بين انقضاء الولاية الممدّدة لأميل لحّود، رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة الأسبق، في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، وابتداء ولاية جوزيف عون رئيس الجمهوريّة المنتخب، في 9 كانون الثاني/يناير الجاري، مضى سبعة عشر عاماً وشهرٌ واحدٌ ونصف شهر أي 205 أشهر ونصف شهر. من هذه المدّة نفسها خلَت سدّة الرئاسة الأولى من شاغلٍ لها ما يبلغ مجموعه خمس سنواتٍ وشهراً ونصف شهرٍ تقريباً، أو بالعبارةِ الأدقّ، واحداً وستّين شهراً وسبعةَ عشر يوماً. لم ينقضِ عهدٌ رئاسيٌّ، في هذه المدّة المديدة، إلّا وعانت السدّة بعدهُ شغوراً تمادت مدّته كثيراً: من أوّل هذه العهود إلى تاليَيْه.
فبعد أميل لحّود، دام الفراغ ستّة أشهرٍ. وبعد ميشال سليمان، طال 29 شهراً و7 أيّام. وبعد ميشال عون، بلغ 26 شهراً وعشرة أيّام. وصفوةُ القول، في هذا الباب، إنّ المدّة المشار إليها كانَ يفترضُ أن تشغَلَها ولاياتٌ رئاسيّةٌ ثلاثٌ تستغرق الواحدة منها ستّ سنوات، فلم يظهر فيها سوى رئيسين لا غير هما، سليمان وعون الأوّل. أي أنّ مجلس النوّاب (الذي ينتخب الرئيسَ) أكَلَ على اللبنانيّين رئيساً لجمهريّتهم بأمّه وأبيه!
مجلس النوّاب، وهو المؤسّسة الدستوريّة الأمّ، المسؤول الظاهر عن معظم هذا العسر الممضّ في استخلاف الرؤساء وتأليف الحكومات، فإنّ حاله، وهو السلطةُ المشترعةُ، لم تكن، أحسن انتظاماً من حال السلطة الحاكمة
وكان الدستور المعدّل، في أعقابِ الحرب، هو ما فتح للفراغ منفذاً سهل الولوج. فهو يشترط للفوز بالسدّة أكثريّة الثلثين في دورة الاقتراع الأولى ثمّ الأكثريّة المطلقة من أعضاء المجلس في ما يليها. وقضى اجتهاد رئيس المجلس، المقيم في موقعه منذ سنة 1992، بإيجاب حضور الثلثين من عدد النوّاب جلسة الانتخاب، في دورات الاقتراع كافّة، ليستقيم النصاب. فأصبح يكفي أن يغادر الجلسة ثلث النوّاب ونائبٌ حتّى يعتبر النصاب مفقوداً. وغدا في يد هذه النسبة من النوّاب (أي الأقلّيّة) أن تواصلَ تعطيل الجلسات ما دام مرشّحها لا ينتخب، إلى أن ترضخ الكثرة لمُراد القلّة أو تنتهيا إلى «توافق». في ظرف خلوّ الرئاسة الأولى هذا، وضع الدستور صلاحيّات الرئيس في يد مجلس الوزراء. ولكنّ مجالس الوزراء، في هذه الحقبةِ التي نتناولُ نفْسِها، لم تكن أوضاعُها أقربَ إلى الانتظام من أوضاع الرئاسة الأولى: لا اختيارُ المكلّف بها (وهو مرهون بإرادة الأكثريّة النيابيّة) كان ميسوراً دائماً ولا توصّله إلى تشكيلٍ يرضي تلك الأكثريّة كان سهل المنال، في معظم الحالات، بل إنّ اعتراضٍ كتلةٍ أو اثنتين، من تلك المستحوذة على تمثيلٍ طائفيٍّ معتبر، ظلّ يُعدّ بمثابة «نقضٍ» لأيّة تشكيلةٍ تُعرض، وإن كان المعترضون أقلّيّةً، ضئيلة العديد نسبيّاً، في جملة المجلس النيابي. فضلاً عن ذلك، تطيح استقالة ثلث الوزراء ووزيرٍ واحد بالحكومة وتعطّل معارضة الثلث القرار في أمورٍ توصف بالأساسيّة ولكنّ بعضها دوريّ: وهو ما جعل القوى الوازنة، في الحكومة تحرصُ، وإن تكن أقلّيّةً في المجموع، على حيازة هذا «الثلث المعطّل» من الأعضاء. وهو حرصٌ كان يزداد شِدّةً حين يجد المطالبون به أنفسهم في موقع إجماليّ بعينه هو موقع «المعارضة» السياسيّة الطائفيّة في صفوف الحكومة: وهذا أيضاً ـ أي وجود المعارضة في الحكم – غريبةٌ من غرائب النظام اللبنانيّ في الطور الذي استوى عليه بعد الحرب. وهو، أي هذا «التقليد» المستجَدُّ، لم يكن، كلّما رحلت حكومةٌ، ليسهّل التكليف ولا التأليف.
يعسُر احتسابُ المدّة الإجماليّة التي أمضاها لبنان، في المرحلة التي نتناول نفسها، من غير حكومة تامّة الصلاحيّة، مسلمَةً أمورُه إلى الحكومة المستقيلة: تصرّف الأعمال الجارية ولا يجوز لها (مبدئيّاً!) حتّى أن تجتمع بما هي مجلس للوزراء، ناهيك عن أن تُزاول ما ينيطه الدستور بهذه الهيئة من سلطةٍ وعمل. ولكنّها تلجأُ، هي ومجلسُ النوّاب سواءً بسواءٍ، إلى استدعاء «الضرورة» لتشريع مخالفة المبدأ وإباحةِ المحظور. يَعْسُرُ الاحتساب، في هذه الحالةِ إذن، إن لم يكن لشيءٍ فلأنّ الدستور لا يلزم رئيس الجمهوريّة بمهلة للتكليف ولا يُلزم المكلّف بمهلةٍ للتأليف. مع ذلك، تفي بغرضنا أمثلةٌ موحيةٌ جدّاً بمقدار الهدر في هذا الباب، فيما يتحوّل المجلس النيابيّ إلى هيئة انتخابيّةٍ لا تشترع (مبدئيّاً أيضاً!) قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهوريّة بشهرين، بحيث لا يحصُلُ (مبدئيّاً أيضاً!) أيّ شغورٍ في كرسيّ الرئاسة الأولى.
فمن ذلك حالة تمّام سلام الذي كلّف في 6 نيسان/أبريل 2013 فألّف في 15 شباط/فبراير 2014 أي بعد 10 شهور وتسعة أيّام واصلت فيها حكومة نجيب ميقاتي المستقيلة تصريف الأعمال. وطبع سيرةَ الحكومة السلاميّة هذه ـ فضلاً عن عُسْرِ ولايتِها ـ تسلُّمُها صلاحيّات رئيس الجمهوريّة بين أواخر أيّار/مايو 2014 ونهاية تشرين الأوّل/أكتوبر 2016، وهي المدة التي اقتضاها التسليم بانتخاب ميشال عون بعد جلاء ميشال سليمان من قصر الرئاسة! أي أنّ هذه الحكومة لم تلبث حكومةً وحسب سوى ثلاثة أشهر وأسبوعين وهذا من أصل 32 شهراً وأسبوعين هي جملة إقامتها في السراي الحكوميّ!
ولا يفوق حالة الحكومة السلاميّة «طرافةً» سوى حالة الحكومة الميقاتيّة الأخيرة، وهي باقيةٌ «تصرّفُ الأعمال» حتّى الساعة، تنتظر لمغادرة السراي أن يفلح نوّاف سلام في تشكيل الحكومة الجديدة، بعدَ أن ملأ جوزيف عون كرسيّ الرئاسة الأولى. ذاك أنّ حكومة نجيب ميقاتي هذه تشكّلت (بعد عناءٍ غير يسيرٍ) في العاشر من أيلول/سبتمبر 2021 وكانت البلاد على مبعدةِ سبعة أشهرٍ لا غير من الانتخابات النيابيّة فعُدّت الحكومة مستقيلةً حكماً عندَ حصول الانتخابات. وكان أن كُلّف ميقاتي، في 23 حزيران/يونيو 2022، بتأليف حكومةٍ جديدةٍ، ولكنّ ولاية ميشال عون الرئاسيّة آلت إلى ختامها في 30 أكتوبر من تلك السنة ولم يكن ميقاتي قد وفّق إلى إتمام مهمّته. وهكذا تسلّمت شؤون الحكم برُمَّتِها، في البلاد، سنتين وشهرين وعشرة أيّام، حكومةٌ مستقيلةٌ (وهذه لم تكن حالُ الحكومة السلاميّة) يفتَرض التقليد الدستوريّ السويّ أن يقتصر مقامها، بعدَ الاستقالة، على أيّامٍ معدودةٍ، أو أسابيعَ، يتمُّ في أثنائها التكليف والتأليف، ولكن هيهات! هذه الحال من التهاوي المؤسّسيّ وجدت البلاد نفسها، وهي تتخبّط فيها، تعبرُ (فيما عبرَت في هذين العامين المنصرمين) حرباً بحالها لا تحفظ في ذاكرتها نظيراً لضراوتها.
أمّا مجلس النوّاب، وهو المؤسّسة الدستوريّة الأمّ وهو، من بين هذه المؤسّسات، المسؤول الظاهر عن معظم هذا العسر الممضّ في استخلاف الرؤساء وتأليف الحكومات، فإنّ حاله، وهو السلطةُ المشترعةُ، لم تكن، في هذه المرحلة التي نتناول، أحسن انتظاماً من حال السلطة الحاكمة. وأظهرُ ما كان من أمره فيها إقدامه على تمديد ولايته مرّتين ألحق بهما مجلسُ الوزراء ثالثةً. فكان أنّ المجلس المنتخب في يونيو 2009 زيدَ على ولايته الشرعيّة (وهي أربع سنوات) ما جملته 59 شهراً، أي ما يقرب من ولايةٍ وربعِ ولايةٍ أخرى. كان النزاع السوريّ وذيوله اللبنانيّة في خلفيّة المرّتين الأوليين. وهذا فضلاً عن الإخفاق في اشتراع قانون جديدٍ للانتخابات النيابيّة. وجاء التمديد الثالث (وهو الأقصر) «تقنيّاً» علّله مجلس الوزراء، بعدَ التوصّل إلى صيغةٍ للقانون المذكور، بالحاجة إلى مهلةٍ يجري فيها الإعداد لإجراء الانتخابات وفقاً لأحكامه. على أنّ شبح اللاشرعيّة لبث مخيّماً على جملة الأعمال التي أقدم عليها مجلس النوّاب في مدّة التمديد المتكرّر تلك، وبينها منح الثقة لحكوماتٍ وانتخاب رئيسٍ للجمهوريّة! هذا مع أنّ هذه الحالة بدت تكراراً لحالة المجلس المنتخب في سنة 1972 وقد امتدّ به العمر عشرين سنة. ولكنّ 15 من هذه السنين كانت أعوام حرب، فيما لم تكن هذه حال البلاد بين ربيع 2013 وربيع 2018.
ما الذي حلّ بالبلاد بعدَ حرب لبنان المديدة تلك حتّى راح لبنان يعاني هذه الأعطال الفادحة التي لم يعرف نظامه، في الحرب، ولا قبلَها نظائر لها؟ أسهبتُ، في أعمالٍ سابقةٍ، في تشخيص الأسباب، وهي تجد أصولها الاجتماعيّة السياسيّةَ في الحرب وأصلَها المؤسّسيَ في الاقتصار من تطبيق الدستور المعدّل بموجب اتّفاق الطائف على ما اعتبَره هذا الدستور نفسه «انتقاليّاً» أو»مؤقّتاً». فلن أجاوز هنا استذكار العناوين: 1- استواء الطوائف وحداتٍ سياسيّةً بعدَ تهميش الحرب للوحدات الإداريّة – الجغرافيّة وتلك العائليّة أو العشائريّة، وزجّ التشكيلات السياسيّة غير الطائفيّة في الهوامش أيضاً. 2- مرادفةُ هذا التحوّل استحواذَ الطوائف على تجهيزٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ متعدّد الوظائف وآخذ في النموّ مع تضاؤلٍ لما يقابل هذه الوظائف في قطاع الدولة أو توزّعٍ واستتباعٍ له طائفيّين أيضاً، وهذا، مشفوعاً باستكمال تطييف السياسة، ما أسمّيه «تبلّر الطوائف». 3- توفُّرُ الطوائف الكبرى على زعامةٍ رئيسةٍ (يتبعُها تنظيمٌ) يُعدُّ استبعادها من الحكم، أو من أيّ عملٍ ذي أثرٍ من أعماله استبعاداً للطائفة نفسها لا يقبله منطق النظام السياسيّ الاجتماعيّ القائم. 4- سريان هذا المنطق، بنوعٍ من العدوى، على الطوائف الموزّعة الولاء (مثلاً) بين زعامتين متقاربتين في النفوذ بحيث يتعيّن إشراك كليهما في الحكم والقرار ليكون تمثيل الطائفة مكافئاً في القوّة والسعة لتمثيل تلك الموحّدة الزعامة. 5- توفُّرُ كلٍّ من الزعامات الرئيسة على نوعٍ من حقّ النقض الطائفيّ يبيح لها شلّ أيّ عملٍ من أعمال الدولة، بما في ذلك تجديد المؤسّسات الدستوريّة، عند استحقاقه، إلى أن يُناسب الإجراء ما تراه حقّاً لها من شروطٍ، وهذا مع الإضعاف الكلّيّ لموقع «التحكيم» الذي كانت تتولّاه رئاسةُ الجمهوريّة في نظام ما قبلَ الحرب. 6- إملاءُ هذا كلِّه دخولَ قوى الطوائف الرئيسة كافّةً في الحكم على أنّه سنّةٌ مفروضةٌ وعلى أنّ إلجاءَ أيٍّ منها إلى المعارضةِ يُعَدُّ خروجاً على سويّة النظام وأنّ لكلٍّ منها أن تتّخذ موقف المعارضةِ، وهي في الحكم، وأنّ لها أن تداولَ ما بينَ موالاة الحكم ومعارضتِه، وهي فيه أيضاً، تبعاً لما يوافق مصلحتَها. 7- مَطُّ هذه القدرة على الاشتراط الطائفيّ، دون إمكانٍ مؤسّسيٍّ للجْمِها، إلى حدودٍ مخلّةٍ بأساسِ الدولة: من قبيل عقدِ أحلافٍ سياسيّة عسكريّةٍ، في المحيط الإقليميّ، وتشكيل تنظيمات مسلّحةٍ طائفيّةٍ وخوضِ حروبٍ إقليميّة، إلخ. 8- توزّعُ ولاء الطوائف بين مرجعيّاتٍ خارجيّةٍ يغلب أن تكون متصارعةً توزّعاً غير متكافئ الشمول ولا الأثر، بحيث يفضي التفاوت والصراع معاً إلى تغالبٍ داخليٍّ غير متكافئٍ أيضاً ولكنّه مخلٌّ بالتماسك الوطنيّ وموهنٌ لسلميّة الصراع السياسيّ وللتوازن والانتظام والفاعليّة في تكوين هياكل الدولة وفي سلوكها. إلخ، إلخ.
لم تكن هذه حال النظام اللبنانيّ قبل حرب لبنان المديدة وإنّما كان هذا التحوّل ميراث الحرب. على أنّ الأعطال الملازمة له لبثت مستترةً إجمالاً طالَما ما بقي ظلّ الوصاية الأسديّة الثقيل مبسوطاً على لبنان. فقد كانت مروحة الوسائل المتاحة لهذه الوصاية، عند احتمال الاستعصاء في شأنٍ ما، واسعةً لا يستثنى من بين أساليبها الاغتيال. وهي لم تكن، في أحيانٍ كثيرةٍ، تقدِم على التصدّي للاستعصاء إلّا حين يصبحُ إقدامها منتظراً أو مطلوباً. هذا «التحكيم» الأسديّ انكفأَ في ربيع 2005 محرّراً منطق النظام الطائفيّ (أو لا منطقَهُ) في الصيغة التي جعلها له ميراثُ الحرب.
مرحلةُ ما بعد الوصاية هذه هي المرحلة التي تناولناها هنا وهي التي باتَتْ فيها استجابة النظام الطائفيّ لكلّ استحقاقٍ، معتادٍ أو غير معتادٍ، يواجهه تحتسبُ معجزةً من المعجزات.
هذه التركة هي ما يفترض أن يتناوله إصلاحٌ صعبٌ هو وحدَهُ المعجزةُ الحقّة وهو ما يبدو أنّ كثرةً من اللبنانيين تنتظر مباشرته في هذا العهد الذي بدا لهم جديداً.
كاتب لبنانية