من الملك إلى السيسي: مصر كما ترويها عائلة واحدة

حجم الخط
0

الملحمة العائلية/ الرواية العائلية (Family Saga) لا تسرد حياة عائلة، أو عدة عائلات خلال مدة زمنية ممتدة فحسب، بل إنها تتجاوز السرد للوقائع والأحداث الخاصة لتصبح منظورا يقرأ تغيرات المجتمع تاريخيا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا، فيصبح نسيج العائلة التي يلاحقها المتلقي مرآة للمجتمع ككل، وهذه الرواية تتميز بقدرتها على رصد التطور الزمني للعلاقات الإنسانية، والتغيرات البنيوية داخل المجتمع، بحيث يمكن أن يحدد المتلقي كيف تتبدل القيم، والطبقات الاجتماعية والأدوار والسياسات عبر الأجيال.. ولكن لينجح كاتب هذه الرواية بأن يُخرجها إلى المتلقي بوصفها عملا فنيا سرديا جاذبا وعميقا ومقنعا، عليه من العبء والمسؤوليات الكثير، فما الذي قدمه محمد عبد الجواد في روايته «الواقعة الخاصة بأموات أهله» (منشورات تنمية 2025) وهي الرواية التي لاحقت حياة عائلة «الرز» في مصر خلال مئة عام تقريبا؟
هي قصة عائلة الرز بإطارها العام، ولكنها قصة «حسين الرز» على وجه الخصوص، الشخصية التي جعلت القارئ متعلقا بها منذ ثورتها الأولى، وحسين بعد لم يزل طفلا، ثم مراهقا، وعلاقاتها المتوترة مع أبيه رمضان وأخيه حسن، ومعهما تبدأ الرواية، بعدما أصبحت عجوزا تسعينية، إنها أخته أمينة الرز. حسين صاحب مطعم بطاطا الشبسي، وشريكته وزوجته درية عز الدين، اللذان يؤسسان مطعهما الخاص «درية والرز»، وفي المقابل حسن الذي يصبح قاضيا ومن رجالات مصر المعروفين، ومعه السيدة أمينة زوجة درويش عبد الغني المستشار وعضو مجلس الشعب لاحقا، ويظهر في ما بعد بشكل سريع راضي وحسن ابنا حسن الرز، ورمضان الذي يموت طفلا، أما ابنا أمينة الدكتوران لطفي وحلمي، فيظهران بشكل أوسع على صفحات الرواية، ولكن بأدوار بسيطة أيضا، أما الابنة در الشهوار، ومن بعدها ابنها سيف الدين ابن مصطفى نفعة، فيكون لها الحضور الأبرز ولابنها معها، عندما تصل الرواية إلى التسعينيات وبدايات الألفية، وإلى نهاية الرواية في عام 2022.
لقد قمت بتحديد أفراد العائلة الأساسيين لأقول، إن الأمر كان مرهقا في البداية، ولكن ما حفظته ودونته في ما بعد، ولأن السرد وأسلوبه كان منسابا وعذبا بشكل سلس وبلغة مبسطة على قوة تماسكها، يؤكد أن الجهد المبذول من قبل محمد عبد الجواد ليُكثر من خيوط عناصر روايته، ويبقيها متماسكة من شبكة علاقات صعبة عليه، وسهلة كما وصلت إلى متلقيه، يُحسَب للنص ولصاحبه، ويضيء على قدرة لدى الكاتب تجعله أكثر المؤهلين لكتابة مثل هذه الروايات.
وبالعودة إلى الرواية وما قالته، فقد بدأت مع أمينة الرز، العجوز وخادمتها رضا، تلك المرأة المثقفة القاسية، سيدة المجتمع والبرلمان في ما بعد، والتي لم تقبل، بقساوة غير معقولة، حياة أخيها حسين وخياراتها، خصوصا مع زيجاته، من درية في البداية، ومن ثم من لمبة بطاح، وتنتهي معها ومع انصياع تلك المرأة «الجبارة» لما يتطلبه الحال المستجد، فتقبل أن تطلب من حبوبة، التي كانت تصفها بالخادمة دوما، زوجة حسين، أرملته عام 2022، عندما احتاجت نقل رفات أفراد العائلة إلى مقبرة حسين، الذي لم تقبل أن يدفن معهم، الحال المتغير في البلاد التي تتغير ملامحها مع حاكمها الجديد، والتطور الذي انتهجه الحكم الجديد، والذي كانت أمينة معه وداعمة له، خصوصا عندما أصبحت عضوا في البرلمان، هو من أهم ما أرادت الرواية أن توصله إلى المتلقي، ليس لتطرح أفكارا أو مواقف، وهي واضحة لمن يقرأ بين السطور، بل لتطرح الأسئلة وتفتح الأبواب، على «الواقعة الخاصة» وما كان سيحصل لأموات أهل «سيف الدين» ابن در الشهوار، لو لم يكن حسين قد اشترى مدفنا خارج القاهرة وبعيدا عن عائلة الرز.
ملاحقة حياة حسين الرز الإنسان المجد، الثائر بطبعه وسجيته، المحب للجميع، والذي لاحق حلما مرة عندما سافر إلى إسطنبول، ولكنه أدرك الخديعة وعاد ليكمل من جديد، وهو الوفي إن نظرنا إلى شخصيته من منظور ابن تلك المراحل وثقافته ومرجعيته، أحب قصص ألف ليلة وليلة، وسعى لجمع ما يشبه المتحف، وكاد حلمه أن يتحقق بعد موته، وهو الذي لم يثر الكثير من المشكلات في سبيل الشقة والرزق الذي حُرِم منه، فيكون حسين رمز ابن البلد الذي تحتاجه البلد، وتكون أمينة، وزوجها الخائن والمتلون حسب الظروف، رمزا لطبقة يعرفها أبناء مصر، بل أبناء بلادنا جميعا. أما در الشهوار وابنها سيف، وعلاقته بحسين ومن ثم بأمينة بصفتهما «جدين»، فهي علاقة ابن الجيل الجديد بهذين النموذجين، الموجودين بالفعل على أرض الواقع، إن رمز كل منهما إلى طرف أو طبقة أو حزب أو أيديولوجيا، ثار ودفع ثمن ثورته، إلا أن الرواية جعلته يصبح عقلانيا بطريقة، لم تكن «مقنعة» بالنسبة لي، ولكنها مقنعة بالنسبة إلى «واقعية» ما أراده محمد عبد الجواد من نصه.
لقد أرخت الرواية لتاريخ مصر والقاهرة، ظهر الملك والأحرار وثورتهم، وحكم عبد الناصر والسادات من بعده، وظهر مبارك وقليلا ابنه الذي كان بعضهم ينظر ويمهد له قبَيل الثورة، وظهر مرسي والسيسي، ومع ظهور السيسي، الذي تفرح لوصوله أمينة، ومن يؤيد مواقفها، يظهر ما أراده الكاتب من ظهور لموقفه هو، لتكون در الشهوار وابنها ممثلين لهذه المواقف، أما «الواقعة» المتمثلة بهدم المقابر ورضوخ أمينة ودعوة حسين أخيرا بالأخ، الكلمة التي لم تقبلها من قبل، وربت أبناءها على أنه لا حسين في عائلة الرز، تمثل وحدة ما، بصرف النظر عمن تنازل في مقابل فوز الآخر المعنوي، في وجه قرارات، وجرف المقابر أحدها، لن يقبل بها الناس، وستؤدي لا محالة إلى تضامن جديد يوما ما.
الرواية صعبة من حيث ملاحقة الشخصيات الكثيرة بأسمائها الكثيرة، ولكنها سهلة وجاذبة، تشعر بأنك تتابع مسلسلا اجتماعيا بسيطا وتستمتع به وأنت تمارس هوايتك في القراءة، ولكنها كانت تتحدى المتلقي، ولم تكن ببساطة لغتها المقصودة، فإن تكملها وأنت لا تلاحق حلا اعتمد على غموض أو تشويق، فقط لأنك مستمتع بالقراءة، ولأنك مستمتع بحكاية هؤلاء الناس الذين يشبهونك، فهذه هي نقطة قوتها، أما القضايا المطروحة بين السطور، وتحولات المجتمع خلال هذه الأعوام المئة، فهو أمر يظهر بذكاء ويستتر بالذكاء نفسه، ويبقى الجامع الوحيد بين هذا وذاك، ذكاء الكاتب وحرفيته.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية