اشتهرت نبوءة قديمة مفادها، أنه عندما تنقلب الأمور على أسرة تيودور، التي حكمت إنكلترا منذ عام 1485، فإن البلاد ستنقلب معها. انتهى حكم التيودوريين مع وفاة إليزابيث الأولى، وتولى جيمس ستيوارت، عرش إنكلترا واسكتلندا وأيرلندا عام 1603 (تحت اسم جيمس الأول). مع وصول ابنه تشارلز الأول الحكم عام 1625، بدا أن تلك النبوءة تتحقق فقد بدأ قرن من الاضطرابات السياسية الكبرى، ستؤدي في عام 1642، إلى نشوب أول ثورة حديثة في العالم، وسيكون القبض على تشارلز وقطع رأسه، في عام 1649، ذروة تاريخية كبرى فيها، وسابقة أولى في تاريخ البشرية.
إضافة إلى إيمانه بالسلطة الإلهية المطلقة لمؤسسة الملكيّة، الذي تسبّب في خلافه مع البرلمان، فقد كان هناك عامل إضافيّ مهم للخلاف، هو أنه كان يميل إلى اتجاه ديني أسسه الهولندي جاكوبس أرمينيوس، وقد اعتبر البرلمان، الذي يسيطر عليه البروتستانتيون، أفكار الملك هذه أقرب إلى «الخرافات البابوية»، وكانت هناك شكوك بأن الملك يريد أخذ البلاد باتجاه الكاثوليكية، وقد رد النواب المعارضون لتلك الأفكار، في عام 1629، بتقييد رئيس مجلس العموم في مقعده للتمكن من إصدار ثلاثة قرارات، أحدها ضد هذه البدع الدينية.
في كتابه «العالم المتوهّج: تاريخ جديد لإنكلترا الثورية»، يوظّف الكاتب البريطاني جوناثان هيلي شبكة معرفية تتسع، إلى جانب التاريخ الاجتماعي المتخصص فيه، للتاريخ الاقتصادي، والديموغرافيا، والتاريخ الثقافي، وتاريخ الرياضة، وتاريخ الأفكار، ولا يكتفي عبر هذه التشابكات بتفسير الثورة اللاحقة، والحرب الأهلية الطويلة، التي تخلّلتها، بالصراع السياسي «من الأعلى» الناشب بين الملك والبرلمان، بل يبرهن أيضا، على كيفية اشتغال السياسة «من الأسفل» وتأثيرها الجليّ في الأحداث.
لماذا استخدمت الملكيّة كراهية النساء كسلاح؟
تبدأ هذه البرهنة بمثال ظريف تقوم فيه إحدى السيدات الإقطاعيات الكاثوليكيات بتقديم طريقتها في الاحتفال بسنة على تتويج الملك جيمس الأول، بترتيب حفل وهمي تتلى فيه الطقوس البروتستانتية ولكن الزواج يكون بين خادمين ذكرين، كان المقصود منه أن حكم جيمس الأول انقلاب على المنطق الطبيعي للعالم. يظهر الكتاب الدور المركزي الذي لعبه الرجال والنساء العاديون في تشكيل مسار الأحداث السياسية، وفي دفع التغيير الجذري، خصوصا في لندن التي ساهم جمهورها العام في الأزمة السياسية، التي ابتدأت عام 1640 وأدت في النهاية إلى نشوب الحرب الأهلية، عبر دعم سكان المدينة للنواب الراديكاليين في المنعطفات التاريخية الحاسمة.
لعبت النساء، اللاتي تم تهميشهن في تأريخ تلك الحقبة، دورا مهما يظهر، مثلا، في كيفية استخدام الملكيّة كراهية النساء في دعايتها، عبر إصدار قوائم ساخرة بأسماء نساء راديكاليات خياليات، وبذلك استخدمت الكراهية المتجذّرة للنساء (في عصر شاع فيه ما سمّي «صيد الساحرات») كسلاح سياسي ضد المتمردين. مع انهيار آليات الدولة، وعلى الخصوص المحاكم الدينية والهرمية الأسقفية إلى جعل المؤسسات، الملكية والدينية، موضع نقاش، وساهم ذلك في تأجج المعارضة وازدياد الراديكالية السياسية والدينية، وبالتالي فإن الأفكار والمواقف والخطب، التي تنشأ من القاعدة، يمكن أن تدفع التحول الاجتماعي. إن التأثير الدرامي للعرائض، والالتماسات، والكتيبات، التي مهدت الطريق للصراع، لا يقل أهمية عن القوات وتضاريس ساحة المعركة.
إشارة إلى نهاية العالم!
فيما ركّز المؤرخون الماركسيون لتلك الحقبة الثورية، وأشهرهم كريستوفر هيل، على تحليل الأحداث من منظور طبقي، معتبرين ما حصل انحدارا للطبقة الإقطاعية، وصعود الطبقة البورجوازية، وأن الصراع الطبقي كان الميزان الفاعل، فيما كان اصطراع الأفكار الدينية نافل الأثر.
قوّض هيلي تصنيفات الماركسيين للطرفين المتحاربين باعتبارهما: ثوريين راديكاليين ممثلين للبورجوازية، وموالين محافظين نبلاء، فقد كان العديد من قادة الثورة في جيش أوليفر كرومويل من ذوي النسب الرفيع، وكان الكثير من عامة الشعب موالين للملك يرفضون التضييقات، التي فرضها الثوريون المتشددون دينيا على شرب الخمر والاحتفال بعيد الميلاد والاستماع للموسيقى في الحانات.
الفكرة الأهم، في اعتقادي، تمثّلت في إعلان هيل بشكل قاطع أن الحرب الأهلية كانت صراعا أيديولوجيا غالبا بين أفراد الطبقة نفسها، ولم تكن صراعا طبقيا، وأن المتمردين لم يكونوا مدفوعين بالضرورة الاقتصادية، فقد سبقت أفكارهم الطريقة التي أدركوا بها مصالح طبقتهم. كان أعضاء البورجوازية، متنافسين متحمسين على جانبي الصراع.
يصرّ هيلي على أن ما كان يبدو أن الناس في القرن السابع عشر يتجادلون حوله، هو ما كانوا يتجادلون حوله بالفعل، وعندما أعلنت طائفة الملكية أن وفاة تشارلز كانت إشارة إلى نهاية العالم، كانوا يعنون ذلك حقا: كانوا يعتقدون أن القيامة ستقوم، لا أن الطبقة الوسطى ستسود، وأن المعتقدات لم تكن مجرّد تزيين للمصالح المتنافسة، «بل كانت هي المصالح المتنافسة نفسها». لقد كانت قدرة الناس في القرن 17 على الانغماس، بل الهوس، بالاختلافات اللاهوتية عالية، وكانت الخلافات الطائفية تدور حول ما كانوا يدعونه حولها. كان الناس عرضة لخطر أن يتم شقهم وحرق أحشائهم أمام أعينهم بسبب عقيدة تم التعبير عنها بشغف أكثر مما كانوا عرضة لذلك بسبب انتمائهم لطبقة مجردة.
هل سنثور مثل روسيا أم فرنسا؟
شكّل البرلمان في عام 1645 جيشا تحت القيادة المزدوجة للأرستقراطي توماس فيرفاكس، والبروتستانتي القاسي أوليفر كرومويل، وكان الجيش قوة هائلة وحديثة، ملتزمة أيديولوجيا، وأكثر انضباطا من نظرائه الملكيين. تعارض الملك وكرومويل في شخصيتيهما ومعتقداتهما السياسية. كان تشارلز مستبدا، مندفعا وغير كفوء، وغير قادر على رؤية الواقع، وصعد إلى السلطة لكونه ابن ملك، وكان كرومويل قاسيا ومتعجرفا وصعد إلى قمة السلطة لمواهبه السياسية والعسكرية، كما كان مخلصا لأفكاره الدينية، وكانت قدرته على إنشاء واستمرار تحالف واسع من الأيديولوجيات البروتستانتية أساسية في إنجازاته.
ستعود الملكيّة لاحقا عام 1660، مع تشارلز الثاني، وتستمر مع خلفه شقيقه جيمس الثاني عام 1685، لكن «الثورة المجيدة» ستطيح به بعد ثلاثة أعوام، وسيصدر البرلمان قانون حقوق الشعب الإنكليزي، وسيتكرّس التغيير الاجتماعي والسياسي الذي سيحدد سلطات الملوك اللاحقين، وسيكتسب البرلمان، بشكل نهائي، سلطة تشكيل الحكومة، وستكون هذه التغييرات حاضرة، بعد ما يقارب القرن في الثورتين الكبريين اللاحقتين، الفرنسية والأمريكية، وستسهم في تشكل أسس الدولة الحديثة بشكلها المعروف في العالم الغربي.
يقول هيلي إن أصداء إنكلترا القرن 17 «ما زالت معنا في مجتمعنا، بالبيئة التي خلقتها، وفي كل المشهد»، وأننا نعيش لحظة تاريخية مشابهة، في ثورة الإعلام، والتمزق الاجتماعي، وحرب الثقافات، التي تعيد تعريف المجتمع والسياسة. المقارنات، كما يقول بين مجتمعنا والمجتمعات السابقة مثيرة ووازنة ولكنها تستحق التفكير في ماذا يمكن أن يحدث، حين يجتمع التغير الاجتماعي، والنزاع بين الثقافات، والأخطاء السياسية.
لأسباب عديدة، تكرّست لدى النخب السياسية العربية أهمية الثورتين الفرنسية والروسية، وصارتا مقياسا لكيفية «صناعة» الثورة، ولابتعاد، أو اقتراب الحركات السياسية في المنطقة العربية من ذلك القالب، في تجاهل واضح لكون الكثير من وقائع حركات التغيير الاجتماعي والسياسي في المنطقة العربية تبدو أكثر قابلية للفهم والمقارنة عند مقارنتها بالثورة الإنكليزية، منها بالثورتين الروسية أو الفرنسية.
كاتب من أسرة «القدس العربي»