تاريخ طويل من العداء بين الدولة الفارسية والمنطقة العربية، عداء يغذيه صراع طائفي وتنافس على السلطة والسيطرة في المنطقة، الذي بدأ منذ فجر ظهور الإسلام واستمر مشحوناً بالاسترابة والاعتقاد المطلق من كلا الفريقين بأنه الفريق الناجي والموعود بالنصر الإلهي والسيطرة التامة الأخيرة على الأرض وما فيها. بلا شك، الصراع الفارسي مع المنطقة المحيطة بها سواء الحضارات المجاورة كالمصرية والرافدية أو المناطق الأقل تأثيراً وسلطة كشمال الجزيرة العربية، هو صراع يسبق ظهور الأديان الحديثة بكثير، وهو صراع من أجل البقاء، صراع يدور حول السيطرة على الأرض والموارد وضمان الاستمرار. دخول الأديان بطوائفها في المعادلة غير الحسبة وأعطاها بعداً مقدساً مطلقاً، حيث أصبح الصراع ليس من أجل البقاء ولكن بدافع من الإيمان بضمان هذا البقاء واستحقاقه، بمعنى أن كل فرقة باتت مدفوعة بفكرة أنها الحق المطلق وأنها موعودة بالنجاة وبالنصر الأخير المبين، وبالتالي تحول الصراع من بشري اقتصادي سلطوي إلى آخر «وجودي ديني» إذا صح التعبير؛ إلى صراع على الحق المطلق الذي يعتقد كل طرف بامتلاكه والذي دفعت ملايين البشر من أرواحها ثمناً له.
لم تخل مواقف الدولة الإيرانية الحديثة تجاه جيرانها من تأثير هذا الاعتقاد المطبِق كما لم تخل مواقف جيرانها تجاهها من تأثير ذات الاعتقاد. ومهما تغيرت المواقف السياسية، سيبقى التوجس كامناً وسيبقى صراع «الحق المطلق» مستمراً ما استمر الاعتقاد به، ما بقيت كل فئة تعتقد أنها الناجية الأخيرة وأن كل ما عليها هو أن تستمر في كفاحها المسلح «المستحق» ضد «أعداء الحقيقة». لقد أخذتنا الصبغة الثيولوجية إلى نقطة اللاعودة، صانعة سياساتنا وعلاقاتنا، ولو ظاهرياً، وبما يمكّن الأنظمة عموماً من تعبئة أو تهدئة شعوبها حسب الحاجة والضرورة.
وهكذا، سقطت الدولة الإيرانية في الموقف الفاحش لتأييد نظام الأسد الذي أمعن القتل في شعبه لعقود، وهو تأييد بني على القاعدة الطائفية لشبه تقارب السلطة السورية السابقة والسلطة الإيرانية طائفياً، إلا أن هذه السقطة ليست حكراً على الدولة الفارسية، فالكثيرمن الدول العربية سقطت ذات السقطة التأييدية لأنظمة قمعية تباعاً للانتماء الطائفي الذي يشكل كل قوالب حياتنا، وليس أقل من نظام صدام حسين مثالاً ومن كل التأييد الذي حصل عليه «كحام البوابة الشرقية»، السني الذي سيصد التمدد الشيعي، والعربي الذي سيحمي المصالح العربية، هذا الحامي الذي استدار على أصحابه ونفث ناره فيهم عند أول فرصة سنحت له. بلا شك، لهذه المواقف أبعاد أكبر مصلحياً وبراغماتياً من الطائفة، ولكن يبقى هذا الانتماء الطائفي عنوان التحالفات ومغذياً رئيسياً لها.
الأخطاء بشعة ومتبادلة، علينا أن نعترف بذلك، إلا أن تصدي الدولة الإيرانية الأخير للعنجهية الأمريكية مثير للإعجاب حقاً، وهو ما يدفعنا للتعثر بفائدة فريدة من نوعها للاعتقاد الثيولوجي المطلق على مستوى المجتمع البشري، والذي طالما أدخل البشر في صراعات مميتة لا منطقية ولا نهاية حاسمة لها. يتبين هنا بوضوح أن هذا التحدي الغريب والموقف الصارم والمتهور في آن تجاه الفحش الأمريكي إنما هو نتاج هذا الاعتقاد الثيولوجي المطلق، ضمن دواع أخرى دنيوية مصلحية بالتأكيد، وأنه لم يكن ليتحقق لولا نظام الملالي الصارم الذي طالما، وما زلنا، ننقده وندينه على اختراقاته الأخرى إلى اليوم وحتى لحظة نهايته. إنه هذا الإيمان المطلق بامتلاك الحق وباستحقاق النصر الإلهي الأخير الذي لربما يعطي هذه الدفعة «المتهورة» للدولة الإيرانية كما سبق أن أعطاها للحكم الطالباني وللحوثيين في اليمن ولحماس ولحزب الله، على سبيل المثال لا الحصر.
اليوم، يظهر بوضوح كيف أن هذا الاعتقاد المطلق سلاح ذو حدين، فها هم أصحابه الإيرانيون يقفون بجرأة مثيرة للإعجاب أمام أقوى جيش متوحش في العالم، كما سبق أن دفع الحوثيين للمشي في حقول ألغام بلا خوف ولا وجل وللمشاركة في حرب هم ليسوا أنداداً متساوين فيها. هذا الاعتقاد المطلق بالنجاة والخلاص وضمان الجنة يدفع هؤلاء البشر للتصدي لمن لا تفكر الأنظمة الأخرى «الليبرالية، المدنية، البرغماتية» بالتصدي لهم أو حتى إعلان عداء واضح تجاههم. هذا الإيمان المطلق والاعتقاد اللامنطقي بامتلاك الحقيقة الكاملة وبالنجاة الخالصة وبالخلاص والنصر القادمين لا محالة، هما ما يخلق جبهة مقاومة اليوم، هما الأمل الأخير.
يقول ألان ديرشويتز، أستاذ القانون الأمريكي، في مقابلة له مع بيرس مورغان، مدافعاً عن رأيه بأحقية إسرائيل في امتلاك النووي وبانتفاء هذا الحق لإيران، قائلاً: «لا يمكنك ردع أشخاص يعتقدون أن الشيء الأفضل الذي يمكن لهم عمله هو الموت في سبيل الله». وتلك فعلياً هي النقطة، لا يمكنك ردع أشخاص يؤمنون بأنهم على طريق الحق المطلق، وبأنهم مخلدون في جنات النعيم بسبب دفاعهم عن هذا الحق بعد هذه الحياة. وعليه، ومهما انتقدنا هذه الأنظمة الدينية الأصولية، علينا أن نتخيل المنطقة الشرق أوسطية حالياً بلا وجودها: ماذا لو تكن هناك حماس، حزب الله، النظام الإيراني، والحوثيون، من كان ليرد ولو بدفعة يد عن الفلسطينيين؟ وإلى أي درجة كان ليصل التطبيع ومن بعده الامتداد الإسرائيلي في المنطقة؟
الحقيقة المرّة أن الأنظمة الدينية بكل تطرفاتها هي من تتحرك وتحرك المياه الراكدة اليوم، فيما الأنظمة «المدنية» مهادنة حد الموالاة. والحقيقة المرة أن الشعوب الغربية «الكافرة» هي من تخرج في اعتصامات مليونية وترسل حملات إغاثة لكسر الحصار، فيما الشعوب العربية المسلمة كامنة خلف مخاوفها وأطماعها. والحقيقة المرة أن إيران التي يعاديها العرب لم تهدد دولة عربية بشكل مباشر ولم تشكل في يوم خطراً عسكرياً تجاه إحداها بخلاف موقفها التعاوني الإجرامي مع النظام في سوريا وتدخلها الفج في لبنان، فيما إسرائيل التي يهادنها العرب اليوم هي المُهَدِّد التوسعي العسكري الحقيقي في المنطقة. الحقيقة المرة أننا نعيش كمية من التناقضات لها أن تزعزع أقوى المعتقدات وأصلب المواقف ونحن صامدون، ما شاء الله، كأننا صراصير اعتادت مبيداتها. حقائقنا كلها مرة، ولكننا قادرون على ابتلاعها كل يوم قائلين: هل من مزيد؟
مع الاعتذار من العظيم توفيق الحكيم