“ليزيكو”: لهذا قد يخدم إلغاء الرسوم الجمركية مصالح ترامب بشكل فارِق

حجم الخط
0

باريس- “القدس العربي”:

توقّفت صحيفة “ليزيكو” الاقتصادية الفرنسية عند إلغاء المحكمة العليا الأمريكية الأساس القانوني لرسوم “المعاملة بالمثل” التي فرضها دونالد ترامب، باعتبار أن قانون الطوارئ الاقتصادي الدولي (IEEPA) لا يجيز للرئيس فرض هذه الرسوم بشكل أحادي، كون فرض الضرائب من صلاحيات الكونغرس.

القرار يطال الرسوم الشاملة التي فُرضت على دول مثل كندا والمكسيك والصين، والتي تراوحت بين 10% و40%. لكن الرسوم الأخرى ما زالت قائمة، مثل: الرسوم المفروضة سابقاً على الصين منذ الولاية الأولى لترامب، ورسوم 50% على الصلب والألمنيوم وبعض منتجات النحاس. ورسوم 25% على السيارات؛ وذلك لأنها تستند إلى أسس قانونية مختلفة.

“ليزيكو”، رأت أنه مع خسارة قدرها 133 مليار دولار من عائدات الرسوم الجمركية المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادي الدولي (IEEPA) خلال عام 2025 وحده (حتى منتصف ديسمبر)، يملك الرئيس دونالد ترامب أسباباً تدفعه إلى الغضب من المحكمة العليا، التي قررت إلغاء الرسوم “المتبادلة” والعقابية التي شكّلت 67% من إجمالي الإيرادات الجمركية خلال عام.

ووصف ترامب القرار بأنه “وصمة عار”، إذ يحرمُه من موارد مالية كبيرة ومن وسيلة للضغط وانتزاع مزايا تجارية وتنازلات سياسية من الدول الأجنبية.

مع ذلك، تقول الصحيفة، قد يخرج من هذا الضرر خير محتمل: فخفضٌ مُدار للرسوم الجمركية قد يعود بالفائدة على النمو الأمريكي ويُحسّن فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر، وذلك بشرط ألا يُفرط الرئيس ترامب في اللجوء إلى بدائل لرسوم قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) بدافع الكبرياء أو روح الانتقام، تقول “ليزيكو”.

من جهة، تضيف الصحيفة، كان الرئيس الأمريكي قد وعد بإصلاح المالية العامة عبر عائدات الرسوم الجمركية، ثم إعادة توزيع جزء من هذه “المنّة” على الأمريكيين عبر شيكات بقيمة 2000 دولار، إضافة إلى 12 مليار دولار لتعويض المزارعين عن صادراتهم المفقودة. ولن يكون بإمكانه (ترامب) الوفاء بكل هذه الوعود.

ضرائب أقل في عام 2026

من جهة أخرى، ستنخفض الأعباء الضريبية تلقائياً، ما قد يمنح دفعة للاستثمار والاستهلاك، وبالتالي للنمو. فوفقاً لفرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، تتحمل الشركات والأسر الأمريكية 90% من عبء الرسوم الجمركية الجديدة، وهذا ما يؤكده معظم الاقتصاديين، خلافاً لما يقوله المستشار الاقتصادي للرئيس كيفن هاسيت، الذي انتقد ما وصفها بـ“أسوأ دراسة في تاريخ نظام الاحتياطي الفيدرالي”، مطالباً بـ“إجراءات تأديبية”.

ترى مؤسسة “تاكس فاونديشن”، وهي مركز أبحاث غير حزبي، أن “رسوم ترامب” كلّفت الأسر الأمريكية ما يعادل 1000 دولار من الضرائب العام الماضي، مرجّحة أن تنخفض الفاتورة إلى 400 دولار في العام الجاري 2026، إذا اكتفت الحكومة بالرسوم القطاعية الحالية.

كما تعاني شركات كثيرة من الحواجز الجمركية -تُشير “ليزيكو”- إذ ارتفعت تكاليفها إما لأنها لا تستطيع الاستغناء عن السلع المنتجة في الخارج، أو لأن تراجع المنافسة أدى إلى ارتفاع الأسعار، أو لأنها مضطرة إلى إقليمية سلاسل التوريد، وهو أمر مكلف. وغالباً ما تضطر أيضاً إلى تقليص هوامش أرباحها كي لا تنفّر المستهلكين.

خفض سعر سلة التسوق

فالطبقة الوسطى، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود، يتحمّلون الآثار التضخمية للرسوم الجمركية. ووفقاً لمختبر الميزانية في جامعة ييل، رفعت الرسوم الجديدة (IEEPA والقطاعية) نفقات الاستهلاك -باستثناء الطاقة والغذاء- بنسبة 1.5% بين شهري يناير وديسمبر من عام 2025. ومن دونها، ربما كان التضخم قد عاد إلى المستوى المثالي البالغ 2%، تقول “ليزيكو”.

حتى سوق العمل قد يكون تضرر من الحواجز الجمركية، حيث قدّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس في شهر ديسمبر الماضي أن المستوردين الأمريكيين ربما أبطأوا التوظيف لتعويض زيادة النفقات الضريبية، ما قد يكون أضاف 0.1 نقطة مئوية إلى معدل البطالة. لكنه يظل حذراً في تقديراته، لأن التوظيف في القطاعات المحمية ربما ارتفع في المقابل.

إذا كان الاقتصاد الأمريكي في وضع جيد جداً، مع نمو بلغ 2.2% العام الماضي، فذلك ليس بفضل الرسوم الجمركية، بل رغمها، خلافاً لما تردده الحكومة، تقول “ليزيكو”، معتبرةً أن الأمريكيين ليسوا سذّجاً، ومشيرةً إلى أن 65% منهم يرون، وفق دراسة مشتركة بين مجلس العلاقات الخارجية (CFR) ومورنينغ كونسلت، أن الرسوم رفعت كلفة سلة التسوق والرعاية الصحية والنقل والسكن.

النتيجة أن أزمة كلفة المعيشة مكّنت الديمقراطيين من الفوز بانتخابات مفصلية في شهر نوفمبر الماضي، مثل زهران ممداني في نيويورك أو أبيغيل سبانبرغر في فيرجينيا، بعد أن خاضا حملة تحت شعار “القدرة على تحمّل التكاليف” (أسعار أكثر معقولية). وسيكون هذا الموضوع مجدداً محور انتخابات التجديد النصفي في أواخر العام الجاري 2026.

بدء إعادة المعايرة

لقد فهم دونالد ترامب ذلك جيداً، حتى وإن كان يواجه صعوبة في التركيز على هذا الهدف السياسي، تقول “ليزيكو”؛ موضّحة أنه بدأت بالفعل إعادة معايرة الحواجز الجمركية. ففي شهر نوفمبر، تم رفع الرسوم عن العديد من فئات المواد الغذائية والمنتجات اليومية، من اللحوم إلى الفواكه الاستوائية مروراً بالقهوة. ولم تدخل الرسوم على الأدوية حيّز التنفيذ قط، وبدلاً من ذلك فُرضت تخفيضات سعرية. كما حصل بائعو المطابخ والأثاث على مهلة.

والقصة مشابهة مع الشركات. فقد ضغطت المجموعات الكبرى في واشنطن وحصلت على إعفاءات العام الماضي، سواء في الإلكترونيات الاستهلاكية أو أشباه الموصلات أو صناعة السيارات، تشير “ليزيكو”.

ووفقاً لوكالة بلومبرغ، كتب “الثلاثة الكبار” في ديترويت إلى الفريق التجاري لترامب يوم الجمعة، مطالبين بإعادة تفعيل الحماية التي تعفيهم من دفع رسوم استيراد متعددة إذا ما استُبدلت الرسوم الملغاة برسوم جديدة.

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت يوم الجمعة أمام “النادي الاقتصادي في دالاس”: “أستطيع أن أؤكد لكم أن إجمالي الإيرادات التي ستجمعها الخزانة هذا العام لن يتغير كثيراً”. لكنه سيتغير، مع ذلك.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية