الرباط ـ «القدس العربي»: تواصل مدينة شيشاوة وسط المغرب ومعها باقي المناطق المجاورة، تعافيها من آثار الزلزال القوي الذي ضربها منذ عامين، مخلّفًا الألم والفقدان والدمار، إذ تحوّلت قرى بكاملها إلى حطام، ورحلت أرواح ونُكِبتْ أُسر.
ومع ذلك، أبانت المدينة عن قوة في مواجهة المحنة، وهي اليوم تعيد دفء الاستقرار إلى أهلها الذين فقدوا بيوتهم. وقد تمكّن برنامج إعادة الإعمار من إعادة بناء 7810 مساكن، بنسبة تقدّم بلغت 97 في المائة، حيث سيتم الانتهاء من الأوراش الأخيرة المتبقية عند متم تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وفقًا لتقارير رسمية.
المجال الطبيعي الفسيح
للوهلة الأولى، يبدو اسم شيشاوة مطابقًا لمجال شاسع ومنطقة فسيحة وليس مجرد مدينة، فهي «اسم لمجال طبيعي، قد يكون جبلاً، ويحتمل أن يكون وادياً»، كما يقول الباحث الأكاديمي مولاي عبد الحكيم الزاوي في دراسة تاريخية. ويضيف أن «الثابت أنه مجال جغرافي يجمع البسائط والجبال وما بينهما، ومع الوقت أطلق الاسم على النزالة السلطانية التي تربط الطريق التجاري من مراكش إلى موكادور (الصويرة)، ومنه إلى سوس والجنوب والصحراء».
وتمثل المدينة التي بُنيت من طرف أمازيغ مصمودة المحليين، نقطة عبور استراتيجية تربط سهول الأطلس بالمناطق الساحلية، وتقع بين مراكش والصويرة. ورغم صغر حجمها مقارنة بمدن أخرى، فإنها غنية بالتراث الطبيعي والثقافي، وحياة سكانها اليومية تتوزع بين الحرف التقليدية والأسواق المحلية، وأنشطة تجارية أخرى، ما يعطيها هوية فريدة.
إنها مدينة زراعية بامتياز، يبلغ عدد سكانها حوالي 38 ألف نسمة، حسب إحصاء 2024. ويتمتع إقليمها الريفي الواقع بين مراكش والصويرة، بطابع أصيل، يلفت فيه مشهد الرعاة الذين دأبوا على حراسة قطعان أغنامهم، بجوار أشجار الأرغان ومجاري المياه.
كما تُعرف مدينة شيشاوة بصناعة حرفية لافتة، حيث تُنتج نماذج عديدة من المنتجات، مثل الزرابي (السجاد) والفوانيس، وهي عناصر مميزة في ديكور المنازل، وتتنوع أشكالها وألوانها على أيدي الحرفيين المهرة. وينتشر على الطريق الوطني المؤدي من مراكش إلى الصويرة، العديد من الباعة الجائلين، وتوجد أكشاك خلابة تعرض منتجات جذابة.
حكاية التاريخ
المدينة التي تمتد عبر تضاريس تشمل الهضاب، والوديان، وبساتين الزيتون، هي الإنسان كما الفضاء الطبيعي والعمران التاريخي، ولها جذور في التاريخ، فهي تضم معالم طبيعية وتاريخية تتوزع بين المضايق والوديان القريبة من الأطلس الصغير، والقرى الجبلية المحيطة التي تعكس نمط الحياة التقليدي للأمازيغ، كما تشتهر بعمارتها البسيطة والتقليدية.
وتستعرض حكاية التاريخ في مدينة شيشاوة دورها الكبير في طرق القوافل التجارية بين مراكش والمناطق الأطلسية، ما منحها أهمية اقتصادية وثقافية منذ قرون. وتشهد على ذلك القبائل الرئيسية فيها، وهي «ادويران»، و«متوكة»، و«أولاد بن السبع».
كما تشهد المعالم التاريخية الأثرية التي تحكي أطلالها الكثير، ومنها سور عبيد الذي يعود تاريخه إلى القرن 16 خلال فترة السعديين، وكان يُستخدم لإنتاج السكر وتصديره. ويُعتبر اليوم معلمًا تاريخيًا ينتظر الترميم وإعادة الاعتبار له. قلعة القائد المتوكي معلم آخر يعكس البُعد العسكري للمنطقة في فترات تاريخية سابقة.
أما معصرة السكر الجنوبية، فهي خير شاهد على تاريخ صناعة السكر في المنطقة، أنشأها السلطان السعدي أحمد المنصور في نهاية القرن السادس عشر، وحديثًا كانت موضوع قرار وزارة الثقافة بتسجيلها في عداد الآثار الوطنية، مع الحرص على منع أي تغيير في المعصرة إلا بترخيص من المصالح المختصة.
كما توجد بقايا مصانع للسكر في بعض المناطق مثل أمينتانوت، التي كانت تُنتج السكر وتصدره إلى إنكلترا في فترات تاريخية سابقة.
وتروي زاوية مزوضة، التي تأسست حوالي سنة 1242 هـ (1830م) على يد سيدي أحمد بن محمد الأكنضيفي، عن أبوابها المفتوحة منذ زمن أمام طلاب العلم، وتسرد أسماء شيوخ وعلماء خصص لهم العلامة المختار السوسي تراجم في كتابه «المعسول».
وتحقق شيشاوة جوار التاريخ والطبيعة، وهي معادلة منطقية بحكم الاستمرارية والأصالة، ويجد المسافر إليها مواقع طبيعية وسياحية خلابة، منها مضيق إيميندونيت، وهو منطقة جبلية رائعة من حيث المناظر الطبيعية الساحرة، وتُعد وجهة مفضلة لمحبي المشي الجبلي والتصوير.
قرية آيت حدو يوسف التقليدية، بدورها، تحضر كموقع طبيعي وتظهر نمط حياة الأرياف في المنطقة، وتُعتبر مثالاً على التراث الثقافي الأمازيغي. كما تحضر سلسلة جبال إيروهالين، التي تُعد من أبرز معالم المنطقة، وتوفر فرصًا لممارسة الأنشطة الجبلية والاستمتاع بالطبيعة.
ويُسجل بعض السكان ملاحظات أساسية تتمثل في أن حجم الاهتمام بتلك المعالم التاريخية والطبيعية من حيث الترميم والصيانة لا يوازي غناها وقيمتها، لذلك فهي في تحد مستمر مع الوقت من أجل الحفاظ عليها من التدهور.
قراءة تاريخية
تلك المعطيات تعكس عمق المجال التاريخي لهذه المدينة وما بقي من معالمها. وفي هذا السياق، نطالع ورقة بحثية للباحثين المغربيين محمد حبيب الله ومحسن ريري، استعرضا خلالها فترات قديمة من تاريخ شيشاوة، بدءًا مما قبل التاريخ والعصور القديمة.
وذكر الباحثان أن شيشاوة والمنطقة الوسطى الغربية المغربية شهدت استيطانًا بشريًا منذ حوالي 8000 سنة قبل الميلاد، كما تبرهن التنقيبات الأركيولوجية بمنطقة المزوضية. ومن بين الأدوات المكتشفة هناك سكاكين، أدوات خياطة، رفوش فلاحية بدائية، رماح وسهام.
وحسب المصدر نفسه، كان السكان الأوائل مزيجًا بين قبائل رعوية وقسم مستقر يمارس الزراعة، ولعبت المنطقة دورًا مهمًا في التبادل الثقافي والتجاري بين شمال إفريقيا والصحراء الكبرى، حيث قامت بعض القبائل بدور الوساطة في نقل السلع بين الشمال والجنوب.
وقسم الباحثان دراستهما إلى حقب؛ أولها الحقبة الوسيطية، وتشمل العهد الإدريسي: فتح عقبة بن نافع المنطقة سنة 62 هـ، مع انتشار الإسلام، وتأسيس إمارات مستقلة حول الحواضر الكبرى. ثم العهد المرابطي، عندما وصل المرابطون سنة 449 هـ، مع تغييرات كبيرة في المعمار والسياسة، وتراجع بعض الفروع القبلية.
وعرفت المنطقة أيضًا العهد الموحدي، حيث جرى توحيد المغرب تحت قيادة المهدي بن تومرت، مع مشاركة قبائل مصمودية مثل كنفيسة، هرغة، هنتاتة، كدميوة، ووريكة في الجيش الموحدي. وفي العهد المريني تولى المرينيون السلطة بعد ضعف الموحدين، مع فرض جبايات عالية وحصارات على منطقة جبل درن. ثم العهد الوطاسي، الذي كان من سماته ضعف السلطة الوطاسية وظهور الغزو البرتغالي، خصوصًا على سواحل سوس، وصولًا إلى العهد السعدي ومقاومة البرتغاليين.
ويستنتج الباحثان بشكل عام أن شيشاوة تتمتع بموقع استراتيجي بين مراكش والصويرة، وكانت منطقة عبور للقوافل التجارية مع الصحراء والسودان، كما أن تاريخها مزيج بين الاستقرار والرعي، بين النزاعات القبلية والمقاومة ضد الغزاة.
أما الاقتصاد التقليدي، فيعتمد على الزراعة، الرعي، وقصب السكر، مع أثر كبير على التنمية المحلية والتبادل التجاري عبر الصحراء.
أصالة وعراقة
الجولة في شيشاوة تقود المرء إلى أهم أحيائها: الحي المحمدي، الحي الإداري، الحي الحسني، حي المسيرة، حي النصر، حي الفرح، حي القدس، حي النهضة، حي الخريبات، حي الزهراء، وتجزئة الخير، كما يتوسطها واد موسمي الجريان.
أما حي الأمل، فيلاحظ الزائر أنه يحمل ثقل كل الصناعة بالمدينة (الحي صناعي)، لذلك فهو أهم أحياء شيشاوة، بل هو الأول ويعود تاريخ بنائه إلى عهد المنصور الذهبي، وشهد تعاقب الاستعمار الفرنسي والإسباني، وما زالت مآثره تدل على أصالته وعراقته. وقد يكتفي السائح به ليعرف كل تفاصيل هذه الحاضرة، فهو عبارة عن منطقتين:
المنطقة العليا: تسمى حسب بعض السكان بـ«الحي التعاوني»، لكنها لا تحيل حتماً على سمته الأساسية المتمثلة في الغطاء النباتي الثري المكون من أشجار الزيتون والعرعار، وكذا أشجار الليمون والإجاص، فالرمان، ثم المشمش.
المنطقة السفلى: وهي الحي الصناعي حيث المحلات المتنوعة وشارع مختص بكل ما يتعلق بوسائل النقل من معالجة وصيانة وهيكلة، وفي آخره سوق موسمي لبيع البطيخ المعروف بجودته. ولا يقتصر هذا الجزء من حي الأمل على ما سبق، بل يتمتع بمشاريع ضخمة منها شركة صناعة الورق، ومجمع الصناعة التقليدية، والذي شُيد على مساحة تقدر بـ 7432 مترا مربعا، وشركة لبيع السيارات. كما يتجاوز الطابع التجاري إلى الاجتماعي، إذ تتوفر المنطقة على مؤسسة لتحفيظ القرآن الكريم، ولتعليم الأسس الدينية وتدريس المنهج الإسلامي، بالإضافة إلى فرع لمحو الأمية لصالح النساء، مما يجعل الحي فعلاً القلب النابض للمدينة.
زيتون وزربية
أهلها الذين يتذكرون جيدًا الليلة العصيبة عندما اهتزت الأرض تحتهم، في أيلول/سبتمبر 2023، عادوا إلى يومياتهم مباشرة، وجراحهم لم تندمل بعد، لكنهم يتعافون سريعًا، وعلاجهم كان في مواصلة الحياة وما وفرت لهم الدولة من إمكانات وسبل لاستعادة النبض كما كان تقريبًا.
عادوا إلى الزراعة والحرف التقليدية التي تشكل العمود الفقري لنشاطاتهم التجارية والصناعية اليومية، وواصلت أشجار الزيتون معانقة السماء فهي إحدى مميزات هذه المدينة الأصيلة. زراعة الحبوب بدورها تمتد على مدى السهول المحيطة بشيشاوة، أما الزربية (السجاد المحلي) فقد فرشت بهجتها من جديد، منسوجة بأيادي المهرة من الحرفيين المحليين. زيت الأرغان الفريد في المغرب له حضور أيضًا في هذه المنطقة الغنية، ناهيك عن منتجات محلية أخرى، تلعب فيها التعاونيات النسائية دورًا مهمًا وتساهم في دعم الاقتصاد المحلي، مثل توفير فرص العمل للسيدات والحفاظ على التراث اليدوي.
كل ذلك النبع اليومي يصب في أسواق أسبوعية تقليدية، هي قلب الحياة التجارية في المدينة، وتصطف المنتجات الزراعية والحرفية لتعرض جودتها، ويُساوم المشتري المحلي أو القادم من مدن مجاورة البائع بكثير من الحميمية المغربية التي تُسمّى «المشاطرة».
أبرز تلك الأسواق يُقام عادة مرة أو مرتين في الأسبوع، ويُعرض فيه كل ما يحتاجه السكان على مستوى التغذية، من الخضروات إلى المنتجات الحيوانية مرورًا بالفواكه والزيتون والحبوب، ثم اللحوم. كما تُعرض المنتجات التقليدية مثل الزرابي وأدوات الطهي اليدوية والمنتجات المصنوعة يدويًا من الأرغان والزيوت المحلية. ويبقى أهم ما في هذه الأسواق أنها ليست مجرد موعد للتسوق، بل تعتبر فضاء اجتماعيًا للتبادل الثقافي ولقاء الجيران وتبادل الأخبار والمعلومات، مثل كل الأسواق الأسبوعية التقليدية الأخرى المنتشرة في جل المدن المغربية.
تحضر المرأة بقوة في المشهد الحرفي التقليدي من خلال تعاونيات تضم عددًا من النساء، منهن من يشتغلن على الزربية التقليدية، وأخرى يعملن في استخلاص زيت الأرغان والزيوت الطبيعية، فيما بعضهن يصنعن منتجات طبيعية للعناية بالبشرة. وللرجال نصيب في هذا المشهد الأصيل، من خلال النقش على الخشب والمعادن، حيث يعمل حرفيون على صنع أدوات منزلية وزخارف تقليدية.
أهل شيشاوة المنشغلون بالزراعة وتربية الأغنام والماعز والصناعة التقليدية وغيرها من ضروب الحياة التجارية الأصيلة والحديثة، يتمسكون بالعادات الأمازيغية في اللباس والأغاني والمهرجانات الموسمية والزراعية. ويتخذون من المناسبات والأعراس والاحتفالات الدينية أو مواسم الزراعة، كما هو الحال بالنسبة للأسواق الأسبوعية، موعدًا لتمتين روابطهم الاجتماعية ويعتبرونها فرصة للتجمع وتعزيز الروابط بين مختلف مناطق المدينة، خاصة الأرياف.
وسكان شيشاوة من الأمازيغ والعرب شكلوا على الدوام، نموذجا حيا للتعايش والتساكن والانسجام، رغم اختلاف لغتهم المحلية بين «تاشلحيت» والعربية الدارجة. نساؤهم مميزات في مجال الاقتصاد الاجتماعي، حيث تنتشر التعاونيات النسائية التي تشكل جزءًا مهمًا من الاقتصاد المحلي في المدينة، وتركز على تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو الهدف الأسمى لها، إلى جانب توفير فرص عمل للنساء، خصوصًا في القرى، مع الحفاظ على الحرف التقليدية والتراث الثقافي. كما تعمل على تقديم تدريب مهني في مجال النسيج والزراعة وتحضير المنتجات الغذائية المحلية، مما يُسهم في رفع مستوى الدخل وتحسين ظروف المعيشة للأسر.