طرابلس – «القدس العربي»: أصدرت عشر دول هي: الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر والسعودية وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة، بياناً مشتركاً أكدت فيه التزامها الكامل بدعم سعي الليبيين نحو الوحدة والاستقرار والازدهار.
وجاء البيان ليجدد التأييد لخريطة الطريق التي وضعتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيته، بعد أيام فقط من قرار مجلس الأمن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. ويعكس هذا التحرك الدولي المتزامن رغبة متزايدة في استثمار اللحظة السياسية الحالية، ورفع مستوى التنسيق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين لدفع الأطراف الليبية نحو مسار سياسي واضح يقود إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
ورحبت الدول العشر بقرار التمديد الأممي، معتبرة أن الخطة الأممية تمثل الإطار الأكثر قابلية لإعادة إطلاق العملية السياسية. وحث البيان جميع الأطراف الليبية على استثمار هذا الزخم والعمل من أجل حوكمة موحدة، مؤكداً أن القيادة الليبية يجب أن تكون في صميم عملية التوافق.
وعلى الصعيد الأمني والعسكري، دعا البيان إلى تعزيز التنسيق بين الشرق والغرب، مشيداً بالجهود المبذولة لدمج قوات الأمن، وحث القادة الليبيين على اتخاذ خطوات إضافية لتوسيع هذا التنسيق وصولاً إلى التوحيد الكامل للمؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي البعد الاقتصادي، شددت الدول الموقّعة على ضرورة تعزيز المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة، معتبرة أن دعم هذه المؤسسات سيضع ليبيا على مسار سياسة اقتصادية مستدامة ويعزز إنتاج الطاقة. وأوضح البيان أن الاستقرار المالي للمصرف المركزي وتوجيه الموارد إلى التنمية ضمن إطار إشرافي متفق عليه يمثلان عنصرين أساسيين في بناء اقتصاد متماسك وقادر على جذب الاستثمارات. وشددت الدول العشر على أن التكامل الاقتصادي والأمني شرط لضمان سيادة ليبيا وازدهارها، وأن وجود مؤسسات قوية وموحدة يصب في مصلحة الليبيين والمنطقة والمجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، أكد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أن واشنطن ستظل في طليعة الجهود الرامية إلى تجاوز الانقسامات وتحقيق سلام دائم في ليبيا. وأشاد بولس بالخطوات الإيجابية التي شهدتها الساحة الليبية في الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك تجديد ولاية البعثة الأممية والاتفاق الليبي بشأن البرنامج التنموي الموحد، مؤكداً استمرار بلاده في قيادة المبادرات الدبلوماسية لمساعدة الأطراف الليبية للبناء على هذا الزخم.
ويأتي هذا الدعم الدولي المتجدد في وقت تعيش فيه ليبيا على وقع خلافات حادة بين حكومة الشرق المكلّفة من مجلس النواب وبين بعثة الأمم المتحدة، بعد إعلان حكومة أسامة حماد وقف تعاملها مع البعثة احتجاجاً على توقيع اتفاق تمويل مع دولة قطر لدعم مشروع الحوار السياسي.
ووصفت الحكومة الاتفاق بأنه «غير مسبوق» ويشكل «اعتداءً على السيادة الليبية»، معتبرة أن لجوء البعثة إلى تمويل خارجي دون التشاور مع السلطات يعد تجاوزاً لطبيعة دورها وانحيازاً يفتقر إلى الحياد. وشددت الحكومة على أنها ستواصل تعليق تواصلها مع البعثة إلى حين التراجع عن الاتفاق، مؤكدة أن أي مبادرة سياسية ممولة خارجياً «لن تحظى بأي اعتراف».
هذا التصعيد ليس منعزلاً عن نهج الحكومة المكلّفة، إذ سبق لأسامة حماد أن انتقد البعثة الأممية بسبب ما اعتبره تجاوزاً للخطوات التمهيدية المتعلقة بالإطار الانتخابي وتوحيد المؤسسات قبل إطلاق الحوار. واتهم البعثة بأنها «قفزت» على تلك المراحل ووجّهت مراسلات مباشرة إلى البلديات والجامعات من دون المرور عبر حكومته، معتبراً ذلك تعدياً على القوانين الليبية. ويتقاطع هذا الموقف مع الخطاب السياسي لخليفة حفتر الذي دعا إلى «خريطة طريق ليبية خالصة» ورفض أي مسارات «تُصاغ من الخارج»، مما يعكس التقاءً في المواقف قد يعمّق الانقسام بين الشرق والغرب في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة جمع الأطراف تحت مظلة واحدة.
وفي المقابل، ترى البعثة الأممية أن الاتفاق مع قطر جزء من مشروع مشترك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يهدف إلى دعم الحوار السياسي وتعزيز المشاركة المدنية. كما صدرت مواقف رافضة من حزب «صوت الشعب» الذي وصف التمويل بأنه «تطور مقلق» يعكس تدخلاً خارجياً يهدد استقلال القرار الوطني.
ويشكل هذا الخلاف امتداداً للجدل الدائر حول انطلاق «الحوار المهيكل» الذي بدأت البعثة في تلقي الترشيحات له، وهو أحد المكونات الأساسية في خارطة الطريق.
ويهدف الحوار، وفق البعثة، إلى تقديم توصيات تمهد لإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات وتعزيز الحوكمة في قطاعات حيوية، مع إشراك 120 مشاركاً من مختلف المناطق ونسبة تمثيل نسائي تبلغ 35 في المئة. ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2026 وإقرار توصيات توسّع وجودها في المدن الليبية وإنشاء قسم اقتصادي لدعم المسار المالي.
وفي الوقت الذي رحبت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا ودول أخرى بقرار التمديد واعتبرته تعزيزاً لجهود خريطة الطريق، واصل تجمع الأحزاب الليبية رفضه لما أسماه «النهج العبثي» للبعثة، معتبراً أن الحوار المهيكل لا يحقق أي تقدم حقيقي في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة قادرة على تنفيذ مخرجاته. وأكد التجمع أن الحل الحقيقي يبدأ من إرادة ليبية خالصة لا من مبادرات ممولة أو مسارات أممية متكررة.