إبداعيا، يمتلك التكرار أكثر من مسار، وأكثر من هوية. فقد يكون ملاذا لحبسة دائمة، كما قد يكون مسكنا لغبطة منتظرة. وبين الاحتمالين معا، تمتد مسارات مفتوحة على استحالاتها، كما على ممكناتها التي لا يحدها سياق أو نسق. إلا أنه فضلا عن ذلك، يظل بمثابة محرك، تستمد منه العناصر طاقتها، سلبية كانت أم إيجابية، حيث ستخيم في غيابه حالة توقع مريبة من حدوث ما ليس لنا معرفة سابقة به. ثم إنه وعلى هذا الأساس، يأخذ شكل الوسيط الرمزي، الذي نستشف به أبعاد الدلالات المضمرة والمعلنة في تضاعيف ما ينكتب وما ينقال.
وبالنظر لحركية هذا الوسيط، فإنه المحيل على تلك المراوحات القائمة في تضاريس المكان ذاته بين زمنين، يتباينان بتباين هوياته ومرجعياته. ولعل أقربها إلى الذاكرة «مراوحة العيِّ»، حيث تقع الذات فريسة لعناد «الثابت»، الذي لا يوحي باستعداده للتنحي، وإفساح المجال لظهور «المغاير» و»المختلف». والمقصود هنا بالثابت، ذلك النوع المكرس من قبل سلطة ما، الذي حالما تقع عليه اليد العمياء، تحرص على تملّكه، من دون أن يكون لها علم بواقع موته، وحيث لا أمَلَ لهذه اليد في الكشف أو الرؤية، فإنها تستمر في إعادة إحياء ما لا أمل في انبعاثه. وهي الحالة التي توهم فيها الذات الكاتبة نفسها، عبر ممارستها لفعل التكرار، باستمرارية حضورها داخل المشهد. علما بأن هذا الإيهام ليس في واقع الأمر، سوى التعبير الضمني عن الخوف، من دُنوّ لحظة الأفول. باعتبار أن العجز عن تبيّن ملامح المختلف، هو إعلان صريح عن نهاية المطاف، مهما سعت هذه الذات إلى تكييف ما يقع سلفا خارج ملكيتها الإبداعية، أملا في تحقيق تماهيها المثالي والنموذجي معه. علما بأن هذا التماهي، غالبا ما يفضي إلى إصابتها بالإعاقة الدائمة، ليحول بينها وبين تنامي شروط القول الضاجة بأسئلتها، التي لا تني الصيرورة تطرحها خلال تفقُّدها لمنازل المجهول.
إلى جانب هذا التكرار المندرج ضمن إطار الحبسة المُفحمة، إن صح القول، الذي يمكن توصيفه بالتكرار الهامد والمفرغ من دينامية الفعل، ثمة تكرار واع برتابته التي يعمل جاهدا على تفاديها، في سياق بحثه الدؤوب عن «المؤجل» الذي يتجاوز عبره حالة تأرجحه بين حالة العدم والبقاء. إنه بذلك، يترك الباب موارَبا لاحتمال ظهور بارقة كتابة. كما لو أنه رُقية أو تعزيمة سحرية، تستميل روح هذا «المؤجّل الغائب «عساه يعلن عن تجلّيه. وتتمثل منهجية هذه الاستمالة، في تحرير ما لا حصر له من النصوص المنتمية للتجربة نفسها، حيث يُعتبر كلُّ نص منجزٍ بمثابة تصويب لسابقه، في أفق الارتقاء به إلى مستوى النموذج المنتظر. فمن خلال إعادة إنتاجه المتتالي للنص ذاته، يكون ثمة احتمال للتوصل إلى «المختلف /المؤجل» والمتمنع عن الظهور، بفعل تتالي الكبوات واستدراكاتها، وأيضا عبر تضخم أوهام تقصي مَكمن السر «الغائب» في قلب عتمات التكرار، أي مكمن «النص» المنزّه عن أعراض استنساخه، بقوة ما يمتلكه من فاعلية للإدهاش، ومن إرباك لألسنة السؤال.
ويمكن النظر إلى هذا التكرار، بوصفه امتدادا لحالة المخاض الكوني، الذي تمارس عبره الكائنات، مِهنة تصْنيع نماذجها المثالية، من خلال إعادة تصويبها لِما يتخللها من أخطاء. بالنظر إلى أن الخطأ، هو امتداد للخطيئة الأولى التي تطارد الكائن بلعنتها، في مضايق الوجود. على سبيل المجاز، فإن تعاقب الليل والنهار، ليس في الواقع، أكثر من عملية تصويب وتصحيح لخلل ما، كان قد تعرض لها التعاقب الأصلي، في تلك الجهة الغائمة من الصورة. ومن المؤكد أن الشكل الماثل أمامك الآن، هو نتاج تكرار سلسلة طويلة من التصويبات، التي مورست على بنيته الأولانية، تفاديا لاحتمال تسرب دودة الخطأ إلى أوصاله. وهكذا دواليك، إلى أن يتم الإجهاز الكامل على أصل هذه البنية، بفعل تعاقب الإبدالات التي لا وجهة واضحة لها.
وفي سياق الحديث عن المفارقات التي يعُج بها مختبر التكرر، تنبغي الإشارة إلى أن تلافى الوقوع من جديد في الخطأ، هو في حد ذاته خطأ جسيم، لأن الخطأ قد يكون أحيانا إشارة إلى إمكانية اكتشاف نموذج جديد، باعتباره دعوة ضمنية إلى التكفير بالهالة التي تتبجح بها النسخة الأصلية، المنتمية للكاتب ذاته أو لغيره. إنه/ الخطأ.. بذرة حياة.. بذرة كينونة، وبذرة وجود. أيضا هو عتبة للاكتشاف فضاءات المغاير بكائناتها المختلفة، وحيواتها الواعدة بأكثر من أفق.
ولأنه دعوة لإعادة النظر في الصيغة التي يظهر عليها الشكل الأولاني، فسيكون من الضروري الانفتاح على اقتراحاته، بتدبير منهجية الإنصات إليه، واختبار ما يحفل به من إمكانيات غير متوقعة للخلق والإبداع، بعيدا عن أي رؤية قدحية ودُونية. فبقدر ما يكون ثمة خطأ يحدد موقع العطب، بقدر ما يكون ثمة الخطأ المجسد لإمكانية الإضافة، خاصة حينما يمتزج بإعجاز الصدفة، وبسحرية ما تقدمه لنا من اقتراحات، لم تكن من قبل واردة في خطاطة القول.
إن الخطأ المؤشر على إمكانية الخلق والإبداع وإمكانية التجاوز، يحتاج إلى طاقة خاصة من طاقات التعرف، وإعادة التوجيه والتوظيف والصياغة. ففي حالة عدم الانتباه إليه، يظل مجرد خطأ، ويظل مجرد ندبة عميقة ومؤلمة في وجه الشكل، الذي يحاول عبثا أن يتقمص صورة أصل، لم يكن له وجود من قبل.
وبعيدا عن محنة الامتثال إلى ميتافيزيقا الأصول، حيث لا مكان هناك لظل التكرار الميّت ولكائناته، توَلِّي الذات المبدعة وبعناد مصيري، وجهَها باتجاه مسالكها الخاصة بها، بحثا عن نموذجها الشخصي. مع التأكيد على أن القول بالنموذج الشخصي، لا يعني بالضرورة الانفصال المطلق عن شجرة النسب، بقدر ما يعني توثيق أواصر تلك القرابة الحميمية والغامضة، القائمة عادة بين جوهر النصوص الاستثنائية، المتوزعة على صفحات كتاب الكون. تلك المتتالية عبر الأمكنة والأزمنة، وطبعا ضمن منطق الاختلاف الكبير، الذي يُستحبُّ أن يكون جذريا إن أمكن. علما بأن هذا الاختيار المتطرف، سيعرضها حتما لجفاء الذوق السائد، المتشبع حتى النخاع بمبدأ الإخلاص إلى ما سبق أن كان. هذا الذي لا يَرى في النموذج المنفلت من فخاخ التكرار، سوى « مسخ حقيقي» من مسوخ الكتابة، بفعل خُلوِّه من المقومات المألوفة، التي تعوَّد الذوق السائد على التفاعل معها.
إن قرار الذات بالتخلص من سجن التكرار، يعني مغادرتها لتاريخ كامل من التَّمحُّلات، التي دأبت على إعادة إنتاج النماذج الجاهزة، بصورة مشوهة ومحرفة. والحال، أن سلطة الإبداع، تستمد مصداقيتها من قدرتها على فتح حوار مغاير مع المختلف، الذي لم ترتسم بعد ملامحه، قصد تعطيل ميكانيزمات الرتابة الطارئة على الشكل، من قِبل المواهب الضحلة والمعطوبة، وإلغاء ما يطوله من تشوهات و تحريفات، بحثا عما «يدوم» فيه، أي ذلك الضوء القابل للتفاعل مع شروط الامتداد، والاستمرار.
إن ما هو قابل لأن «يدوم» والمتوزع على صفحات كتاب الكون، يستمد حيويته من عبوره المتعدد للأمكنة، الأزمنة والأمزجة، وكذلك من الصدف الحتمية التي تجمع الذات المبدعة بأضدادها، وبأشباهها. وهي الصُّدَف المنبجسة من مخاضات المعرفيّ والجمالي، التي يحدث أن يحظى بها النموذج المتخلص من فخاخ التكرار، بما يتميز به من حمولة دلالية، تنأى به عن خيام القطيع. وللصدف الحتمية هنا، نكهة أنساق مباغتة، يمكن أن تختزل أعمارا وأزمنة طويلة من البحث و الانتظار، حيث ما من نسق استثنائي، إلا و هو مهيّأٌ لأن يكون مخترَقا بضوء صدفة لا متوقعة، تفتح للقول أكثر من باب، وأكثر من نافذة، بما في ذلك أنساق النصوص الملقاة في الهوامش المنسية، لسبب أو لآخر، والتي قد تقودنا إليها الصدفة المتبلورة في قلب المعرفي، كي تنتزعها من حجب اللعنة الملقاة عليها، وتطمئن على نجاتها من فخاخ الكتابات المستنسَخة، والمصابة بجرثومة التكرار الميّت طبعا.
شاعر من المغرب