القاهرة – «القدس العربي»: بينما كانت محكمة الجيزة تنظر قضية لاعب كرة القدم المصري رمضان صبحي الذي صدر بحقه حكم بالحبس لمدة عام، بعد اتهامه بالاتفاق مع أحد الأشخاص لدخول الامتحانات في أحد معاهد السياحة والفنادق بدلا منه، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حالة من التعاطف معه، بعد أن تردد أنه لجأ إلى هذا الأمر رغم حالته المادية المتيسرة كمعظم لاعبي الدوري الممتاز في مصر، من أجل استكمال شروط إلحاق ابنه بإحدى المدارس الدولية.
قضية رمضان أعادت ملف الشروط التي تفرضها المدارس الخاصة والدولية على أولياء الأمور لإلحاق أبنائهم بها، ومنها اشتراطات يصفها أولياء الأمور بالتعسفية، تشمل حصول الأب والأم على مؤهلات عليا، واجتيازهم مقابلات شخصية، فضلاً عن إخضاع الأطفال لاختبارات قدرات وفي اللغات رغم أن بعضهم لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات.
وفي الوقت الذي أكدت فيه وزارة التربية والتعليم عدم وجود قرار وزاري أو قانوني بشأن اشتراط حصول أولياء الأمور على مؤهل عالٍ لقبول أبنائهم في بعض المدارس الخاصة، إلا أن شهادات أولياء الأمور تؤكد عكس ذلك.
وأكدت في بيان أن القوانين واللوائح المنظمة للعمل في المدارس الخاصة لا تتضمن أي نص يُجيز اشتراط المؤهل العلمي لولي الأمر لقبول الطلاب.
وشددت على أن حق التعليم مكفول لجميع الطلاب دون تمييز، وفقًا للدستور المصري وقانون التعليم، وأن القبول بالمدارس الخاصة يجب أن يتم على أساس معايير تربوية وتعليمية تتعلق بالطالب نفسه، وليس بالوضع التعليمي أو الاجتماعي لأسرته.
وبينت أنها تتابع ما يُثار في هذا الشأن بكل جدية، وتؤكد على اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه أي مدرسة يثبت مخالفتها للضوابط والقرارات المنظمة للقبول، أو ممارستها لأي شكل من أشكال التمييز بين الطلاب.
كما أهابت بأولياء الأمور الإبلاغ عن أي مخالفات تتعلق بإجراءات القبول بالمدارس الخاصة من خلال القنوات الرسمية المعتمدة، حفاظًا على مبدأ تكافؤ الفرص وضمان بيئة تعليمية عادلة وآمنة لجميع الطلاب.
بيان الوزارة يتنافى مع الواقع الذي يواجهه الأهالي عند محاولة إلحاق أبنائهم بالمدارس.
«بعد أن دفعت 500 جنيه رسوم ما تعرف بالمقابلة في إحدى المدارس الدولية، رفضوا ابني لأنه لا يتحدث الإنكليزية»، بهذه الكلمات تحدث أيمن عبد ربه من سكان مدينة 6 أكتوبر في محافظة الجيزة عن تجربته في محاولة إلحاق ابنه بالمدرسة.
وقال لـ «القدس العربي»: ذهبت في البداية مع ابني للتقديم في المدرسة، فطلبوا مني إحضار والدته، وتحديد موعد آخر للمقابلة، وعندما توجهنا حسب الموعد، فوجئت بإخضاعنا جميعا لاختبار باللغة الإنكليزية.
وتابع: «زوجتي كانت تتابع غروبات المدارس وتعرف أن الطفل يخضع للاختبار، وظلت لأشهر تعده لمعرفة الأرقام والحروف وبعض الكلمات البسيطة باللغة الإنكليزية، كأسماء الفواكه والحيوانات»، لكننا فوجئنا أنهم طالبوا ابني بتقديم نفسه باللغة الإنكليزية، وبالطبع قال اسمه وعمره ولم يستطع أن يضيف شيئا، ففوجئنا برفضه».
حالة أخرى يحكيها رامي محمد من سكان القاهرة، يقول: «رفضوا إلحاق ابني في المدرسة لأني لم أحصل بعد على شهادة جامعية».
تتضمن حصول الأب والأم على شهادات جامعية وخضوع الطفل لاختبار
ويضيف: «كنت قد حصلت على شهادة متوسطة وعملت في مجال المقاولات وربنا رزقني وتزوجت وأنجبت ابني الوحيد الذي أسميته على اسم والدي، واسعى ليحصل على قدر من التعليم أفضل مما حصلت عليه، لكن المدرسة رفضت قبول أوراقه ».
وتابع: «قررت أن التحق بالجامعة للحصول على بكالوريوس حقوق، وتقدمت في العام التالي بأوراقه إلى المدرسة وما يثبت أني طالب جامعي، لكنني فوجئت برفضهم، وتأكيدهم أن تقديم شهادتي الجامعية أنا وزوجتي شرط أساسي لالتحاقه بالمدرسة، وفي النهاية اضطررت للتوجه إلى إحدى المدارس الخاصة التي لا تشترط الأمور نفسها «.
في غروبات أولياء الأمور على مواقع التواصل ومنشورات كتبها أباء وأمهات على صفحات «فيسبوك»، مئات الشهادات عن أزمة شروط المدارس الخاصة.
وفي غروب «دردشة أولياء الأمور في التعليم»، انتقدت آية سامي الشروط التي تفرضها المدارس: قائلة: «منتهى الطبقية في أسلوب اختيار من ينتسب للمدارس، يعني أنا كوني ولي أمر ليس على المستوى المطلوب لهم، يتم حرمان ابني من التعليم. كل ولي أمر حلمه يقدم الأفضل لأبنائه، لكن إذا كنتُ تعليم عام أو لا أتقن اللغات، يمنع ابني من الانتساب».
قالت داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية ومؤسسة «ائتلاف أولياء أمور مصر»، في تصريحات صحافية، إن الأسر تعاني حاليًا أثناء رحلة التقديم للمدارس الخاصة لأبنائهم، حيث أصبحت المقابلات الشخصية بمثابة اختبار قاسٍ للأسرة والطفل، تفرض فيه بعض المدارس شروطًا صارمة وغير منطقية لقبول الطلاب دون أي مرونة.
وبينت أن بعض المدارس تشترط أن يكون الوالدان حاصلين على مؤهل عالٍ، بالإضافة إلى قياس مستواهم في اللغة الإنكليزية من خلال طرح أسئلة باللغة الإنكليزية خلال المقابلة ومطالبتهم بالرد، وكأن ولي الأمر هو من سيلتحق بالدراسة. كما تتضمن المقابلة أسئلة ذات طابع طبقي مثل: اسم النادي المشترك فيه، هل السكن إيجار أم تمليك؟ ومهنة ولي الأمر؟ وهي أسئلة لا علاقة لها على الإطلاق بمستوى الطالب أو احتياجاته التعليمية.
وحول الطفل، أكدت أنه يخضع لاختبار معقد، كأن المدرسة تريد طالبًا جاهزًا ومتعلمًا، فيُطلب منه التعرف على الحروف والأرقام والأشكال والحيوانات، وغير ذلك من المهارات، بدلامن أن تكون المقابلة لتقييم الحالة العامة للطفل ومعرفة ما إذا كان يعاني من مشكلات أو صعوبات تعلم. وأضافت أن هذا الوضع يدفع أولياء الأمور للضغط على أطفالهم مسبقًا وتدريبهم بشكل مكثف لحفظ الإجابات قبل الذهاب للمقابلة، ما يحمل الطفل والأسرة فوق طاقتهم.
فيما أوضحت ندى عاطف العدوي، مؤسسة غروب أولياء أمور مدارس مصر، الأسباب التي تزيد من شعور أولياء الأمور بالضغط أثناء إجراءات التقديم في المدارس الدولية والخاصة، وكثرة الأوراق والمستندات المطلوبة، ورسوم تُدفع قبل القبول وغالبًا غير مستردة، واختبارات للأطفال الصغار لا تعكس دائمًا مستواهم الحقيقي، ومقابلات نفسية وسلوكية بمعايير غير واضحة، وعدم وضوح أسباب الرفض عند عدم قبول الطفل، وضغط نفسي على الطفل والأسرة نتيجة التوتر والخوف من فقدان الفرصة.
لم تكن شروط الالتحاق هي الأزمة الوحيدة التي يواجهها أولياء الأمور، ففي حال قبولهم، يواجهون اشتراط المدرسة دفع المصروفات بـ «الدولار» ونقدا.
ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وضعت وزارة التعليم إحدى المدارس تحت إشرافها المالي والإداري، بعد شكوى أحمد محمد صبحي، ولي أمر الطالبة، من أن ابنته عادت من المدرسة منذ يومين وهي في حالة ضيق، مشيرًا إلى أن معلمة أخذتها من فصلها، ووضعتها في فصل آخر فيه طلاب أصغر سنًا، وتركُوها هناك لمدة ساعة ونصف دون أي تفسير.
وأضاف أنه حين علم بالواقعة، ظنّ أن السبب هو تأخره في سداد المصروفات، خاصة أن قسم الحسابات تواصل معه قبلها بيومين بخصوص الدفع، موضحًا أن المدرسة لا تقبل إلا الدفع نقدًا فقط، وهو ما يتسبب في التأخير أحيانًا.
ولفت إلى أن ابنته كانت مع 11 طالبًا وطالبة آخرين في الموقف نفسه، وتم استدعاء أولياء أمورهم واحدًا تلو الآخر حتى يقوموا بالدفع، لافتًا إلى أن بعض الأهالي أكدوا تعرض أبنائهم لوقائع مشابهة، ووصل الأمر إلى تحرير محاضر رسمية ضد المدرسة.
وشهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في منظومة التعليم، لا سيما داخل المدارس الخاصة والدولية، ولم يعد الاختلاف مقتصراً على المناهج أو أساليب التدريس، بل امتد ليشمل شروط قبول الطلاب نفسها، إذ تحولت من معايير أساسية تتعلق بعمر الطفل والقدرة المالية لولي الأمر، إلى اشتراط حصول أولياء الأمور على شهادة جامعية، وخضوع الأسرة لاختبارات قبل قبول الطفل.