مصر: أزمة بناء الكنائس مستمرة بعد 10 أعوام على صدور القانون

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم مرور 10 أعوام على صدور قانون بناء الكنائس، إلا أنه من حين لآخر تشهد مصر أزمات تتعلق ببناء أو توسيع مبان كنسية.
آخر هذه الأزمات شهدتها منطقة 15 مايو في القاهرة، حيث وقعت اشتباكات الثلاثاء بين قوات الأمن وأقباط، بسبب خلاف على أرض مخصّصة لبناء كنيسة في منطقة الزهور.

هدم واعتراض

وبدأت الأزمة مع توجه حملة من مجلس مدينة 15 مايو، مدعومة بقوات الأمن المركزي، لإزالة سور مقام حول قطعة أرض مخصّصة لبناء كنيسة ومبنى خدمات في منطقة «زهور 15 مايو»، وهي منطقة خصصت لنقل أقباط تعرضت منازلهم للسيول عام 2020.
وكان كاهن تقدّم بطلب لبناء كنيسة في المنطقة الجديدة عقب نقل سكان الزرايب من المنطقة المنكوبة بعد سيول عام 2020، إلا أنه تم تخصيص مساحة صغيرة لا تكفي احتياجات الأقباط في المنطقة والخدمات المزمع تقديمها. فتقدّم بطلب آخر لتخصيص مساحة أكبر، وقامت الكنيسة ببناء سور حول أرض مساحتها 12 ألف متر مربع، دون أي اعتراض من مجلس المدينة، الذي كان يشاهد عملية بناء السور حتى الانتهاء منها، كما تم إنشاء مبنى خشبي مؤقت لإقامة الصلوات، وتبرّع أقباط المنطقة للمساهمة في استكمال أعمال البناء.
وكان من المقرر إقامة كنيسة على مساحة ألف متر مربع لاستيعاب الأقباط، إلى جانب دار مناسبات، ومبنى خدمات، ومستوصف طبي، وحضانة، وملاعب رياضية. كما تم بناء منارة على بوابة السور عقب الانتهاء من استكماله.
ويقول شاهد عيان: فوجئنا بحملة من مجلس المدينة مدعومة بقوات من الأمن المركزي تهدم السور دون سابق إنذار، فخرج الأهالي للاعتراض على الهدم، فاندلعت اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن، التي بادرت بإطلاق القنابل المسيلة للدموع.
وألقت قوات الشرطة القبض على عدد من الأقباط أثناء الاحتجاج على عملية الهدم، فيما طوقت قوات الأمن الأرض عقب الهدم.
يُذكر أن منطقة الزرايب القديمة، التي توجد فيها كنيسة البابا شنودة الثالث، اجتاحتها السيول عام 2020، ما أسفر عن وفاة عدد كبير من الأهالي، وتدمير منازل، ونفوق عشرات الماشية.

اشتباكات في القاهرة بين الأمن وأقباط بعد هدم سور أرض

وعلى إثر ذلك صدر قرار بإنشاء منطقة الزهور لنقل السكان إليها، حيث تم إنشاء 1008 وحدات سكنية مفروشة و834 حظيرة نموذجية على مساحة 67 فدانًا، لضمان حياة كريمة وتوفير الخدمات الأساسية والحظائر البديلة للحفاظ على مصادر رزق الأهالي، وتم نقل السكان إليها عام 2024.
واستنكر هاني رمسيس، المحامي والناشط الحقوقي، طريقة إدارة الأزمة، قائلًا: «ألا يوجد هادئ حكيم عاقل؟ وهل يصلح أن تكون هذه الأفعال بعد كلمات رئيس الجمهورية التي تكلم فيها عن المساواة بين المواطنين؟».
وانتقد في منشور على صفحته على «فيسبوك»، اللجوء إلى الحشود الأمنية الكبيرة، معتبرًا أنها لم تكن الخيار الوحيد للتعامل مع الموقف، مضيفًا: «هل لم يكن هناك وسيلة للتعامل مع الكنيسة في مايو إلا بالحشود الأمنية والصدام مع الأهالي؟ هذا تناقض مع خطاب الدولة».
ولفت رمسيس إلى ما وصفه بالتناقض الواضح بين خطاب الدولة الداعي إلى ترسيخ المواطنة، والممارسات التي أدت إلى توتر ميداني، قائلًا: رئيس الجمهورية يذهب بنفسه لتهنئة المسيحيين في مصر والعالم لتحقيق أجواء وطنية ويُعلي من مبادئ المواطنة، وطرف آخر يحشد لهدم أسوار كنيسة في منطقة مايو.
وبين أن تداعيات الواقعة لم تتوقف عند إزالة السور، بل شملت احتجاز محتجين، وترددت أنباء عن القبض على كاهن الكنيسة، وهو ما اعتبره تصعيدًا غير مبرر.
ودعا لوقف الصدام وتساءل عن الجهة المستفيدة من خلق مثل هذه الأجواء، قائلًا: «لماذا نصنع أجواء خارج السياق؟.
وقال كمال زاخر، الكاتب والمفكر القبطي، إن ما يحدث في حلوان يعكس عودة لأسلوب إداري تقليدي وصفه بـ«البيروقراطي البليد»، منتقدًا غياب أي بيان رسمي حتى اللحظة سواء من جانب الحكومة أو الكنيسة يوضح حقيقة وملابسات ما جرى.
ولفت إلى تداول مقطع فيديو يُظهر جانبًا من الواقعة، مؤكدًا في الوقت ذاته على مبدأ سيادة القانون، قائلًا: «لا أحد فوق القانون، والكنيسة مرخصة».
وقال طارق العوضي عضو لجنة العفو الرئاسي، إن خطورة الموقف لا تتوقف عند حدود الواقعة المتداولة ذاتها، بل تمتد إلى غياب المعلومات الرسمية الواضحة والدقيقة، محذرًا من أن ترك الرأي العام عرضة للروايات المتضاربة والاجتهادات غير الموثقة قد يؤدي إلى تأجيج مشاعر الغضب وخلق حالة من الاحتقان الطائفي، بما يهدد السلم المجتمعي والنسيج الوطني.
وطالب الجهات المختصة بسرعة إصدار بيان رسمي شامل يوضح حقيقة ما يُثار بشأن كنيسة العذراء والبابا كيرلس، إلى جانب شرح الإطار القانوني والإجرائي لأي أعمال جرت أو من المقرر تنفيذها، بما يضع حدًا لحالة الجدل والقلق المتصاعدة.
كما دعا وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى التحلي بأقصى درجات المسؤولية المهنية والمجتمعية، والامتناع عن نشر أو إعادة تداول أي معلومات غير مؤكدة أو محتوى مجتزأ، لما لذلك من آثار وصفها بالبالغة الخطورة على الأمن المجتمعي ووحدة الصف الوطني.
وشدد على أن وحدة الوطن وسلامة نسيجه الاجتماعي تفرضان وضوح الحقيقة وإتاحة المعلومة، مع الالتزام بخطاب هادئ ومسؤول، بعيدًا عن التهويل أو الكتمان، معتبرًا أن كليهما يقود إلى النتيجة ذاتها المتمثلة في إثارة الفتنة.
لم تكن واقعة مدينة 15 مايو هي الوحيدة خلال الفترة الماضية، ففي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أثار وقف استكمال بناء كنيسة مار جرجس في قرية ميت عفيف في محافظة المنوفية في دلتا مصر غضب الأقباط، حيث فوجئ الأهالي وقتها، بقيام الأجهزة الأمنية بوقف العمل في بناء الكنيسة، تحت تبرير أن ارتفاع المبني مخالف.
وكانت قرية عفيف تضم كنيسة صغيرة تعرضت لتصدع ولا تتسع للمصلين، كما تخدم عدة قرى مجاورة، فتقدم الأنبا بنيامين مطران المنوفية، بطلب رسمي لبناء كنيسة أخرى في مساحة أرض مجاورة وتقدم بكافة الرسومات، وتمت الموافقة على البناء، وبدأت أعمال البناء وصب القواعد وبناء الأعمدة، قبل أن تتدخل الأجهزة المحلية لوقف البناء.

قانون 2016

صدر القانون رقم 80 لسنة 2016 بشأن بناء وترميم الكنائس في 28 سبتمبر/ أيلول 2016، رغم الانتقادات التي وجهت لمسودته بأنها تمييزية من حيث المبدأ، وأنها تعمل على إعادة إنتاج الصعوبات التي تواجه عملية بناء الكنائس وترميمها. وحسب خبراء، استهدف القانون أمرين رئيسين، هما تنظيم ضوابط بناء الكنائس الجديدة، وتحديد الإجراءات الواجبة للقيام بكافة أعمال البناء؛ أما الأمر الثاني فهو معالجة وتوفيق أوضاع الكنائس والمباني الدينية والخدمية التي تقام بها الشعائر والأنشطة من دون ترخيص رسمي.
وكان آخر قرار للجنة الرئيسية لتقنين أوضاع الكنائس والمباني الخدمية التابعة لها، تضمن تقنين أوضاع 160 كنيسة ومبنى تابعًا جديدًا، ليصل بذلك إجمالي عدد الكنائس والمباني التي تم تقنين أوضاعها إلى 3613 كنيسة ومبنى.
أما فيما يتعلق بقرارات بناء الكنائس، فتركزت في المدن الجديدة، مثل مدينة العلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، وأسوان الجديدة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية