مدارس غزة بلا أجراس

بهاء طباسي
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: على مقعد خشبي متهالك في ساحة مدرسة خديجة بنت خويلد بمدينة غزة، تجلس السيدة آمنة الشوا، الستينية التي فقدت بيتها وكل ما تملك خلال العامين الماضيين من الحرب الإسرائيلية، تتأمل جدران المدرسة التي تحولت من مكان للعلم إلى مأوى للنازحين. تقول بصوت تكسوه المرارة: «هذه المدارس من المفترض أن تكون للتعليم. نحن مضطرون للسكن فيها. ليس لنا مكان أو بيت نسكن فيه. تم تسوية عمارتين كنا نملكهما بالأرض، وحتى أرضنا الزراعية دُمرت، نحن فعليًا في الشارع، ومن غير المدرسة مصيرنا الشارع».
آمنة التي كانت تعتقد أن وقف إطلاق النار الأخير سيعيدها إلى بيتها، وجدت نفسها في مواجهة واقع جديد أكثر قسوة: لا بيت، لا مأوى بديل، ولا أمل قريب في العودة. تحكي وهي تلمّ غطاءً ممزقًا على جسد حفيدتها الصغيرة: «نقيم في هذه المدرسة منذ عام ونصف. إذا توافرت فرصة للسكن في بيت أو حتى شقة سنخرج فورًا. نبحث فقط عن مأوى جيد، يقينا برد الشتاء، ويظلنا من حر الصيف خاصة أننا نعيل أطفالًا».
في الفناء الذي كان يومًا ملعبًا للأطفال، امتدت الخيام الصغيرة وعلّقت الملابس بين الأعمدة، وتحولت الصفوف الدراسية إلى غرف نوم مزدحمة. تقول آمنة لـ«القدس العربي»: «هذا بالنسبة لنا سكن مؤقت، صحيح أن المؤقت استمر لوقت طويل بسبب تغاضي العالم عن جرائم الاحتلال، لكن كلنا أمل في العودة إلى حياتنا الطبيعية».
ترفع نظرها إلى اللافتة التي تعلو بوابة المدرسة وقد بهتت حروفها من الدخان والغبار، وتضيف: «أتمنى بعد وقف إطلاق النار مغادرة هذه المدرسة، وجعلها للغرض الذي خصصت له، التعليم. حتى لو وفروا لنا كرفانا بسيطا سنسكن فيه بالطبع». وبينما تتحدث، تنظر إلى أطفالٍ يلهون في الممرات الضيقة وتقول: «ما ذنب هؤلاء أن يعيشوا طفولتهم هنا بدلًا من مقاعد الدراسة؟».
تختصر مأساة آمنة مئات آلاف العائلات التي تحوّلت المدارس في غزة إلى مأوى لها، لتتداخل المأساة الإنسانية مع أزمة التعليم التي باتت تنذر بجيل ضائع. فمنذ بداية الحرب قبل عامين وحتى بعد وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، خرج معظم طلاب القطاع عن مقاعدهم الدراسية، وتحولت المدارس إلى مراكز نزوح، بعضها دُمر بالكامل، وبعضها الآخر لم يعد صالحًا للتعليم.
توقف التعليم في غزة لم يكن مجرد تعطيل إداري، بل تحوّل إلى معضلة وجودية. فالأبنية التعليمية كانت أهدافًا مباشرة للقصف، والمعلمون تفرغوا لتأمين لقمة العيش والماء، فيما اضطر الأطفال إلى مساعدة ذويهم في البحث عن الغذاء. وبدل أن يُفتح العام الدراسي الجديد، تُفتح أبواب المدارس كل صباح لاستقبال وجبات الإغاثة أو نداءات الطوارئ.
الأرقام الأممية تشير إلى أن أكثر من 85 في المئة من مدارس غزة دُمرت أو تضررت. ومع غياب الحلول البديلة، لم يعد أمام آلاف الطلاب والمعلمين سوى الانتظار وسط الركام. فيما يقول مراقبون إن توقف التعليم بهذا الشكل سيترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا، إذ يشكل التعليم في غزة ركيزة للهوية والصمود، وليس مجرد عملية أكاديمية.
هذا الواقع المأساوي يجعل كل يوم يمر بدون تعليم، يومًا يُضاف إلى عمر جيل قد لا يعرف معنى المدرسة والكتاب. فالنازحون الذين لجأوا إلى المدارس باتوا جزءًا من معضلة أكبر: كيف تُستعاد الفصول الدراسية حين تكون الجدران مأوى والأرضيات فراشًا للنازحين؟
في أحد المراكز المؤقتة غرب غزة، يقف الشاب رامي السوسي، في الثلاثين من عمره، أمام ركام مبنى كان ذات يوم جامعة يدرس فيها. يقول بصوت يختنق غضبًا: «الاحتلال يتعمد قتل المنظومة التعليمية، حيث قام بقصف جميع الجامعات في قطاع غزة، واستهدف جميع المدارس».
رامي يرى أن ما يجري ليس مجرد آثار جانبية للحرب، بل سياسة منظمة لضرب الوعي، ويقول: «الجميع يتساءل لماذا يقوم الاحتلال بقصف المدارس والجامعات؟ الاحتلال معني بأن يكون الأطفال وشباب قطاع غزة جهلاء غير متعلمين؛ لأن العلم هو الذي سيحرر أرضنا وبلادنا».
ويتابع لـ«القدس العربي»: «الاحتلال يتعمد منع التعليم في قطاع غزة، وهذه كارثة كبيرة. نرجو من الجميع العمل على حل هذه المشكلة، وتسهيل العقبات أمام المدارس والتعليم».
صوت رامي يشبه أصوات آلاف الشباب الذين كانوا على مقاعد الدراسة الجامعية قبل عامين، فوجدوا أنفسهم بلا جامعة ولا شهادة ولا أفق واضح. كثير منهم اليوم يعمل في أعمال يدوية مؤقتة، فيما يحاول آخرون تدريس أشقائهم في الخيام، في محاولات فردية للحفاظ على صلة رمزية بالتعليم.

اغتيال المستقبل

في شارع منهك في حي التفاح، يروي المواطن الخمسيني مازن دلول تجربته بمرارة: «الاحتلال عمل على نسف التعليم. يعطي الجهل لهؤلاء الأطفال». ثم يضيف بنبرة حزينة: «فلسطين وقطاع غزة عامة كانا من الدول صاحبة أعلى المخرجات التعليمية في جميع المراحل، والاحتلال أراد أن يهدم هذه المدارس لطمس نور العلم عن هؤلاء الأطفال».
يؤكد مازن لـ«القدس العربي» أن الهدف أبعد من تدمير البنى التحتية: «هو سعي لخلق جيل جاهل من الشعب الفلسطيني، جيل غير مثقف ليس له دور في المستقبل بين الشعوب العربية والأوروبية والأجنبية».
يرى دلول أن فقدان المدارس يعني فقدان الأمل في النهوض من تحت الركام. «حين يُقتل المعلم أو يُهدم الصف، فإنك لا تدمّر مبنى، بل تدمر ذاكرة مجتمع، ومستقبل وطن». وفي نظره، «ما يجري هو حرب على الوعي قبل أن تكون حربًا على الجغرافيا».
في حي الرمال الذي تحوّل إلى ركام، يقف الأربعيني عصام الخزندار متأملًا ما تبقى من مدرسته الابتدائية التي كان يعمل فيها معلمًا للعلوم. يقول: «الاحتلال قصد تدمير جميع المدارس في قطاع غزة على مدار عامين من الحرب، من أجل القضاء على المنظومة التعليمية، وجعل سكان قطاع غزة جهلاء، بعيدين عن التعلم والتعليم».
ويتابع لـ«القدس العربي»: «الاحتلال أيضًا جعل الطلاب والطالبات على مدار عامين خارج سياق العملية التعليمية، من أجل إضعاف جميع مقومات الحياة. تم القضاء على الجامعات وجميع المؤسسات التعليمية من أجل تجهيل الشعب الفلسطيني وإضعاف المنظومة التعليمية».
يرى عصام أن الكارثة لا تتوقف عند تدمير الأبنية، بل تمتد إلى «تآكل البنية النفسية للطفل الغزي». فبعد عامين من النزوح، صار الطفل يخاف من المدرسة نفسها، لأنها أصبحت رمزًا للموت والدمار. يقول: «الأجيال الجديدة لن تنظر إلى المدرسة كرمز للعلم، بل كذكرى مؤلمة».

عودة قريبة شبه مستحيلة

من القدس، أطلق مدير «اليونيسف» الإقليمي للشرق الأوسط إدوار بيغبيدير تحذيرًا شديد اللهجة مما سماه خطر ضياع جيل كامل في غزة، مؤكدًا أن نظام التعليم في القطاع يشهد حالة «انهيار غير مسبوقة».
قال بيغبيدير في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من غزة: «هذا هو العام الثالث بلا مدارس، وإذا لم نبدأ انتقالًا حقيقيًا لجميع الأطفال في شباط/فبراير المقبل، فسنصل إلى عام رابع، وعندها يمكننا الحديث عن جيل ضائع».
وأوضح أن «اليونيسف» وشركاءها تمكنوا من إعادة نحو سدس عدد الأطفال فقط إلى أماكن تعليم مؤقتة، في حين أن «85 في المئة من المدارس دُمرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام»، بينما تستخدم كثير من المدارس الباقية كملاجئ للنازحين.
وأشار إلى أن الأطفال والمعلمين يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل بسبب النزوح واستمرار العمليات العسكرية، بينما ينشغل المدرسون بتأمين الطعام والماء لعائلاتهم. وأضاف أن النظام المدرسي في غزة كان يعاني أصلًا من الاكتظاظ قبل الحرب، ومع تدمير أكثر من 140 مدرسة بشكل كامل و80 أخرى بحاجة إلى إعادة تأهيل، أصبحت عودة التعليم شبه مستحيلة في المدى القريب.
ووصف بيغبيدير ما يحدث بأنه «سباق مع الوقت» لإعادة الحياة التعليمية، لافتًا إلى أن المراكز المؤقتة تُقام داخل خيام أو غرف جاهزة تفتقر حتى إلى النوافذ، وأن الأطفال يجلسون على الأرض أو على صناديق خشبية ويكتبون على قطع من البلاستيك أو الحجارة.
وأشار إلى أن الدروس تُقدَّم «بنظام الدوام المتناوب ثلاثة أيام أسبوعيًا لبضع ساعات فقط، وتشمل مواد أساسية كالمطالعة والكتابة والرياضيات، بهدف عدم قطع الصلة بالتعليم». لكنه شدد على أن هذا لا يُعتبر تعليمًا حقيقيًا بقدر ما هو محاولة «للحفاظ على الأمل وإبقاء الأطفال صامدين».
كما دعا بيغبيدير إلى ضرورة أن تسمح إسرائيل بإدخال مواد البناء لإقامة مدارس شبه دائمة، إضافة إلى مستلزمات التعليم التي تُعد «غير أساسية» من وجهة نظرها. وقال: «كيف يمكن إعادة تأهيل الفصول الدراسية من دون أسمنت؟ نحن بحاجة أيضًا إلى دفاتر وكتب وأدوات قرطاسية بالحد الأدنى اللازم».
وختم قائلًا: «الغذاء مسألة بقاء، أما التعليم فهو الأمل». وأعرب عن تأثره العميق بإصرار الغزيين على «تنظيف الأنقاض، وإعادة فتح المتاجر الصغيرة، ومحاولة استعادة مظاهر الحياة»، رغم أن «80 في المئة من أراضي القطاع سُويت بالأرض، ولم يبقَ سوى جيوب صغيرة من الأبنية».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية