من «المترجم الخائن» إلى كراسناهوركاي: فشل الأمانة في الترجمة الأدبية

في معرض تحليلِ أحدِ الجوانب الخفية في سيرة الأديب المجري لازلو كراسناهوركاي – الحائز نوبل للآداب 2025 – في مقالٍ باللغة الإنكليزية تناولتُ فيه نزعتَه التشاؤمية، استوقفني بقاء هذا الاسم على هامش المشهد الأدبي العالمي لعقودٍ طويلة قبل فوزه بالجائزة.
وقد وجد هذا الرأي صدى وتأييدا في مقالٍ للكاتب والناقد الأدبي الأمريكي أندرو إرفين بعنوان: «هل هذه أول قراءة باللغة الإنكليزية لأعمال كراسناهوركاي؟». الذي نشرته «مدينة فيلادلفيا» وأعاد نشره «المركز الأدبي»، أكد فيه أن «قلة من الكتّاب المجريين تُرجمت أعمالهم، وأقل منهم نالوا شهرة تُذكر في العالم الجديد». وقد حرص إرفين على توضيح العائق الأكبر في طريق الأدب المجري: اللغة المجرية التي يُكتَب بها نفسها، التي وصفها بأنها «واحدة من أصعب اللغات وأكثرها بعدا عن القارئ العالمي»، ما أسهم بشكل مباشر في الحد من انتشار الأدب المجري على المستوى الدولي.
تُفسّر هذه التحديات سبب بقاء كاتبٍ في وزن كراسناهوركاي في الظل، بعيدا عن أنظار القراء والنقاد خارج بلاده، إلى أن أتت جائزة نوبل لتجذب الأنظار إلى عبقريته المهمشة، وتفتح له أبواب العالمية التي أوصدتها في وجهه لعقود طويلة صعوبة اللغة وندرة الترجمة.
الترجمة تعيد صياغة النصوص
خاضَ كراسناهوركاي في هذه التحديات في أكثر من مناسبة، مُجادلا بأن الترجمة لا يمكن أن تحاكي العمل الأصلي بأي حال من الأحوال. ففي منظوره، لا تنقل الترجمة كتاب المؤلِّف إلى لغة أخرى، بل تُنشئ كتابا جديدا ـ عملا جديدا يُنسب إلى المترجم، لا إلى المؤلف الأصلي. يحمل هذا الاعتقاد وزنا خاصا، لاسيما وأن أعماله نُشرت بأكثر من عشرين لغة. وفي مقابلة مع مجلة «ذا وايت ريفيو»، قال إنّ الاعتقاد بإمكانية ربط الترجمة بالأصل مجرد «عبث». فالنص الذي يصدر بلغة أخرى «عمل من تصميم المترجم»، وهو إبداع جديد مستقل لا يشبه الأصل إلا بقدر تشابه الأقارب البعيدين. يبقى النص الأصلي مرتبطا باللغة التي بواسطتها بزغ في وجدان المؤلف وتشكّل وعنّ إلى الوجود، وكل ما تجاوز حدود تلك اللغة فهو عمل مختلف لا غير. وفي «مذكرات المقاربة»، صوّرَ كراسناهوركاي عملية الترجمة تصويرا مذهلا، مُتخيلا نفسه واقفا أمام دير مغلق، حيث يضع مخطوطته في حجرة سرية. فتدور الآلية بعيدا عن الأنظار، وبعد أشهر أو سنوات تبرز الترجمة. فهو لا يدري ماذا جرى في الداخل، ولا يدرك ما توخاه المترجم، ولا يعلم حتى كيف نجت جملُه بعد تلك الرحلة. واعترف بأنه لا يدري كيف تُنطق كتبه بلغات أخرى، لأن الإيقاع الداخلي والروح المجرية لا يمكن الاحتفاظ بهما بعد الترجمة. فلا شك أن المترجم يبدع شيئا جديدا في عالم لغوي آخر، فهو لا ينتج نسخة مطابقة للعمل، بل عملا موازيا قائما بذاته.
الترجمة تُفقد المؤلفات روحها الأصلية
على عكس النصوص المعلوماتية والوظيفية التي تُكتَب عادةً بلغة بسيطة لإيصال المعنى والمعلومة، فإن النصوص الأدبية مرآة تنعكس فيها العبقرية اللغوية والثقافة الشعبية – ما يجعلها في الواقع غير قابلة للترجمة. وإن تُرجمت، ضاعت منها جودتها اللغوية ومحسناتها البديعية وأبعادها الثقافية. فالترجمة تُفقد المؤلفات الأدبية روحها الأصيلة، ولا تنقل منها إلا هياكل عظمية أو أشباحا وهمية إلى اللغات الأجنبية، ما يجعلنا نقول بكل ثقة: لا بديل عن قراءة النص بلغته الأصلية. وينطبق هذا بشكل خاص على اللغات التي تنتمي إلى عائلات متباينة، كالمجرية، وهي لغة أوغرية فنلندية. يُشكّل هذا الاختلاف الجوهري تحديات جسيمة، تجعل الترجمة الدقيقة إلى الإنكليزية شبه مستحيلة. وهذا ما أشار إليه كراسناهوركاي في مقابلاته، مؤكدا مدى تعقيد لغته ومرونتها، وقدرتها على التمدد من خلال جمل طويلة متشابكة، بحرية مطلقة. فالجملة في هذه اللغة تتدفق كتيار أفكار، أكثر من أن تكون محكومة بقواعد نحوية صارمة. تضفي هذه المرونة على الكتابات المجرية إيقاعا مميزا ونغمة موسيقية داخلية تنبع من اللغة نفسها.
على عكس المجرية، تتميّز الإنكليزية، التي تنتمي إلى العائلة الجرمانية، ببنية نحوية أكثر حَزْما، فهي تعتمد على جمل قصيرة، وتراكيب واضحة، وتسلسل مباشر للفاعل والفعل والمفعول به. ولذلك لا يمكن للجمل الطويلة والمتدفقة في النص الأصلي أن تنتقل بسلاسة إلى الإنكليزية دون أن تبدو متكلفة ومصطنعة. ولهذا، يضطر المترجمون إلى تفكيك النص وإعادة صياغته ليتوافق وطبيعة اللغة الإنكليزية، وهو ما يبعد النص عن أصله، فالترجمة النهائية ليست نسخة مماثلة للنص الأصلي، وإنما إعادة صياغة تفرضها لغةٌ أخرى.
وعي عالمي مشترك بحدود الترجمة
ليس لازلو كراسناهوركاي بأي حالٍ أول فائزٍ بجائزة نوبل يتحدّث بصراحة عن عيوب الترجمة، فقد سبقته إلى ذلك أقلام عالمية أخرى، أمثال جوزيف برودسكي، الحائز الجائزة عام 1987، الذي أكّد أن الترجمة تعجز عن نقل البنية والموسيقى التي تميّز شعره الروسي، مشيرا إلى أن إيقاع القصيدة وبنيتها الداخلية مرتبطان ارتباطا وثيقا باللغة الأصلية، وأن أي محاولة لنقلهما إلى لغة أخرى ستغيّر حتما جوهر العمل. وقد ساهم برودسكي شخصيا في ترجمة أعماله وهو يعلم أنه لا يسعى لمحاكاة النص الأصلي، بل لإعادة صياغته وتقديمه في قالب جديد باللغة الإنكليزية، مُقرا في النهاية بأن النتيجة حتما عمل مختلف. ومن جهة أخرى، عبّرت آني إرنو، الحائزة الجائزة عام 2022، عن قلقها من قيام الترجمة بتبسيط النصوص واختزال عمق المعاني. فقد أسفت لما رأته من إخلال بالدقة التعبيرية واختزال للدلالات في مؤلّفاتها بعد ترجمتها إلى لغات أخرى. يُظهر هذا القلق معاناة مشتركة بين كثير من الكتّاب، تعتمد أصواتهم على التفاصيل الدقيقة والنبرة المميزة والسياق الثقافي الخاص، وهي عناصر كثيرا ما تضيع أو تتشوّه أثناء الترجمة.
تذمّر كبار الكتّاب في العالم من الترجمة يشير حتما إلى وعيٍ جماعي بأن الترجمة، مهما بلغت من براعة ودقة، تبقى عاجزة عن إخراج النص الأصلي بكامل أبعاده وروحه في اللغات الأخرى.
قالها القدماءُ: «المترجم خائن»
تُسلِّط هذه المخاوف الضوء على واقعٍ غالبا ما تُغفِلُه الأوساطُ الأدبية: وهو أن الترجمة في جوهرها خِيانة للأدب. إلا أن هذه الفكرة أقدمُ بكثيرٍ من النقاشات الحديثة حول مشاكل اللغة، فهي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. لقرونٍ طويلة، أدرك القُرّاء والكُتّاب أن شيئا جوهريّا يُفقد دائما عندما ينتقل العمل من عالمٍ لغوي إلى آخَر. يتجلى ذلك في المثل الإيطالي القديم: «Traduttore, traditore» ـ بمعنى «المترجِم خائِن». وقد ظهر هذا المثل خلال عصر النهضة، ليعبِّر عن اعتقادٍ راسخٍ بأن أيَّ ترجمةٍ تُغيِّر الأصلَ، أو تُعيد صياغته أو تُقلِّل من منزلته. وسرعان ما أصبح هذا التعبيرُ حجرَ أساسٍ في الثقافة الأدبية الأوروبية، وشكَّل النقاشات المُبكِّرة حول الأمانة والأسلوب وحدود التكافؤ اللغوي. ومع مرور الوقت، خاضَ في المسألة كبارُ الكُتّاب والمفكرين. فقد كتب خورخي لويس بورخيس بإسهابٍ عن كيفيّة تغيير الترجمات للنص، إلى درجة التغيير الجذري أحيانا. وجادل والتر بنيامين في مقالته الشهيرة «مهمة المترجِم» بأن الترجمة لا يمكنها أن تُعيد إنتاجَ جوهر العمل الأصلي. فيما لاحظ أومبرتو إيكو أن «المترجِم يُفاوض على المعنى»، مُقرّا بأن كل ترجمةٍ تحمل بصمةَ تفسيرٍ الخاص. كما أقرَّ هاروكي موراكامي، الروائي والمترجِم، بأن الأعمال المترجمة تحمل حتما إيقاعا وصوتا ونسيجا ثقافيا مختلفا.
وحتى في الأدب المعاصر، لا تزال هذه الفكرة قائمةً وقويّة. فكّر سلمان رشدي مرارا في كيفية تغيُّر القصص عند عبورها الحدود ـ اللغوية، أو الثقافية، أو التاريخية، ورغم أنه لم يذكر عبارة «الترجمة خِيانة» حرفيا، إلا أنه يدرك أن المعنى السردي يتغير لحظةَ دخوله لغةً أخرى، ليصبح عملا إبداعيا جديدا من تصميم المترجِم.
نحو لغة أدبية عالمية
منذ فجر الإنسانية وحتى عصرنا هذا، يظل الحكم ثابتاً: الأمانة في الترجمة الأدبية اعتقاد وهمي. فكل نصٍ مترجم يحمل بين سطوره بصمة المترجم وصوته. ومن المفارقات اللافتة أن هذه العملية لا تختلف في جوهرها عن استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة النصوص الأدبية في هذا العصر. ومع ذلك، فإن الأعمال المُترجَمة – التي غالبا ما تعكس أسلوب المترجِم ونبرته أكثر من المؤلِّف – تلقى الترحيب بل وتفوز بجوائز أدبية مرموقة، بينما يُثير استخدام الذكاء الاصطناعي الجدل، حتى عندما يُنفِّذ المهمةَ نفسَها لا غير. تُظهِر تحديات الترجمة مدى صعوبة نقل الأدب من لغة إلى أخرى، لاسيما من تقاليد لغوية مُعقَّدة كاللغة المجرية، ومنها أعمال كراسناهوركاي، فغالبا ما تبرز التأويلات الخاطئة، وقلة الدقة، والصعوبة في الحفاظ على الجمالية والأسلوب أثناء الترجمة، وإن تمت بعناية. وبصفتي متخرجا من معهد ترجمة وأعمل في هذا الحقل في المملكة المتحدة، فإني أشهد على مدى صعوبة نقل المعنى والمبنى والحفاظ على نبرة الكاتب الأصلي. واستنادا إلى هذا الواقع، قد يكون من الحكمة البدء في رسم ملامح مستقبلٍ تصبح فيه الأعمال المكتوبة مباشرةً باللغة العالمية معيارا للتحكيم الدولي ومطلبا لبلوغ العالمية. من مزايا ذلك تشجيع الكتاب من لغات وثقافات متعددة على التفكير والكتابة بلغة مشتركة، وتثبيت مكانةَ الإنكليزية لغة أدبية عالمية، وتعزيز تقارب شعوب عالمنا خارج الحدود الجغرافية والحواجز الثقافية. لقد قال جوزيه ساراماغو، الحائز جائزة نوبل في الأدب عام 1998: «ينتج الكُتّاب أدبا وطنيا بلغتهم، لكن الأدب العالمي يكتُبه المترجمون».
لكن بالنظر إلى ما تخلّفه الترجمة من آثار في المؤلفات الأدبية ـ من تشتيت لصوت المؤلف الأصلي، وانزياح لإيقاع اللغة الأم، وطمس للفروق الثقافية والدلالات المتشعبة ـ أقول: «الأدب العالمي ليس أدبا يُترجم من أطر محلية وتقاليد لغوية متباينة، وإنما هو أدبٌ يُكتب خارج الحدود الوطنية والإقليمية، ليخاطب البشريةَ، باللغة المشتركة العالمية».
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية