مقابلة لبيد مع «سكاي نيوز»: ليست قضية وجود.. ولا حدود.. إنها قضية سعرات حرارية!

حجم الخط
0

في وقت يعبس العالم كلّه بوجه إسرائيل، ستجد قناة تلفزيونية ومذيعاً وبلداً يفتحون أذرعهم باسمين ليائير لبيد، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، من دون أي مساءلة حول الجرائم التي ترتكبها الدولة العبرية.
كان بإمكان الإعلامي المصري عماد الدين أديب، فيما يجري مقابلته مع لبيد على «سكاي نيوز العربية»، أثناء زيارته لأبو ظبي، أن يتصرف على الأقل، إن لم يكن كإعلامي ينتمي لمصر المحروسة، أم الدنيا، أن يحاكي صوتَ إعلاميٍّ إسرائيلي من هؤلاء الذين نتابع مقالاتهم وانتقاداتهم اللاذعة لحكومة إسرائيل، في «هآرتس» على سبيل المثال.
يستحيل التذرع بنقص الخبرة لدى الإعلامي المخضرم، خصوصاً في موضوع غزة الذي يحتل، منذ عامين، الخبر الأول تقريباً في نشرات الأخبار حول العالم. وأدق تفاصيل الشأن الغزي، الفلسطيني، باتت على مختلف رادارات العالم. إذن هي رخاوة متعمدة، متسامحة تجاه ضيف، من المعيب أن يكون ضيفاً أساساً مع كل الجرائم الإسرائيلية.

لبيد: نحن نقاتل حماس، لا نقاتل غزة. حماس أسوأ عدو لشعبها، نحن نقاتل عدوهم الأسوأ

يسأل أديب عمن قضى أثناء استلام أو انتظار المساعدات أمام مراكز «مؤسسة غزة الإنسانية»، المنشأة أمريكياً وإسرائيلياً بحراسة مرتزقة، وهنا سيتحدث لبيد عمّا يشبه «مكرمة» إسرائيلية تجاه أعداء تل أبيب، ويجدها فرصة لإظهار «التفوق الأخلاقي الإسرائيلي!»، إن كان أديب يساجل هنا فكل ما سيقوله إن إسرائيل ألغت دور الأونروا، وكالة الغوث الأممية، وأنها حددت كمية الغذاء بما يعادل 1200 كالوري في اليوم. «نحن نقاتل حماس، لا نقاتل غزة. حماس أسوأ عدو لشعبها، نحن نقاتل عدوهم الأسوأ»، يزعم لبيد. أي أن الإسرائيليين يقاتلون «حماس» بالنيابة عن الغزيين.
في قضية ضحايا المساعدات كان يمكن للإعلامي المصري أن يعاند مسلحاً بتحقيق صحافي نشرته «هآرتس» منذ أيام، بالتزامن مع زيارة لبيد إلى أبو ظبي، وربما بالضبط عشية المقابلة، وتابعت معها صحف العالم حول شهادات لجنود يتحدثون عن أوامر بإطلاق النار على منتظري المساعدات من دون أي هدف، أثناء انتظار المساعدات، أثناء التوزيع، وبعده، صباحاً ومساءً.. كان بالإمكان إرباك الضيف الإسرائيلي المطمئن بحقائق من قلب الصحافة الإسرائيلية.  غير أن أديب استحلى أن يتحدث عن أرقام أخرى أدق: كمية الكالوري. إنه يبذل جهداً هائلاً في تحويل القضية من قضية وجود، أو حتى حدود، إلى قضية سعرات حرارية.
وكان بالإمكان كذلك الإشارة إلى وقائع كشفت تقصّد إسرائيل قصف الآبار ومستودعات الغذاء والإمدادات، بل وشاحنات المساعدات نفسها (مجزرة الطحين) وفرق الإغاثة (المطبخ العالمي)، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تجويع وتعطيش الغزيين.
سيمتلك أديب الجرأة على قول ما لا يمكن إنكاره: إن عدد من قُتل من المدنيين الغزيين أعلى بكثير ممن قُتل من «حماس». أما جواب لبيد فسيكون بأن «حماس» تتخذ من المدنيين دروعاً بشرية، وبالتالي فإن هذه مسؤوليتها. وكفى الله الإعلامي المصري شر مزيد من المساءلة.

الجولان

مئة قضية تستحق النقاش وتتطلب أجوبة، أهملتْها المقابلة: ماذا عن الضفة الغربية ومشاريع الضم، المستوطنات واقتحامات المستوطنين اليومية لقرى وبيوت الفلسطينيين، تهجير تجمعات وقرى ومخيمات، العمال الفلسطينيون، ما مصير حل الدولتين.
سيتركها أديب جميعاً ليسأل: «ماذا كنت لتفعل، وماذا كنت لا تفعل، لو كنت رئيس الحكومة أثناء السابع من أكتوبر/تشرين الأول؟». ما سيتيح للبيد جوابه الألمع: «لو كنت رئيس الحكومة لما حدث ما حدث». ولكي يبدّد اللبس حول أنه زعيم المعارضة الآن، ما قد يعني أنه نموذج مختلف عن نتنياهو بالنسبة للبعض، سيقول: «لكن ربما كنت سأرد بالطريقة ذاتها من حيث إدخال الجيش الإسرائيلي إلى غزة، لكن بهدف الدفع قدماً بحكومة بديلة في غزة».
في الموضوع الإيراني، الساخن هو الآخر، بعد حرب الـ 12 يوماً، المتوجة بضربة أمريكية مباشرة لمنشآت نووية إيرانية، لن يكون في حسبان الإعلامي أديب أن يسأل بأي حق تقوم إسرائيل بتأديب المنطقة، مَن عنده سلاح نووي أم لا، دون أن يكون لدى أحد الحق في السؤال عن النووي الإسرائيلي. وكان من الحري أن تبحث الدولة التي تجري فيها المقابلة عن تطمينات، فصحيح أنها على نزاع تاريخي مع الدولة الإيرانية الجارة، إلا أنه ما من دولة خليجية، أو في المنطقة عموماً، تتمنى لطرف واحد أن يهيمن، فيحظر ويبيح، يشتري ويبيع على هواه.
يريد الإعلامي المصري أن يَطمَئن على اتفاقيات أبراهام، ومن هذا الباب فقط سيهمه السؤال عن سوريا ولبنان وموقعهما من التطبيع واتفاقيات أبراهام. هنا سيكون لبيد حاسماً، فيبدو مستغرباً من الأساس أن يكون الجولان السوري على أجندة المفاوضات. فـ «إسرائيل تسيطر على الجولان منذ وقت أطول بكثير مما فعل السوريون»، كأن الاحتلال المديد حجة لمزيد من وقت الاحتلال!
ويضيف: «إنها فرصة لمحاولة التوصل إلى اتفاق مستقبلي مع الحكومة السورية»، من دون مناقشة الجولان، فلديهم قضايا أخرى، سيكون الأفضل لسوريا أن تبعد موضوع الجولان عن الطاولة، فقد جعل من المستحيل التوصل لاتفاق مع إسرائيل لأجيال وعقود، بحسب قوله. لبيد راضٍ تماماً عن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، فهو يريد أن يمنح هذا البلد فرصة لبداية نظيفة! طبعاً، فقط دأبت الطائرات الإسرائيلية منذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما فرّ المخلوع بشار الأسد، إلى تنظيف البلاد برمتها من أي خطر، لم تبق قاعدة، أو مطار، أو مرفأ، أو مركز بحوث، إلا ودمّرت أو عُطّلت، باتت البلاد نظيفة على الآخر.

كان يمكن للإعلامي المصري أن يعاند مسلّحاً بتحقيقات إسرائيلية.. لكنه اختار الصمت أمام مَن يقنّن الحصار بسعرات

قطيع التطبيع

لماذا؟ والجولان، حسب القانون الدولي، محتل، لا خلاف على سوريّته؟ هل علينا التسليم بسلطة الممكن والأمر الواقع؟
كان بإمكان عماد الدين أديب، لو سلّمنا باستحالة رفضه لإجراء المقابلة من الأساس، أن يخرج بحوار يحرج الخصم الإسرائيلي، يربكه، يؤكد الحقائق التي باتت اليوم يقيناً لدى أجيال في العالم، من المنتفضين في الجامعات الأوروبية، إلى دبلوماسيين، من بينهم الأمريكيون، استقالوا احتجاجاً على تواطؤ حكوماتهم مع الحرب.
إعلامي مصري خائر القوى الفكرية، يعمل في ظل مدير محطة إخبارية عربية يبدو أنه قد أصابه العماء، لا يبدو أنهما سيحملان أي مفاجأة خارج قطيع التطبيع. ما كان علينا انتظار مقابلة تحرج إسرائيل في بلد يقود قطار أبراهام.
كان كافياً، في زمن التطبيع، التخلي عن كل أوراق التفاوض؛ الجولان، والضفة، وحتى الأسرى، وأكوام الضحايا، لنكتفي باستخدام السعرات الحرارية كورقة تفاوضية.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية