تهاوٍ متسارع نشهده لشعارات كبرى شكّلت رؤية المنطقة العربية لذاتها، من السرديات القومية والدينية، إلى التحرُّرية الوطنية. وتصدّع واضح يطال الخطابات السلمية والعنفية معا في ظلّ مدّ يميني شعبوي ومتطرف. في هذا التحوّل العميق للمشهدين السياسي والثقافي، تتجلى الأزمة بأوضح صورها في غزة، لتكشف من خلال مأساتها خواء كثير من السرديات، واختلالا غير مسبوق في موازين القوى. ما زالت، فلسطين في قلب هذا المشهد، ومعها دول الجوار التي تحملت الكلفة الأعلى من معادلة قاسية تقوم على ثنائية الاستعمار والاستبداد.
مع تفجّر مأساة الثورة السورية، ثم مأساة غزة، بلغ الاستقطاب ذروته. فبعضٌ انحاز إلى مأساة السوريين، واضعا ظلم النظام الأسدي فوق كل ظلم آخر، وبعضٌ آخر ركَّز على فظائع الاحتلال الإسرائيلي، متعاملا مع ما عداه بوصفه تراجيديا هامشية. هذا الانقسام قام على وهم شائع بأن التحرُّر ممكن، لكن الطرف الآخر هو العائق. ومن هنا، تفاقمت التبريرية المتبادلة، كل خطاب مظلومية صار يُواجَه بخطاب مظلومية مضادة، في حلقة مغلقة رسّخت الانقسام، وأعادت إنتاجه بلبوس طائفي وثقافي. وسط هذا الاستقطاب، يبحث ثالثٌ عن مخرج ثالث، خارج هذه الثنائية التي تحاصر المعادلة.
إنها معادلة تتجاوز قدرة السياسة على احتوائها؛ وكلما زاد اختزالها إلى موقف سياسي أحادي البعد، استعصت وتفاقمت. فلا الانحياز إلى أحد طرفيها ممكن، ولا التنصّل منها بـ»اضرب الظالمين بالظالمين» يجعلنا بمنأى عن تبعاتها، لأنها ليست مجرد مسألة سياسية، بل هي تعبير عن بنية فلسفية وثقافية عميقة، نشأت مع الحداثة التي أرست ثنائية التفكير والصراع، وأفضت إلى تناقضات، وفتحت الباب أمام سؤال الفلسفة. وهذا يعني أن التعامل مع هذه الثنائية يستدعي موقفين متوازيين: الأول سياسي والآخر فلسفي/ثقافي. أما اختزالها إلى سياسة فهو إعلان ضمني باستحالة الحلّ من البداية. غير أن الانحياز إلى أحد طرفيها لا ينبع دائما من أيديولوجيا، بل يتشكّل غالبا من موقع محدَّد داخل شبكة معقّدة من الامتيازات، والمفاهيم، والتجارب التي يعيشها المرء. وهذا يستدعي قدرا من التواضع في الإقرار بأن التحرُّر لا يؤدي بالضرورة إلى حلول، بل يفضي بدوره إلى مشكلات جديدة. وهنا تتبدّى مفارقة جوهرية: فحتى «التحرُّر» منها ليس خروجا جذريا عنها. وهذا يعني أننا أمام إشكالٍ بنيوي عميق.
تاريخيا، انصبّ التركيز النقدي في البداية على نقد الاستعمار. فنقد الاستعمار لم يكن مجرد اعتراض على ممارسة سياسية، بل كان في جوهره نقدا للحظة ثقافية أيضا. إن العقلانية الحداثية التي أسَّسها الكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر، إذن أنا موجود» لم تكن ممكنة من دون كوجيتو سياسي سابق: «أنا أستعمر، إذن أنا موجود». هذا الكوجيتو الثقافي وُلد من رحم الحركات الاستعمارية الكبرى في القرن الخامس والسادس عشر. لذلك كان نقد الاستعمار جوهريا لتطوّر مشروع الحداثة، فأنجبت الحداثة ما يشبه نقيضها: نقد الاستعمار. غير أن هذا النقد، حين اختُزل إلى بعدٍ واحد من دون مساءلة نتائجه، تحوّل إلى مشكلة، ورسَّخ بنى الاستبداد. وعندما أُعيد توظيفه في سياقات ما بعد الاستعمار، اتخذ شكل أنظمة قومية، وإسلامية، ويسارية، رفعت شعارات مناهضة الغرب والاستعمار والإمبريالية، لكنها مارست في المقابل عنفا وقمعا تجاوز في شدّته ما مارسه المستعمِر نفسه. لاحقا، انتقل نقد الاستعمار إلى نقد الاستبداد، كمحاولة لتجاوز المأزق. وهنا أيضا، برزت لحظتان متداخلتان: لحظة سياسية وأخرى ثقافية.
ففي ظل التحولات السياسية الكبرى خلال القرن العشرين، التي بلغت ذروتها بصعود النموذج الليبرالي الأمريكي، حدث تحوّل عميق في الثقافة. برز ما يمكن تسميته بـ»كوجيتو ما بعد الحداثة السلمي»، القائم على عبارات من قبيل: «أنا لا أستعمر، إذن أنا موجود»، و»لستُ نتاجا لعقلي، بل نتاج السلطة وخطاباتها». هذا التحوّل لم يكن ممكنا لولا بروز سردية «نهاية التاريخ»، التي روجت فكرة السلام الليبرالي كخاتمة للثنائيات والصراعات. ونتيجة لذلك، تحوّل مركز الثقل من نقد الاستعمار إلى نقد الاستبداد، وظهرت نظريات السلطة والاستبداد والهوية. غير أن المأزق لم يُحلّ، بل عاد بقوة بسبب هذا النقد نفسه. فقد استعاد اليمين العالمي زخمه، وها نحن اليوم نعيش تحوّلات غير مسبوقة تمسّ الاقتصاد والهويات والديموغرافيا. يُضاف إلى ذلك ثورة الذكاء الاصطناعي، وما تحمله من تداعيات على المعرفة والسلطة. وفي قلب ذلك كلّه، جاءت الحرب على غزة لتشكّل لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح النظام العالمي. هنا يبرز شكل جديد من النقد، نقد الاستعمار والاستبداد معا، خصوصا لدينا نحن أبناء هذه المنطقة المنكوبة، التي لم تفقد ذاكرتها بعد، وما زالت تعيش في ظل الاستعمار والاستبداد، وأشكال متجددة من القهر. هذا النقد لا ينحاز ببساطة إلى «هذا» أو «ذاك»، بل غالبا ما يتجلّى في موقف أخلاقوي يُريح قائله، لكنه في جوهره يلغي السياسة، ويحوّلها إلى مسألة ضمير فردي منزوع من السياق البنيوي والتاريخي.
ما تمارسه إسرائيل اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن الاستعمار أو الاستيطان، بل هو شيء مختلف تماما، لا اسم آخر له سوى «الإبادة»، وهو أكبر ممثل للحظة السياسية التي نعيشها.
وعليه، ما ينبغي الوقوف عنده ليس الثنائية، بل فكرة نقدها. فالإشكال الجوهري لا يكمن في مَن ننقد، بل في كيف ننقد، في نموذج النقد، الذي حين خرج من الكتب إلى الشارع، تحوّل إلى نضال «تحرُّري»، يقوم على فعل «النزع»: نزع الاستعمار والاستبداد، ونزع الحجاب عن الحقيقة لكشفها. في كلتا الحالتين، تُفترض الحقيقة أو الحرية كمغيّبة أو محجوبة، ويُفترض أن مجرد كشفها يكفي لتحريرها. من هنا نشأت فكرة الثورة بصيغتها الحداثية، وظهرت حروب «العصابات»، وغيرها من الحركات التي جسدت مبدأ: أن الفعل الثوري والنقدي يجب أن يكون نزعا، بصرف النظر عن توازن القوى والنتائج. وهذا يتجلّى اليوم من جديد في نقد الاستعمار والاستبداد من دون طرح سؤال: إلى ماذا سيؤول هذا النقد؟ فعندما يؤدي نقد الاستعمار إلى إنتاج الاستبداد، وحين يُفضي نقد الاستبداد بدوره إلى تكريس الاستعمار، إلى أين يتجه نقدهما معا؟
لا شكّ أننا نتجه إلى واقع جديد، ونحن نعيشه بالفعل، فالاستعمار والاستبداد، كمقولتين، لم يعد لهما المعنى نفسه. لقد تغيرت طبيعة الحروب، ويتضّح ذلك في الحرب على غزة، التي برزت كأهم حدث خلال العامين الأخيرين، لا كحدث سياسي وحسب، بل كحدث فلسفي يؤسِّس لمرحلة جديدة ونمط مختلف من الصراعات. ما تمارسه إسرائيل اليوم لا يمكن تصنيفه ضمن الاستعمار أو الاستيطان، بل هو شيء مختلف تماما، لا اسم آخر له سوى «الإبادة»، وهو أكبر ممثل للحظة السياسية التي نعيشها. ولا شيء يعزز منطق «الإبادة» الواحدي سوى إلغاء المنطق الثنائي. فالإبادة ليست مجرد فعل، بل هي شكل من أشكال الواحدية التي تجمع بين الاستعمار والاستبداد، بين المتعالي والمحايث. إن الإبادة تتمثل هنا في سرعتها، إصرارها، وإيقاعها. وحربها مثلها مستمرة بلا توقف، وبوتيرة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. وربما أكثر ما منح هذه اللحظة السياسية زخمها هو اللحظة الثقافية، أي ثورة الذكاء الاصطناعي التقنية؛ لا كأدوات أو تطبيقات تُستخدم في الحرب، بل كمنطق وسُلطة. ليس من قبيل المصادفة أن يتصدر المشهد اليوم كوجيتو الذكاء الاصطناعي، كصوت مضمَر يعبر عن اللحظة الثقافية والسياسية معا، حيث يقول: «أنا أُبيد، إذن أنا موجود». فالإبادة في سياق التكنولوجيا تعني طمس الثنائيات والتعدد، طمس الفجوة بين الذات وموضوعها لمصلحة الموضوع، وإلغاء السؤال الفلسفي ذاته لمصلحة الإجابة الخوارزمية. مع ذلك، فإن التمييز بين الثقافي والسياسي يتيح لنا التفكير في هذه الإبادة لا بوصفها قدرا محتوما، بل كمنطق يمكن مساءلته. فإذا كان اللحظة السياسية (الحرب) واحدية، فإن الثقافي يحتفظ بإمكانية إنتاج نقيضه، وهذا ما يدعونا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى الانخراط في التكنولوجيا نقديا. بالعودة إلى السياسة وسردياتها، ربما الأخطر هنا، مع تراجع الثنائيات وتنامي دور بعض حركات الإسلام السياسي، يلوح في الأفق احتمال تقاطع ثقافي بين بعض تياراته وهذا الكوجيتو التكنولوجي الجديد؛ فالإسلام الذي يسعى لاستعادة موضوعه الواحدي المفقود في الأندلس، في لحظة ما قبل الحداثة، قد يرى في هذا الكوجيتو الواحدي فرصة للنهوض من جديد. مع ذلك، لا يزال إسلامٌ نحبّه ونتمناه كامنا في قلب ثنائية حداثية لم نكتشفها بعد. إسلام لم يفقد موضوعه يوما، بل ذاته.
أما عن مأساة النقد، فلا فكاك من أسر الثنائيات باللجوء إلى الواحدية، بل بالنقد المستمر والمحايث. ومن هنا، يغدو التمييز بين الثقافي والسياسي جوهريا؛ إذ قد لا يستلزم رفض الاستبداد سياسيا رفضه ثقافيا، بل نقده، وكذلك الحال مع الاستعمار تاريخيا. فمثل هذه الفروق الدقيقة هي ما يسمح لنا بصوغ موقف نقدي أقل مأساوية..
كاتبة سورية