كسر العدوان الإسرائيلي على قطر، يوم الثلاثاء الماضي، عدة معادلات سياسية عربية وإقليمية وعالمية.
قطر واحدة من دول «مجلس التعاون الخليجي» الذي يمثّل أحد أهم المراكز في الاقتصاد العالمي. تمتلك دول المجلس صناديق نقدية كبرى تستثمر في الغرب وباقي أنحاء العالم، وهي مصدر هائل للموارد الطبيعية شديدة الأهمية، من النفط والغاز والذهب وغيرها، كما أنها مواقع استقطاب جاذبة كبرى للعمالة والسياحة والأعمال. يشكّل الاعتداء، ضمن السياق الآنف، تهديدا لكل ما تمثّله دول مجلس التعاون لاقتصاد المنطقة العربية والعالم.
تملك دول مجلس التعاون الخليجي، أيضا، ما يمكن أن نسميه «احتياطيا استراتيجيا» سياسيا. تقف المملكة العربية السعودية على رأس هذا الاحتياطيّ بموقعها الجغرافيّ والتاريخي المركزي في تاريخ الإسلام. ساهم هذا الموقع، والثروات الطبيعية الموجودة في المنطقة، والاعتدال السياسي الذي ميّزها، والتحالف مع الغرب، في مراكمة مجمل دول المجلس أشكالا من هذا الاحتياطي الاستراتيجي الذي عزّز قوتها الناعمة وجاذبيتها الخارجية.
شكّلت دول الخليج العربي، بعد تأسيس إسرائيل عام 1948، ملجأ لجيل من الفلسطينيين الرواد، الذين ساهموا في تعزيز البنى التحتية وقطاعات الأعمال والتعليم لتلك الدول، ومع تتابع الحروب الإسرائيلية على المنطقة العربية، استقبلت تلك الدول أجيالا أخرى من أبناء الدول المتضررة من توسّعات إسرائيل واعتداءاتها المتكررة، فساهموا بدورهم في تنمية تلك الدول، كما قدّمت لهم وطنا ثانيا لهم وأبنائهم الذين ولدوا على أراضيها.
رغم انهماك دول الخليج العربي، منذ الخمسينيات، في بناء أركان الدول الوطنية، وبعدها الجغرافيّ عن إسرائيل، فقد كان لبعض هذه الدول، مثل السعودية والكويت، أثر مهم في احتضان، ومن ثم تأسيس ودعم الحركة الوطنية الفلسطينية (تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964).
بعد مرحلة الصراع بين السعودية (ونظيراتها الخليجيات) مع نظام جمال عبد الناصر، عادت المنطقة الخليجية للعب دور الحاضنة الموازنة، وأخذت دورا فاعلا في حرب 1973 عبر قطع النفط عن الدول الغربية المناصرة لإسرائيل، وعاد الصراع العربيّ مجددا مع غزو العراق للكويت، عام 1990، ودفع الفلسطينيون، بدورهم، ثمنا باهظا لهذا الصراع، قبل وبعد «التحالف» الأمريكي ـ العربي للعراق، عام 2003، والأغلب أن نشوء تيّار رسميّ خليجيّ (وعربي) متقبّل التخلّي عن الفلسطينيين، مرتبط بذلك الانهيار المديد الذي ساهمت إسرائيل، من جهة، ودول «الانقلابات العسكرية» العربية، من جهة أخرى، في تشكيله.
شكّل اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، عام 1979، وبعده اتفاقية أوسلو، عام 1993، واتفاق وادي عربة 1994 بين الأردن وإسرائيل، مخرجا ممكنا للصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكنّ هذا المسار تآكل بالتدريج، مع صعود بنيامين نتنياهو، وتيارات الصهيونية اليهودية، الحالمة بإسرائيل الكبرى، والتهجير القسريّ للفلسطينيين، وصولا إلى اللحظة الكارثية الراهنة، التي ساهمت عملية 7 تشرين أول/ أكتوبر، في كشفها وتسريع تفاعلاتها.
يمثّل العدوان الإسرائيلي على قطر، ضمن هذا السياق التاريخي، إعلانا كاشفا عن إلغاء إسرائيل لمعادلة «التطبيع العربي» مقابل «الدولة الفلسطينية» وإحلال معادلة «التطبيع» العربي والعالمي مع القوة الفائضة الإسرائيلية التي لا حدود تقف عندها. الأكيد أن دول الخليج استشعرت هذا الزلزال الأمني وأنها تتدارس، مجموعة، أو كل على حدة، تداعيات هذا الإعلان الخطير.