لم يجد مصطفى كمال أتاتورك أمامه سوى الحديث عن الأتراك لاقتناص الكتلة الأوسع من الأراضي، التي كانت برسم الالتهام والتقسيم، مع الانهيار التراجيدي للإمبراطورية العثمانية، فمصطلح العثماني كان أوسع من أن تتحمله دولة حديثة ناشئة في منطقة معقدة من العالم، فالأراضي التركية قبل الإسلام كانت جزءا أصيلا من العالم الهيلليني الإغريقي، وطروادة التي شغلت جانبا كبيرا في الأدب الإغريقي تقع حاليا ضمن حدود الدولة التركية، وبعد الإغريق كان الرومان، وورثتهم في الإمبراطورية البيزنطية، وعند الحديث عن الأتراك بوصفهم شعبا طارئا على المنطقة، فذلك يعني المقارنة بالعرب والفرس، الذين عاشوا في هذه المناطق لآلاف السنين، بينما تدفقت الشعوب التركية منذ فترة لا تزيد عن ألف عام.
لم يكن أمام أتاتورك سوى التمسك بهذه الهوية، فالأرمن والجورجيون شعوب قديمة، ومثلهم العرب والفرس والأكراد، ولإثبات الذات وسط هذا الوجود الحضاري لشعوب قديمة في المنطقة، كان التأكيد على المقولة التركية بصورة متطرفة أداة دفاعية بالصورة الأساسية، وحقيقة، أن أتاتورك في العيون التركية الحديثة شخصية لا يمكن تجاوزها، أو التقليل من قيمتها، لأنه لم يكن قائدا سياسيا وعسكريا استثنائيا، بقدر ما كان شخصا قام بتوظيف الأسطورة والسردية، من أجل بناء أمة لم يكن أحد متأكدا من أهلية وجودها على المدى البعيد، وكما تحدثت أساطير الشعوب التركية عن الذئب الأغبر، الذي كان له دور في إرشادها في زمن المحنة، ومقاربة الفناء، فإن أتاتورك يقارب هذه المكانة لأتراك الدولة الحديثة.
لا يوجد غير الأتراك على الأرض التركية، لم ينص الدستور التركي على هذه المقولة صراحة، ولكنها أصبحت لسان الحال، من أجل بناء هوية الدولة، وكان على الأكراد في المقابل أن يدفعوا الثمن للمرة الثانية، بعد أن دفعوه في معاهدة لوزان، التي أجهضت تأسيس دولة كردية، وأصبحت الهوية الكردية الصارخة والقوية والمستندة إلى تاريخ طويل في حالة معاناة مستمرة لترويضها من قبل الأتراك، وضمان عدم تناقضها مع البنية الرمزية التي صنعت للجمهورية التركية. لم يكن ذلك مجرد إجراءات قانونية، فالكثير من الأعمال القمعية مورست ضد الأكراد، ومنها تمرد درسيم في الثلاثينيات، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 13 ألف كردي، وهو الأمر الذي حظي باعتذار من الرئيس التركي أردوغان في 2011، وهو الأمر الذي أثار جدلا سياسيا وقانونيا في تركيا. وسط هذا التاريخ ظهرت شخصية عبد الله أوجلان، ليشغل موقعا شاغرا في الذاكرة البطولية للشعب الكردي، مع تأسيسه لحزب العمال الكردستاني في السبعينيات من القرن الماضي، ويبدأ مسيرة نضالية انتقلت من المناداة بتأسيس مجتمع ماركسي في دولة كردية، إلى المناداة بالديمقراطية التشاركية، لتعزيز التنوع في المجتمع التركي، بحيث يستوعب جميع المكونات بصورة تكفل للأكراد وغيرهم أن يعبروا عن خصوصيتهم ضمن المنظومة الأوسع. أتى اعتقال أوجلان في مرحلة لم تكن فكرته حول الديمقراطية التشاركية مقبولة، ضمن القواعد السائدة في السياسة التركية، وتحول هو نفسه إلى جزء من دواعي الغضب الكردي، والتصعيد الذي يحدث بين وقت وآخر، وتحول الملف الكردي والمواقف منه إلى أحد الأوراق السياسية التركية، التي تتعرض للشد والجذب بين القوميين والإسلاميين والأطياف الأخرى.
تخدم خطوة أوجلان الدولة التركية، ليس لأنها تزيح عبء المقاومة الكردية وتحولها إلى ملف سياسي، ولكن لأن ذلك يعطيها أفقا إقليميا تحتاجه في ترتيب المنطقة بعد سقوط نظام الأسد
لأكثر من ربع قرن يعيش أوجلان في سجنه الحصين في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، ويشكل رمزا لأتباع مخلصين أصبحوا مع الوقت سؤالا تركيا أكثر مما أخذوا يمثلون مسألة كردية، فالتحولات في الأوضاع الكردية في العراق، والواقع الجديد الذي فرض في كردستان العراق، بالإضافة إلى التفاعلات التي لحقت بأكراد سوريا في السنوات الأخيرة، جعلت حزب العمال الكردستاني في خانة الحزب ذي النزعة الانشقاقية أو الإصلاحية الجذرية، بأكثر مما يمثل إجماعا كرديا؛ وأثناء فترة حبسه كان الحديث يدور حول مبادرات مختلفة من أجل التقدم بالعلاقة بين الحزب والدولة التركية، إلا أن تأخيرا وراء تأخير أتى نتيجة صراع القوى التركية المختلفة، ونظرة كل منها تجاه الحقوق الكردية المرتبطة بواقع لا يمكن الانصياع له ولا يمكن تجاوزه أيضا.
في مرحلة حرجة يلقي أوجلان بما هو أكثر من مبادرة، مع دعوته لحل الحزب وإلقاء سلاحه، ولا يتوقع أن ذلك يأتي بصورة مجانية من غير ترتيبات حول مكتسبات مختلفة سيتحصل عليها الأكراد ضمن المنظومة التركية الأوسع، ولكن هذه الخطوة ليست تركية خالصة، ولا هي بالكردية الكاملة، فالأكراد يبدون في الأسابيع الأخيرة بعد سقوط الأسد، وحكم الأمر الواقع من خلال سيطرتهم على مساحات واسعة من سوريا أمام تجربة أو مغامرة يمكن أن يخوضوها للحصول على إقليم مشابه لكردستان العراق، أو أن يصبحوا جزءا من هلال قلق يتكامل مع جنوب سوريا، خاصة الطائفة الدرزية، ويبدو أن هذه الخطوة تأتي للتحوط التركي الاستباقي تجاه الخيارات الكردية التي تطرح على الساحة الإقليمية حاليا. تخدم خطوة أوجلان الدولة التركية، ليس لأنها تزيح عبء المقاومة الكردية بصورتها التقليدية وتحولها إلى ملف سياسي، ولكن لأن ذلك يعطيها أفقا إقليميا تحتاجه في ترتيب المنطقة بعد سقوط نظام الرئيس الأسد، وبما يجعلها أكثر أريحية في بناء منطقة نفوذ واسعة ويزيد من حصتها في شرق المتوسط بثرواته المكتشفة حديثا.
لم يسقط أوجلان ولم يتناقض مع أفكاره ومع مبادئه، ولكن التوقيت يلقي ظلاله على الإقليم ككل، ويصنع تحديات جديدة، خاصة أنه ليس متوقعا أن ينصاع حزب العمال الكردستاني لتوجيهات قائده التاريخي بالصورة التي يمكن أن يتوقعها الأتراك، ولكن ما يمكن استخلاصه أن تركيا اليوم جادةٌ في استئناف مشروع إقليمي عطلته ارتدادات الربيع العربي والهيمنة الإيرانية على العراق وسوريا، وهذه قصة ستشغل المنطقة ربما لسنوات مقبلة.
كاتب أردني
اح