«أرزة» فيلم يخترق عالم الطوائف اللبنانية سنده الكوميديا والدرّاجة النارية
بيروت ـ «القدس العربي»: انتصار «أرزة» وإبنها «كنان» على طوائف لبنان واستعادتها لحقها المسلوب بيديها، نتيجة أفرحت مشاهدي الفيلم اللبناني الذي يحمل اسمها.
«أرزة» الفيلم الروائي الأول الذي وقعته المخرجة الشابة ميرا شعيب. عمل سينمائي قارب علّة العلل في وطننا لبنان، بأسلوب ميزته المرونة والفكاهة بدون تجريح. تناول الطائفية في فيلم «أرزة» وصلت بطرافة فائقة، الأمر الذي يُحسب لكاتبي السيناريو لؤي خريش وفيصل شعيب.
حصد فيلم «أرزة» جائزة أفضل سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي، وبطلته حصدت جائزة أفضل تمثيل. وكان للمخرجة ميرا شعيب اختياراتها المميزة للممثلين، من بطلة الفيلم الممثلة دياموند بوعبود، إلى الشاب اليافع بلال الحموي الذي أدى دور ابنها «كنان». وفيهما وجدت شعيب جسدياً ونفسياً قدرة تعبير قوية، حتى وإن لم ينطقا، إلى الممثلين الآخرين في الأدوار المساندة، والتي بدت وكأنها كُتبت لهم.
ولوج كاتبيّ السيناريو إلى الحالة الطائفية من خلال لقمة العيش وعرق الجبين، شكّل خلاصهما من شر هذه الطائفة أو تلك. ففي لقمة العيش يتساوى فقراء الطوائف جميعهم، بوجه استبداد الطوائف الظاهر والمستور. أم وحيدة وكادحة لتأمين أبسط متطلبات الحياة، لها ولإبنها، تصدّت للنصابين من كل الطوائف. تصدت بلطف وظرافة وقلب كبير، وانتصرت فدّب الفرح في أوصال المشاهدين.
هنا حوار مع المخرجة ميرا شعيب:
○ كيف وصلك فيلم «أرزة» وانت في كندا؟
• للفيلم حكاية بدأت سنة 2015 ومن حينها توليت إخراجه. كان فيلماً قصيراً تعود فكرته لأخي فيصل شعيب، ومن ثمّ انضمّ إلى الفريق لؤي خريش. فيصل ولؤي كانا خارج لبنان. شاركنا نحن الثلاثة في الكثير من الإقامات الفنية، وفي ورش عمل خاصة بتطوير السيناريو. وفي سنة 2017 تقرر تحويله إلى فيلم طويل. وسافرت إلى كندا في سنة 2021. وفي نيسان/ابريل 2022 نجحنا بالحصول على إنتاج لبدء التصوير، وفي خلال أسبوعين عدت إلى بيروت لمباشرة العمل. السنوات الطويلة التي استغرقها التحضير للفيلم وضعتنا في جهوزية تامة، دوران الكاميرا كان بانتظار التمويل.
○ ما هي إيجابيات مشاركة المخرجة في ولادة سيناريو ستتولى إدارته؟
• كذلك شاركت لؤي وفيصل ببعض الأفكار. نعم عاشت معي كافة الشخصيات والأحداث التي مرّت في الفيلم، وتوالدت بعض الأفكار. ثماني سنوات والشخصيات تكبر إلى جانبي، وخلال هذه السنوات استجدت أحداث ودخلت السيناريو، منها فكرة المظاهرات، وأزمة البنزين، والدولار. إذاً التبدل السريع للواقع اللبناني وخاصة على الصعيد الاقتصادي فرض نفسه، وعزز الأفكار، وطوّر بعضها.
○ وُصف الفيلم اختصاراً بأنه «نضال أم عزباء لتدبير حياتها مع ابنها» وبمشاهدته نرى الوطن المُشظّى بطوائفه والظالم لأبنائه أليس كذلك؟
• صحيح. «أرزة» تُمثّل لبنان، وغالبية النساء اللبنانيات المناضلات من أجل العيش. إنها شخصية ملهمة، فهي الأم الوحيدة المناضلة لتأمين عيشها مع وحيدها في مجتمع ذكوري، حيث لا حقوق مُطلقاً للنساء، وكونها لا تستظلُّ بالأحزاب أو الطوائف، فسبيلها الوحيد للحياة تعبها وجهدها. إنها صورة مصغّرة عن مجتمع يكدح ليل نهار وبالكاد يستطيع تأمين العيش الكريم. وبالتالي تمثّل الدرّاجة النارية التي اقتنتها «أرزة» الهوية التي يبحث عنها كثير من الناس.
○ برأيك كيف توصّل الكاتبان لؤي خريش وفيصل شعيب إلى هذه الكوميديا السوداء لطوائف الوطن ومذاهبه بدون خدش المشاعر؟
• بهدف أيصال الفكرة من دون تجريح بأحدهم كان الاتفاق على المساواة بين جميع الطوائف. شعرنا بضرورة أن يتضمن النص بعض المزاح، فهذا ما يُقرّبه أكثر من الناس. بالتأكيد لسنا بوارد محاكمة أحد، أو القول بأن هذا على خطأ، وذاك على صواب، فهذا ليس من مهماتنا، ولكل أفكاره ومبادئه، إنما من حقنا أن نقول لهم جميعهم بأنهم يتشابهون، وأن سلوكهم يؤذي الوطن. بسلاسة وبكثير من المرح أوصلنا فكرتنا، ونجونا من غضب الجميع. في عائلتي طائفيون، شاهدوا الفيلم وأثنوا عليه، ووجدوا فيه واقعاً وحقيقة. نعم فرحنا بردة فعل الجمهور، وهذا يؤكد صواب معالجة الطائفية في فيلم «أرزة». إذاً كانت الكوميديا سبيلاً ضرورياً لامتصاص درامية الواقع، هدفنا الأفلام التي تترك البسمة على ثغور المشاهدين.
○ إذا كانت تفاصيل الطائفية تعنينا ونفهمها بالإشارة فماذا عن المُتلقي غير اللبناني؟ فهل راقبت ردة فعل جمهور آخر؟
• صحيح. عبّر الجمهور عن جهله لما ورد في الفيلم من عرض للطوائف والطائفية في لبنان. في الواقع كان التركيز الأكبر على جمال بيروت، وهذا ما مسّني. كان الجمهور يطلب المذياع ليقول «لم نشاهد بيروت مرّة بهذه الصورة». قالوا شكراً على هذه الرحلة في أحياء بيروت، بعد أن عرفوا بيروت الحرب من خلال الإعلام. نعم كنت مُصممة على إظهار الوجه الجميل الذي أعرفه من بيروت التي نشأت فيها، وأعرف كافة شوارعها الكبيرة والصغيرة. لبيروت هويتها الخاصة وهذا ما ظهر في الفيلم، نعم ردة فعل الجمهور خارج لبنان كانت جميلة جداً.
○ ما هو دورك في اختيار الممثلين والممثلات خاصة وأنك رافقت تطور الشخصيات جميعها؟
• كذلك اختيار الممثلين جاء مع تطور الشخصيات ورسوها على شكلها النهائي. بيتي توتل التي أدّت دور الشقيقة تحادثت معها عن الدور منذ سنة 2018 ونلت موافقتها. أتى ذلك بعد لقاء صدفة جمعها مع لؤي خريش في مهرجان القاهرة السينمائي، وأبلغني أنه يجدها مناسبة للدور، وسارعت للتواصل معها، وبعد قراءتها للنص أعلنت موافقتها. شخصية «كنان» خضعت لكاستينغ. كنت في بحث عن شاب عمره أقل من 18 سنة. بعد اختبار لـ 100 شاب تقريباً، كان بلال الحموي هو المطلوب. ديامان بوعبود كما بيتي توتل كبرت وأنا أشاهد أعمالهما على الشاشة الصغيرة والشاشة الكبيرة، ولم تغب عن بالي في دور «أرزة». ولأن التأجيل كان حاكماً لنا، أجّلت عرض السيناريو عليها. كنا نخشى عدم موافقتها نظراً لمساحة الدور الكبيرة، وعندما وصلها الورق أبلغتنا مباشرة بموافقتها. الممثلون طارق تميم، وفؤاد يمين، وإيلي متري، وفادي أبي سمرا جميعهم كانت رغبتي كبيرة بالعمل معهم، وأقدر حضورهم وأحبهم، فهم حضروا في خيالنا لدى كتابة الشخصيات، وكنت أسمع كلٍ منهم وهو يردد هذه الجملة أو تلك.
○ بدا وكأنهم جميعهم أعطوا كل ما يستطيعون كممثلين إيماناً بالفيلم؟
• هذا صحيح. كما أن وجود ديامان بوعبود وبيتي توتل ساهم بترسيخ إيمانهم أكثر بما سيقوله الفيلم للجمهور. حظي طيب بأن ممثلتين عظيمتين كانتا بطلتين في فيلم طويل قدّمته للمرة الأولى. وكذلك كاتبان شابان يتصديان لسيناريو فيلم طويل للمرة الأولى، مع العلم أن لؤي خريش وفيصل شعيب يعيشان ويعملان في لوس انجلوس، وموافقة تلك الأسماء الكبيرة على العمل معنا دليل ثقة، حتى وإن رفضوا العمل معي لكنت تفهمت الأمر بدون إزعاج. صراحة كان إيماني كبير بأن السكربت الذي بين يدي قوي للغاية، وأنه سينال حب الجميع لهضامته وأسلوب معالجته للبيئة اللبنانية. الحوار الذي أجريته مع الممثلين انطلاقاً من رؤيتي الواضحة لأدوارهم، جعلهم مطمئنين رغم تجربتي البكر مع الفيلم الطويل. تأكدوا أنهم حيال شخص يعرف طريقه.
○ جالت فطيرة السبانخ على جميع الطوائف. هل قررت عن سابق تصور وتصميم أن تكون خبزاً وملحاً يتقاسمونه علّهم يتنازلون لصالح الوطن؟
• والدتي ووالدة لؤي خريش تصنعان الفطائر الأطيب في لبنان. فطائر السبانخ دائمة الحضور على مائدة الإفطار في رمضان في بيتنا، والجميع يشيد بصناعة أمي. اخترنا الفطائر لأنها تُذكرنا بأمهاتنا منذ الطفولة. وكذلك والدة دياموند بوعبود علّمتها صناعة الفطائر، وما تذوقته الطوائف في الفيلم كان «خلطة» قدّمتها حقيقة «أرزة». قررت دياموند إنجاز خلطة والدتها. فعلاً شعرنا أن الفطيرة جمعتنا كلنا في فيلم «أرزة». سرنا جميعاً إلى ما يجمع، وكان الأكل الذي يحبه اللبناني، كانت فطائر بدون حمص.
○ كمشاهدة شعرت لحظة فوز «أرزة» بدراجتها النارية وقيادتها بفرح أن الناس البسطاء ينتصرون على شرور الطائفية؟
○ صحيح. في الفيلم لم تكن «أرزة» تتقنن قيادة الدراجة النارية. وحين حصلت على المفتاح وقلّعِتْ بالـ»موتو» كان الانتصار. أخذت حقّها من السارق. إنه الصمود والمقاومة وإحقاق الحق بقوة السواعد.
○ هل وجد الفيلم إنتاجاً بسهولة؟
• لن أقول نعم، فنحن جدد، وكاتبا السيناريو يعيشان في الخارج. وبدوري سافرت ولم يكن استقراري دائما في لبنان. وربما لم يستوعب قرّاء السيناريو هدفنا من الفيلم، رغم وضوحه. لكن في النهاية وجدنا الثقة من مصر، وكذلك من مهرجان سينما البحر الأحمر في السعودية. رغم اهتمامنا بأن تكون هذه الثقة من لبنان، وأن يكون الإنتاج محلياً. الحمدلله قدمنا الفيلم وحقق نجاحاً، والخطوة التالية ستكون أكثر سهولة. فقد بدأ منتجون بالتعاون معنا للفيلم المقبل.
○ وماذا عن هذا الجديد؟
• فيلم يحكي قصة عن شقيقتين تتركان كندا وتعودان إلى لبنان، حيث ورثتا من والديهما منزلاً يتحوّل إلى فندق في جنوب لبنان. يقع المنزل في بلدة مختلطة من المسلمين والمسيحيين، وكل منهما تريد أن يكون الفندق لها. والقرار متروك للصبيتين. فيلم من نوع الكوميديا.
○ والسيناريو لمن؟
• لؤي خريش وفيصل شعيب وأنا.
○ لماذا لم يكن أسم بطلة الفيلم غير «أرزة»؟
• الأرزة رمز القوة، وهي شجرة عريقة في لبنان. إنها أيقونة وطننا. والحمد لله هي الرمز الذي لا نتنازع حوله، وتتوسط علمنا.
○ هل لنا بالسؤال عن تجاربك السابقة وكذلك تجارب الكاتبين خريش وشعيب؟
• فيصل حائز على ماستر من جامعة في الولايات المتحدة. يعيش في لوس أنجلوس، حيث عمل ويعمل مع استوديوهات كبيرة، منها نتفلكس. قدّم العديد من الوثائقيات، والمسلسلات، وأنتج مجموعة من الأفلام القصيرة، شارك بعضها في مهرجان ساندانس وغيره. مارس لؤي التعليم في نيويورك، ثم انتقل إلى لوس أنجلوس، وهو حالياً مدير لبرامج تمول الأفلام المستقلّة. بدوري درست في الجامعة اللبنانية الأمريكية، وكانت لي إقامة في «فيلم أكاديمي» في شتوتغارت حيث كتبت فيلماً قصيراً بعنوان «ليلك» هو الثاني لي بعد فيلم التخرّج. شارك «ليلك» في مهرجان برلين والكثير غيره، وشارك في تمثيله الأساتذة فائق حميصي، وعلية خالدي، وجوليا فرحات، وعايدا صبرا، ووفاء حلاوي. وفي لبنان أنجزت عدّة أفلام وثائقية لصالح الـ«أن جي أوز» عن المرأة، وحماية الأطفال. وفي سنة 2021 سافرت لإنجاز الماجستير في جامعة كونكورديا في كندا.