كان – «القدس العربي» : خوف مطبق وبرودة تتسرب إلى الأوصال وإحساس لا يغادرنا بأنا نوشك على أن يزج بنا في غياهب السجن دون جريرة ارتكبناها. هذا ما نشعر به منذ اللحظات الافتتاحية لفيلم «ممثلا الادعاء» للمخرج الأوكراني سيرغيه لوزينيستا، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته الثامنة والسبعين (13 إلى 24 مايو/أيار الجاري).
في»ممثلا الادعاء» يقدم لوزينيستا فيلما لا يبرحنا بسهولة بل يبقى تأثيره معنا لفترة طويلة، فيلم يذكرنا في أجوائه وقسوته بفيلم «المحاكمة» لأرسون ويلز، المقتبس عن رواية بالاسم نفسه لفرانز كافكا، بل أن الفيلم يذكرنا بأعمال كافكا مجتمعة، وعلى وجه الخصوص «المحاكمة» و»القلعة».
تدور أحداثه في روسيا الستالينية في أواخر الثلاثينيات، وهو مقتبس عن قصة للكاتب والمنشق الروسي جورجي ديميدوف، الذي سُجن في معتقلات الغولاغ لمدة 14 عاماً خلال الحرب العالمية الثانية، وظل يعاني من مضايقات الدولة حتى وفاته في أواخر الثمانينيات.
في بداية الفيلم نرى شابا ذا قسمات بريئة يقف قبالة بوابة حديدية ضخمة منتظرا أن يُسمح له بالدخول. بالقرب من البوابة يقف جمع من النساء وبعض الرجال، جميعهم متشح بالسواد وجميعهم يبدو عليهم الإعياء والحزن. البوابة الفولاذية هي مدخل معتقل ضخم، والشاب الهادئ بريء القسمات هو ممثل الادعاء الجديد حديث التخرج كورنييف (يؤدي دوره ألكسندر كوزنتسوف بأداء قوي رغم ندرة حواراته).
خلف بوابة المعتقل نرى أعدادا من السجناء الذين يبدو عليهم الإعياء والهزال الشديد كما لو أنهم هياكل عظمية متحركة. يكلف أحد الحراس سجيناً مسناً بمهمة يبدو أنها مهمة روتينية متكررة، ألا وهي إحراق الرسائل التي يكتبها السجناء إلى ذويهم أو التي يريدون توجيهها إلى السلطات في موسكو، خاصة «الرفيق العزيز ستالين». يحرق السجين الرسائل الواحدة تلو الأخرى، ولكنه يخفي رسالة واحدة خُطت بالدم على ورقية صغيرة من معتقل سياسي تتهمه السلطات بمعادة الحزب والثورة وستالين، والرسالة موجهة إلى ممثل الادعاء المحلي.
يأتي كورنييف إلى السجن تلبية لطلب هذا السجين، ذلك الطلب الذي خُط بالدم. بوسامته ووجه الهاديء المبتسم، وإصراره على تأدية مهام عمله بضمير ومثابرة، وبإيمانه أنه في منصبه كممثل للادعاء يمكنه أن ينصر المظلوم ويحق الحق، يمثل كورنييف النقيض التام لإدارة المعتقل التي تتفنن في تعذيب المعتقلين والتنكيل بهم.
ببراءته وتحمسه لخدمة العدل ونصرة المظلوم، يمثل كورنييف نقيض كل ما يمثله النظام. لكنه غير مهيأ إطلاقاً لاكتشاف مدى ازدراء النظام الذي يؤمن به لتلك المبادئ.
يزور كورنييف السجن، ورغم مماطلة السلطات وتعنتها، يُصرّ على لقاء ستيبنياك (ألكسندر فيليبينكو)، السجين كاتب الرسالة. يتعرف كورنييف عليه كأحد المفكرين البارزين الذين ألقوا كلمة في احتفالية تخرجه حول «الحقيقة البولشفية العظمى».
يروي ستيبنياك قصته المؤلمة مع ظلم أجهزة الاستخبارات الداخلية التي اتهمته ظلما بالعمل ضد النظام على الرغم من أنه من أشد مؤيدي الثورة البلشفية الحقة. فيقرر كورنييف تصعيد القضية إلى موسكو، إلى ممثل الادعاء الآخر، المدعي العام للبلاد.
وهناك في موسكو، في أعلى درج لا ينتهي داخل مبنى بلدي ضخم، يجلس المدعي العام جامد الوجه، ويُدعى فيشينسكي (أناتولي بيلي) في مكتب شاسع. بابه موصد دوماً، ذو وجه صارم عابس، ولا يلقى أحداً إلا بموعد مسبق.
قد ندرك منذ أن نرى وجه المدعي العام بقسماته الجامدة، وتحصنه داخل مكتبه أن مصير كورنييف، ممثل الادعاء الشاب، أصبح محتوما. نكاد أن نوقن أن المدعي العام لن يكون منصفاً للمفكر المعتقل ولا ممثل الادعاء صاحب المبادئ الذي لم تلوثه السلطة. ولكننا رغم ذلك لا نملك إلا أن يحدونا بعض الأمل في نجاة كورنييف من أن يصبح هو الآخر متهماً بمعاداة النظام.
لكن هذا ليس من نوع الأفلام التي تعتمد على مفاجآت فجائية أو تحولات درامية مبالغ فيها. في حقيقة الأمر، يصبح تكرار خيبات الأمل التي يتعرض لها كورنييف هو بيت القصيد. يصبح إيمان الشاب رويدا رويدا أنه سقط في براثن نظام فاسد لن ينجو من مخالبه هو جوهر الفيلم.
تكمن قوة الفيلم في استحضار رعب الاستبداد عبر الجماليات الشكلية من المباني الضخمة الجاثمة، لا يختلف فيها مقر المعتقل ومقر مكتب المدعي العام . مبنى المعتقل مهترئ متسخ والمبنى الإداري الذي يضم مكتب المدعي العام فخم صارم الأناقة، ولكنهما مبنيان يثيران الرعب والانقباض. يمنحنا الفيلم طابعاً أدبياً ملموساً، كما لو كنا إزاء رواية رفيعة لكامو أو كافكا أو أورويل، رواية كُتبت منذ عقود، لكن بصيرتها ورؤيتها لا تزال مؤلمة، حقيقية وحديثة بشكل موجع.
لحظة بعد لحظة ومشهد بعد مشهد يخلق الفيلم شعوراً مروّعاً بالقلق. إنه عن نظام فاسد ينمو كورم خبيث ويحمي ذاته وتتكاثر، ويقتل من يحاول التصدي له. ينجح لوزينيستا في خلق أجواء الذعر والخوف التي تخلقها الأنظمة الاستبدادية القمعية، خاصة في مشهد قطار النوم الذي يستقله كورنييف أثناء عودته من موسكو، ووجود رجلين يبتسمان بشكل غريب ويحاصرانه كما لو كانا كابوساً مقيماً.