباين بين الشخصيات، غير أنّ ما يجمعها جميعاً هو «ميراث الخسارة».
يمكن قراءة الرواية ضمن مركزية التعالق الناتج عن الأثر الكولونيالي، الذي جعل من شبه القارة الهندية أرضاً لا تعرف الاستقرار. فثمة تداخلات حدودية أجّجت الصراعات بين أطراف متعددة، وجعلت واقع الإنسان في هذا الجزء من العالم محكوماً بالعنف والدموية، مع شيء من الأحلام بالتخلّص من ذلك الواقع. ويمكن تأمل التوتر مع المركز الحواضري؛ بدءاً من وعي شخصية القاضي، الذي يستشعر دونيته حين يرتحل إلى إنكلترا لدراسة القانون، وهناك يدرك أنّ بشرته ولسانه لا يؤهلانه للاندماج في ذلك العالم، فيحمل معه إرث الإقصاء. ينتمي القاضي لعائلة تمثل نموذجاً للنخبة التي أثرت عائلته على حساب الفقراء والمهمّشين، ولكنه حين يعود إلى وطنه يصطدم بإرثه المشوّه، فينعزل، ويقصي نفسه طوعاً، فيغدو عالمه محصوراً في كلبه وطباخه وممارساته اليومية.. حتى يتضاءل وعيه بالحياة نتيجة هوية ملتبسة، أو مشوهة في عالم بيني، فقد فيه الرجل معنى وجوده بين توق للتماهي مع الغرب، واحتقار لذاته الأصلانية.
ويمكن التدليل على ذلك من خلال مشهد عودة القاضي من إنجلترا والاستقبال الحافل الذي لقيه، إذ يمكن قراءته بوصفه تمثيلاً لذلك الانتقاص من الوعي بالذات، إذ انعكس هذا الشعور على علاقته بزوجته «نيمي»، التي لم يرَ فيها سوى امرأة تنتمي إلى عرق أدنى، بعد أن كان محبّاً لها قبل سفره، غير أن انتماءها لواقعها الماضوي جردها من إنسانيتها، وبذلك نلمح الأثر الاستعماري على المرأة، بفعل العوامل الاستعمارية، وما تحمله من آثار عنف مورست من قبل الرجل، والثقافة في آن واحد. لقد شكّلت رحلة القاضي إلى إنكلترا وعيه الجديد، فاستعار قناعاً يطمس أصوله، وعاطفته، وما حادثة سرقة زوجته لعلبة المساحيق التجميلية، إلاّ كناية عن خرق ذلك القناع الذي تماهى به الرجل مع صورة الأبيض الإنكليزي عبر التجميل، وارتداء الشعر المستعار، في حين يغدو تعلّقه بكلبته دلالة على فعل استبدال المحيط؛ ولهذا يعاقَب بسرقة الكلبة على يد زوجة الرجل الذي اتُّهم ظلماً بسرقة بعض البنادق من منزل القاضي، لتمسي هذ الحادثة تجسيداً لخسارة ميراثه الذاتي والعاطفي في آنٍ واحد.
وضمن فاعلية التوتر مع النموذج الغربي وتداعياته على الذات، تستغرق الرواية في تصوير عوالم الحالمين بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كما في شخصية ابن الطباخ الذي يختزل عالماً شديد القتامة، يعكس أوضاع المهاجرين الآسيويين في أمريكا، وما يواجهونه من احتقار واستغلال، وصعوبة في عالم قاس، يجاوره حنينٌ دائم إلى الوطن، وتيهٌ لغوي وثقافي لا يقلّ مرارة. في المقابل، يرى الطباخ في ابنه المهاجر امتداداً لحلمه، وفرصة لنفي النموذج الدوني والفقر، حيث يحلم بأن يلتحق به يوماً ما، غير أنّ هذا الحلم يتبدّد، حين يضيق الابن ذرعاً بأمريكا، فيقرر العودة، على الرغم من تحذيرات محيطه بأنّ «جحيم الغرب خير من جنّة الوطن»، ولكنه لا يستجيب لتلك الأصوات، فيعود إلى بلاده في زمن الاضطرابات السياسية والاقتتال الداخلي، ليُجرد من ماله، وهداياه، بل ومن ثيابه حين يسرقه الجنود، ويعرّونه إلا من ملابسه الداخلية ليصل في النهاية إلى والده الذي يُفاجأ بابن مهدور الكرامة، مفرّغ من كلّ ما امتلكه. تغدو هذه التعرية الكنائية تتويجاً لميراث الخسارة، فقد انتهى الأمر بالابن إلى إدراك مؤلم، يتمثل بأنّ الوطن لا يقل سوءاً عن الغرب، على الرغم من جمال الوطن الطبيعي، وبساطته. لقد فشل الابن في التكيّف مع العالم الغربي، بعكس صديقه الزنجباري «سعيد سعيد» (الواقعي أو الانتهازي) الذي استطاع «عوج لسانه» والتحدّث بالإنكليزية، كما الزواج بأمريكية للحصول على البطاقة الخضراء، لكن هذا النموذج يظلّ استثناء في مواجهة ملايين طحنتهم الرأسمالية، وقيم الاحتقار الموجّهة للاجئين الآسيويين.
وفي النهاية، تتجلّى ازدواجية الخسارة في مصير الطباخ، وابنه معاً، إذ يتلاشى حلمهما المشترك، ويُضاف إلى ذلك فشل الطباخ في الحفاظ على كلب القاضي الذي اختُطف، لينتهي واقعه بمشهد اعتذار من القاضي يطلب فيه معاقبته بالضرب. ولعل المشهد يحمل اختزالاً بين عالمين متباينين في أرض مشبعة بالتراتبية؛ فالقاضي الذي يشعر بدونيته أمام الأبيض يمارس استعلاءه الطبقي على الطباخ، في حين يقبل الأخير هذه الهيمنة، بوصفها قدراً ثقافياً متجذراً في وعي جمعي تشكل عبر قرون من الخضوع والاستلاب. أما الحفيدة «ساي»، فهي نموذج آخر لميراث الخسارة، إذ تنتهي يتيمة يعتني بها جد منعزل عن واقعه، وحين تتلمّس الحب مع جاي، الطالب أو المدرّس الخصوصي، تقف التنازعات العرقية والسياسية والطبقية عائقاً بينهما، خاصة حين ينخرط جاي بعد فترة من تعرّفه إلى ساي، في دوامة من الوعي القومي الذي يفقده اتزانه، فينضم إلى المجموعات الثائرة المطالبة بانفصال الجزء النيبالي من أرض الهند. بذلك يتفعّل أحد أوجه الصراع السياسي، غير أنّ الأهم أثر ذلك المتمثل بالاصطدام بين العشيقين، حيث يؤطر كل منهما الآخر بتمثلات طبقية، فهي تراه شاباً فقيراً، ينتمي إلى عرق أدنى، ولاسيما حين تذهب لتواجهه في منزله المتهالك، لتدرك حينها، أنّ ثمة فجوة كبيرة بينهما، وبذلك يمتلك كل منهما مبرّرات خسارته.
لا ينتهي ميراث الخسارة عند حدود هذه الذوات، فثمّة الأختان اللتان تحملان إرثاً لطبقة نخبوية من مخلفات الحقبة الاستعمارية، إذ تملكان مزارع وأراضي واسعة، غير أنّ تحولات الواقع جردتهما شيئاً فشيئاً من امتيازاتهما بعد اشتعال الاضطرابات، فقد صودرت أجزاء كبيرة من أراضيهما لصالح الجنود، وأماكن سكنهم وثكناتهم. وبناء على ذلك تتجرد الأختان من حقهما الموروث عن الحقبة الاستعمارية، فتغرقان في حنين متصل بزمن كان فيه التمايز بين الطبقات أكثر وضوحاً، ولاسيما لدى من تبنّى النماذج الكولونيالية في الشكل لا في الجوهر.
تمتلك كلا الأختين شعوراً بالذاتية والفردية، وبعض الوعي الفلسفي المتصل بالأنا، كما يظهر في محاولتهما توعية الحفيدة «ساي» بذاتها الأنثوية، وبضرورة رؤية العالم من منظور آخر، انطلاقاً من ميراثهما لذلك العالم الذي انتهى إلى التبدد، نتيجة النزاعات التي أشعلها الوعي القومي في وطنهما. أمّا شخصية الأب توبي، الذي ينحدر من أصل أوروبي، ويقيم في الهند منذ عقود، فقد خسر ممتلكاته التي بيعت بثمن بخس نتيجة الاستغلال، إذ كان يعتقد أنّه مقيمٌ في هذه الأرض إلى الأبد، غير أنّ الاضطرابات دفعت الجهات الرسمية إلى تجريده من إقامته التي نسي تجديدها، فتجرّد من ممتلكاته، بما في ذلك الإحساس الكامن في داخله، والمتمثل في شعوره بأنه مواطن ينتمي إلى هذه الأرض، وبهذا يكون إرثه الخاص قد تجرد هو الآخر على الرغم من حيادية وجوده.
الرؤية والتجسيد
نخلص في الرواية إلى جملة من التقاطعات التي تتجلّى من خلال قراءة الوعي الاستعماري، وأثره في تشكيل تلك الحيوات، بالتجاور مع تمثيلات ذاتية تتصل بالأعراق الأخرى، والذات على مستوى التمايز الديني، ولون البشرة، بما في ذلك رائحة للجسد، وغير ذلك. وهذا لا يمكن فهمه بمعزل عن التقاطعات التاريخية والثقافية التي صاغت هذه المنطقة، ومن ذلك الاستعمار الذي لم يغادر المنطقة فعلياً، إذ تمكن – فقط – من تغيير شكله، فتحول إلى بنية ذهنية شكلت وعي السكان عبر الاستفادة من التباينات العرقية والثقافية والسياسية التي كونت هذه الأرض، فعلى الرغم من أنّ الرواية قد تعمد إلى تجسيد الجوانب الكولونيالية في البنية الثقافية، بيد أنها في الوقت نفسه لا تُبرئ الأنا من مسؤولية مآلات الأمور. لقد اتسمت الرواية بالعمق الفكري المصحوب بمتعة التلقي، وقد نتج ذلك بداعي فاعلية السرد التي تمكنت من تصوير الوعي المتصدّع للذات الثقافية، وأن تعيد إنتاجه فنياً، حيث جاءت الرواية ضمن فصول تتعمّد التقاط تجارب كلّ شخصية على حدة عبر التناوب، أو قد تلجأ ـ في بعض الأحيان إلى التتابع، غير أنّ بين هذه الشخصيات تقاطعات واضحة تُعيد وصل ما انقطع في نسيج الحكاية، ففي جزء كبير من البنية السردية نتصل بتقنية بثّ الحكايات عبر أسلوب الراوي العليم الكلي الذي لا يبدو متورّطاً في التفسيرات أو التعليقات مباشرة، ومع ذلك فقد كان قادراً على سدّ فجوات ما كمُن في تأطير الشخصيات من خلال استدعاء ماضيها، ووعيها عبر تقنية الاسترجاع، وقد أسهم هذا في صوغ التشكيل الوجداني والفكري للشخصيات، فضلاً عن تحقيق الاتساق البنائي، والأسلوبي.
لقد تمكنت ديساي من اختزال رؤية مكّنت القارئ من استجلاء مواقع الوعي في بنية جغرافية مثقلة بالعنف الثقافي؛ بداعي توفر خلفيات تاريخية وسياسية شديدة التعقيد، والتداخل، ومع ذلك فقد استطاعت أن تقدم ذلك بقدر معقول من الوضوح، بما يتيح للقارئ غير الملمّ بتفاصيل الجغرافيا الهندية، وتاريخها الجيوسياسي أن ينخرط في أجوائها بسهولة. وهكذا ننتهي إلى رواية اتّسمت بقدرتها على الجمع بين البنى الجمالية والأطر الفكرية بهدف تقديم رؤية ديساي التي تنهض على التأمل والوعي الكولونيالي المعكوس، مع الإشارة إلى أن الترجمة الموفقة التي اضطلع بها أحمد هريدي قد ساعدت في تمكين القارئ العربي من الرواية، ورسالتها.
كاتب أردني فلسطيني