«متاهة الإسكندرية» رواية المصري علاء خالد: طبقات الذاكرة والمنطق الشعري

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في روايته «متاهة الإسكندرية» يؤسس علاء خالد طبقة جديدة للمدينة، طبقة مرتبطة ومشدودة إلى طبقات سابقة، في محاولة للوصول إلى الروح أو الرائحة التي خلقت أسطورة المدينة المشدودة إلى الأماكن والبشر، وإلى الأسئلة الوجودية التي تلازم الإنسان على الدوام، وإلى أسئلة الفن والشعر من خلال أعلام المصريين والأجانب الذين خلقوا شيئا من سمتها، وخلقت فيهم شيئا من طبيعتها المتسامحة التي تفتح بابها للغريب على مرّ تاريخها، وللهجرة نحوها، تلك الهجرة التي تمثل وجودا جزئيا منقوصا لأصحابها، ولكنها أعطت للمدينة ديمومة مملوءة بالتنوع والتعدد، فهي في النص الروائي (مقبرة كونية) لتعدد جنسيات من ماتوا ودفنوا بها، وهي أيضا – لكونها مدينة منفتحة على الآخر والغريب، وبابا واسعا للهجرة- هي مدينة التصالحات الكبرى بين الأعراق والأديان والأجناس.
الإمساك بالمكان أو رائحته، أو الإمساك بالشخصية التي لا تنفصل عنه، ليس عملا سهلا، لأنه يحتاج إلى حفر من نوع خاص، حفر قائم على التوجيه البنائي، وعلى اختيار شخصيات، واختيار حركتها واهتمامها الفني، وتوزعها في مفهومها للفن بين كونه أيقونة متعالية من القداسة إلى كونه واقعيا يصيبه ما يصيب الأشياء والكائنات من تفسّخ وانتهاء وذوبان، وهذ الحفر لا يقدّم مقاربة بسيطة، بل يطرح رؤية أو مقاربة داخلية مملوءة بالبحث عن حركة الشخصيات، ومسببات هذه الحركة والتوجه، وهذا يؤدي إلى نزوعات متتالية مع كل وقوف أمامها لإضاءة جانب من جوانبها.
وفي كل ذلك تتجلى المؤثرات الحضارية والثقافية والسياسية كأنها إطار عام، يعطي نوعا من السياج الضاغط الذي يؤثر في الشخصيات وردود أفعالها على نحو غير مباشر، مثل انتفاضة الخبز، وموت عبد الحليم حافظ، ومعاهدة السلام، وهبوط السادات في مطار بن غوريون. فإذا كانت الرواية مهمومة بسيرة الفرد، أو سيرة الجيل في لحظة التشكل والتكوين في التحامها بسيرة المدينة وعبقها للإمساك به، فهي لا تأتي سابحة في فراغ، ولكنها تظل مشدودة إلى سياق آني، وإلى سياقات موغلة في القدم، وفي ظلّ كل هذه السياقات تتأثر بالضرورة، ولكنها تظلّ محافظة على تميّزها، وعلى رائحتها الخاصة التي تتحوّل إلى طاقة جذب للآخر المغاير أو المباين، حتى في اللحظات الأكثر ظلمة.

طبقات الذاكرة: البشر والمكان

يتولّد لدى قارئ الرواية بعد الانتهاء من القراءة سؤال يرتبط بطبيعة المتاهة الحاضرة في العنوان، ومدى ارتباطها بذاكرة المكان، وعلاء خالد لا يتوقف عند الطبقة الآنية التي يشكلها أفراد الجيل بحركتهم في فترة الشباب، ولكنه يتوجه نحو الطبقات الغائرة في الزمن، وكأنه لا يشير إلى وجودها السابق، وإنما يجليها ويعيدها إلى الوجود من خلال إنعاش الذاكرة، والإشارة إلى وجودها وأثرها الممتدّ من خلال بقاياها المادية أو بقاياها الساكنة في ذاكرة الأفراد، وهي ذاكرة لا تنتهي، لأنها ملتحمة بالفردي والخيالي، حيث يتشكل لهذه الطبقات وجود ذهني أو خيالي.
يؤيد ذلك التوجه في نص الرواية أن سيرة الذات الساردة (هشام) أو سيرة الجيل (جماعة الحمير) لم تنفصل في بنيتها وآليات تشكيلها عن بنية المكان، فكأن كل واحد منهما يمثل وجها للآخر ويكشف عنه، فالمدينة لحظات باقية وصور تتشكل في منعطفات خاصة للتاريخ، كاشفة عن معالمها وأبنيتها ورائحتها، والذات تتشكل وفق تمددات تظل عالقة بالتأجيل والإرجاء، وتمثل مرتكزات للحركة، لتشير في النهاية إلى خصوصية ما لا تنفصل عن المكان وحقيقته، فالرواية في سردها لسيرة الجيل تكشف عن – أو تكتشف – خصوصية المدينة.
للوصول إلى هذا الهدف ثمة توجيه يرتبط باختيار الشخصيات، وباللحظة الزمنية الخاصة من عمرهم، في لحظات التكوين واكتساب وتحصيل المعرفة، والأسئلة المرتبط بالذات والوجود والفن. فهذه الرواية محاولة للفهم والإدراك والوعي، ومن ثمّ فاختيار مجموعة من الأصدقاء يكوّنون مجموعة الحمير- ارتباطا بمجموعة تاريخية سابقة، كان من أعضائها أناس مشهورون مثل زكي طليمات ونادية لطفي – اختيار لا يخلو من قصدية، بالإضافة إلى تحديدات أخرى، فهم في أعمار متقاربة، ولهم اهتمامات خاصة بالفن التشكيلي، سواء من خلال الدرس الأكاديمي، أو من خلال الوعي بحدود هذا الفن، وينتمون إلى طبقات وأديان مختلفة، مما يجعل هذه المجموعة نماذج دالة، لتصبح رمزا لجيل داخل مجتمع معين، جيل لا يصل إلى وعيه بذاته إلا من خلال وعيه بالمكان، وحركته داخل حدوده وتفاصيله.
فأعضاء الجماعة عاصم الصبروتي ومحسن الششتاوي وثائر أحمد وإحسان عبد الرحمن وسميحة زيدان وسامي فرج، بالإضافة إلى السارد الذي لم يكشف عن اسمه إلا في نهاية الرواية في إطار لحظة مغايرة عن لحظة السرد الروائي، يشكلون مدار حركة النص الروائي واهتمامه الأساسي، ولكن حركة السارد مع سميحة زيدان داخل الفضاء العام تعتبر الحركة الدائبة الكاشفة عن طبقات المكان وخصوصيته.
وهناك آليات تمّ الاعتماد عليها لتصوير خصوصية الرائحة التي تتراكم مع كل ذكر لحدث أو لمكان أو لاسم من الأسماء له خصوصية، وتشغل حيزا في الذاكرة والخيال، أولها السرد المعلوماتي الخاص بالأماكن التي تحمل خصوصية، ليست في ذاتها، ولكن في سردياتها وأخبارها الخيالية التي تظل حاضرة في صناعة ذاكرة جديدة. فحين يقرأ القارئ أسماء أماكن مثل الحي اللاتيني، وميدان الخرطوم، ومقابر اليهود الخاصة بالفقراء أو الأغنياء، وتمثال كاتمة الأسرار لمحمود مختار، ودار رعاية المسنين الألماني، والمعسكر الروماني، ومساكن الطابية في الأنفوشي، وبار الوطنية، ومقهى البورصة، وبوفيه فيليب، وشارع ألبير، ومسجد عبدالله بن زين العابدين، وشارع ألبير، وشركة كوتاريللي للدخان، وشقق المهاجرين، والمقبرة الرومانية (الكاتكومب) في كوم الشقافة، حديقة إلبي، ومخازن البن البرازيلي، أو إلى العمود البطلمي، أو إلى تمثال الإلهة سخمت، فسيجد نفسه أمام طبقات معمارية متباينة فنيا وزمنيا، وإن كانت متجاورة آنيا لحظة المقاربة، مما يخلق حالة مملوءة بالتعدد، ويعطي المتاهة التي جاءت في العنوان مشروعية.
ويعدّ حضور لورانس داريل حضورا لافتا، لأن الرواية وإن كانت تتقاطع مع قاهرة محفوظ، فإنها أيضا مشدودة ربما بدون وعي إلى عمل لورانس داريل، وإلى طبقته في تصوير المدينة ومحاولة الإمساك بروحها. وفي تعداده وسرده للأسماء والنماذج التي ارتبطت بالإسكندرية وعاشت بها، قد يشير إلى سردية الاسم وحكايته. وتتعدد أسماء الفنانين والكتاب والشعراء الذين شكلوا جزءا من طبيعة المدينة من غير المصريين مثل الشاعر اليوناني كفافيس، والفنان الإيطالي جوزيبي سيباستي، والفرنسي مارسيل ساليناس، واليوناني بابا جورج، والأرمني همبر، ومن المصريين سيد درويش، والأخوان سيف وأدهم وانلي وآخرون، بالإضافة إلى المهاجرين السوريين أصحاب مخازن البن البرازيلي، وعائلة الطائفة السريانية. ولكن الرواية في انتصارها لطبيعة المكان وسماته وطبقاته لا تكتفي بذكر الأسماء، سواء للأماكن أو للشخصيات، ولكنها تتأسس في إطار نمط ثان ربما يكون أكثر دلالة على الطبقات المتوالية للمكان، وذلك حين يعتمد النص الروائي على الحكايا الصغرى المصاحبة للأماكن أو للأشخاص.
التعبير عن المدينة وطبقات الذاكرة الخاصة بها، لا ينفصل عن الحكاية الخاصة بالسارد وبوعيه واكتشاف طريقه وإدراكه، وتحديد بوصلته في طريق الفن، والصراعات الخاصة بالأفراد داخل الجيل لاكتشاف الطريق أو الفن المناسب، خروجا من هذا التراتب داخل مجموعة الحمير الذي ينتمي إليها مهمشا، دون إحساس حقيقي بوجود موهبة في الفن التشكيلي. وقد أدى إلى ذلك الترابط الشديد أن السرد عن الشخصية سرد منفتح لا ينحو نحو الاكتمال في وقفة وحيدة ونهائية، ولكن يعبر عنها باستمرار على مدار الرواية.

المنطق الشعري وبناء الشخصيات

لعلاء خالد طريقة في الكتابة الروائية وثيقة الصلة بالمنطق الشعري، ليس في الصور أو اللغة، وإن كان كل ذلك متاحا، ولكنه يتجلى بشكل لافت في منطق التوجيه والحركة، فالمنطق الخاص بطبيعة سلوك الشخصيات لا يمكن تلقيه أو فهمه إلا من خلال منطق شعري في مقاربة الحياة والوجود، وذلك في رصد طبيعة العلاقات بين الشخصيات، وردود أفعالها، وتبرير السلوك الخاص بها في إسدال نوع من التميز أو الغرابة.
تبرير السلوك في الرواية لا يخضع لمنطق سطحي، فلا يمكن أن يعاينه أي شخص، لأنه منطق بنائي لا يتشكل إلا لحظة القراءة انطلاقا من توجيهات جزئية حياتية، فهو منطق يتكوّن بالتدريج، منطق قائم على المحاصرة والشحن في الآن ذاته، حتى يتخلى القارئ عن منطقه المباشر والمؤسس سابقا والمتواتر في مثل هذه المواقف، ليذوب بالتدريج، ويتساوق مع منطق النص الذي يؤسسه الكاتب بحرفة ومهارة شديدتين، حتى يشعر القارئ بالتسليم والانغماس.
المنطق الشعري المرتبط بالانفتاح والإرجاء مارس نوعا من التأثير على تشكيل الشخصيات، وعلى طبيعة الحكاية الخاصة بكل شخصية، فهناك حكاية لكل شخصية من شخصيات جماعة الحمير، ولشخصيات أخرى ظلّ وجودها أو سطوعها في النص ملموسا، ولكنها لا تقدم وفق سنن كتابي كلاسيكي، سواء بالتراتب الزمني أو التراتب الخاص بالحدث، فقد قدمت بطريقة لا تحفز على الإلمام بأطراف الحكاية، وإنما لاستشعار رائحتها عن بعد، فهي حكايات ليست مولدة من الثبات، وإنما من حركة الشخصيات التي لا تنفصل طبيعتها عن المكان الذي يصبح بجزئياته التليدة أو الآنية هو المحرّك والشاهد على ميلاد طبقة وعي جديدة لهذا الجيل تحمل رائحة للمكان.
وقد أدى هذا التوجه في الكتابة داخل منطق شعري إلى أن كل الحكايات التي قدمتها الرواية غير منتهية، فهي حكايات داخل سلسلة أكبر، تكيّف وجودها الجزئي، حكايات تتولّد من الحركة، ولا يعرف لها نهاية، باستثناء حياة الفنان عصمت صبري التي لم تحسم الرواية أمرها في الوصول إلى نهاية أم لا، بل ظلت الرواية تراوح القارئ بين وجود النهاية ونفي وجودها، وذلك للإشارة إلى الوجود الجزئي أو الذري للكائنات أو للحيوات المتعددة أو المؤجلة لكل شخصية، وهي فكرة تلحّ عليها الرواية كثيرا، سواء مع السارد أو مع الشخصيات الأخرى. الرواية في الأساس مهمومة بتصوير حكاية الفرد، فهي رحلة لفهم الذات وانحناءاتها الخفية، ورحلة للوعي والإدراك والتطرق إلى الأسئلة الوجودية، ورحلة للوعي بالمكان وطبقاته، للوصول إلى رائحة المدن الكبرى الأسطورية، تلك الرائحة التي يحسّ ويشعر بها البشر، ولكنهم لا يستطيعون الإمساك بها أو التعبير عنها، لأن الألفاظ حتى بعد إطلاقها لاصطياد الرائحة، تظل خاوية لا تحمل شيئا من حضورها الدافق والمتفلّت في آن.

علاء خالد: «متاهة الإسكندرية»
دار الشروق، القاهرة 2021
401 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية